الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أنا ونفسي
نشرت سنة 1929 (1)
الآن وقد هجعت المدينة وسكن الجو، وترك الإنسان حلبة هذا النضال، وأوى إلى مضجعه يستريح من عنائه، الآن وقد خَفَتَ صوت الإنسان، ارتفع صوتٌ من نفسي يُؤذنني بالوداع، ونظرت إليها وهي تَسْبح بحلّتها البيضاء في هذا الفضاء الواسع، فضاء الكواكب والنيِّرات، تستطرق منه إلى عالم أوسع: عالم اللانهاية، لتأنس ساعة بلقاء أشباهها ونظائرها، وتبتعد قليلاً عن عالم ليست منه وليس منها في شيء، فوقفت ذاهلاً شاخصاً ببصري إلى السماء
…
وفي السماء قبل الفجر مُستَقَرُّ العواطف، وسرُّ الأمل، وباب الأبدية. ولبثت على هذا ساعة، لا أعلم من أمرها إلا ما يبقى في نفسي بعد أن أصحو، وما هو إلا ما يبقى في نفس الحالم بعد تبدُّدِ حلمه.
أصحو وأعود إلى هذا العالَم، لا حباً به، بل لأن الإنسان أفاق فَسَدَّ بشروره بابَ التأمل أمام نفسي، فعادت أدراجها،
(1) نشرت في مجلة «الفتح» ، العدد 168 من السنة الرابعة، الصادر بتاريخ 10/ 10/1929 (7 جُمادى الأولى 1348).
عادت إليّ متمرّدة عَصِيَّة، ساخطة على الإنسان، وطامحة إلى الخروج من هذا السجن الذي وُضعت فيه. عادت إليّ تسألني غَضْبَى: من أتى بي إلى هنا؟ من أسكنني في جوارك أيها الإنسان الشرير؟ لولاك ما سُجنت، أنت سبب شقائي! ويحك! لماذا تعيش في هذا العالم الفاسد؟ إنني لا أحبه ولا أطيق أهله. دعني أرحل!
تسألني فأصمت، وتلحّ في السؤال فأزيد في الصمت، فتحنق وتمسك بخناقي فتَسْوَدّ الدنيا في عيني وأكاد أفارقها. ثم أرى الفرج في أشد ساعات الخطر؛ لقد فُتحت أمامها كوّة إلى عالم الخلود، فأفرَجَت عني وتمتعت بالهناء. وما ذلك إلا لأنها سمعت صوت المؤذّن يرنّ في سكون الليل:«الله أكبر، الله أكبر» ، فأصغت إليه، ثم حملتُها فوقفت بها في الصلاة فاتصلت بعالم التأمل.
وبقيت سعيدة خاشعة حتى سمعت قولة: «السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله» فعادت لإشقائي، فأنا لا أسعد إلا في الصلاة!
* * *