الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الأدب القومي
نشرت سنة 1933 (1)
كنت غائباً عن دمشق أقيم في قرية (2) متعزّلاً الحركة الأدبية، فلم أرَ إلاّ اليوم كتاب الأستاذ أمين الريحاني «أنتم الشعراء» ، ولم
(1) نُشرت في «ألف باء» بتاريخ 13/ 10/1933 (23 جمادى الآخرة 1352). ولم أعثر على أصل المقالة، إنما عثرت على نسخة منها في دفتر مخطوط فيه بعض المقالات القديمة، وقد أشار إليها جدي رحمه الله في ذكرياته المنشورة فقال:"كان الغالب على أدب الشباب في تلك الأيام (سنة 1933) هو المذهب الرومانسي، فحملت على هذا المذهب بسلسلة من المقالات عنوانها «الأدب القومي» (وأول من جرت كلمة القومية على قلمه فيما أعلم هو محب الدين الخطيب، وهو من أوائل من دعا إلى إحياء لغة العرب وتاريخها وأمجادها، رداً لفتنة «التتريك» التي جاء بها الاتحاديون). فمن هذه المقالات مقالة نُشرت في «ألف باء» يوم الجمعة 13/ 10/1933، فُقدت فيما فُقد من كتاباتي لأن عدد الجريدة لم يُحفَظ ولأن المقالة (وكل ما كتبتُ في تلك الأيام) لم أودعه كتاباً من كتبي، ولكني وجدت نسخة عنها في دفتر كتبه أخي بخطه"(الذكريات 2/ 346 - 348)(مجاهد).
(2)
لعلها «سَقْبا» ، وهي من قرى الغوطة، وقد أمضى تلك السنة معلماً في مدرستها الابتدائية، وأخباره فيها في الجزء الثاني من «الذكريات» ، أكثرها في الحلقة 61 وقليل منها في الحلقة 65 (مجاهد).
أتعرّف الضجّة التي أثارها خطابه والخلاف الذي قام بين الأدباء بشأن الأدب القوي والأدب الباكي إلا على السماع.
والكتاب، وإن كان -بعد هذا الإعلان الضخم الذي امتلأت به أسواق لبنان- أقلَّ مما كان يرقب الناس وأضأل، وإن كان الأستاذ يوصي الشعراء بإكرام سيبويه ونفطويه والكسائي، ثم يخالف سيبويه ونفطويه والكسائي وإخوانهم أجمعين مخالفة ترتجف لها عظامهم في قبورهم! وإن كان الأستاذ يسلك في كتابه أسلوباً لا يصيب من القارئ موطن الإحساس من نفسه
…
أقول إن الكتابَ -وإن كان فيه هذا كله- صحيحُ الفكرة، والدعوة إلى الأدب القويّ التي بدأ يتولاّها مثل أحمد أمين في مصر وأمين الريحاني هنا، وأدعو إليها أنا (على ضعف قلمي)، دعوة صالحة مباركة.
ذلك أننا نشكو من شبّاننا «الناهضين» هذا التأنّث، ونحس أنهم يُعوزهم الصبر على مقارعة الحياة والنضال على البقاء، ولا نجد للمستقبل في شبّاننا ذخراً، ونؤمن بأن علاج هذا الداء هو الأدب. لأن الأديب لسان الأمة الناطق بمفاخرها الذائد عن حِماها، ألمُه لآلامها وسرورُه بسرورها. بل هو منها بمثابة القلب، فهل يُعقل أن يعيش القلب مبتوراً متفرداً، لا تربطه بالجسد رابطة ولا يتصل إليه بسبب؟
الأدباء قادة الأمة، والأمة كلها في نضال على الحياة، على الحرية، فيجب أن ينقلب الوطن كله إلى ثكنة يحارب فيها الأديبُ بشعره ونثره، والمدرّسُ بتربيته وتعليمه، والتاجرُ بدكانه وبضائعه، والصانعُ بصناعته وأدواته، والمرأةُ ببيتها وأولادها،
والأولادُ بدروسهم وكتبهم
…
فكيف يفرُّ الأديب من المعركة -وهو الجندي الأول فيها- وينسى الأمة ويستسلم إلى الضعف، ويصبّ مواهبه وقوّته على قدمَي امرأة، يحيا بابتسامة منها ويفقد الأمل إذا هي عبست أو أعرضت؟
من الذي علّقَ حياتك وأملك -أيها الأديب- على ابتسامة امرأة، قد تكون ساقطة، وقد تكون مبغضة لك ساخرة بك مُحِبّة لدراهمك؟ من الذي سدَّ في وجهك سبيل النور وحجبك عن ملذات الحياة ومفارحها ولم يُرِك إلا آلامها وأحزانها؟ لماذا ترى سواد الليل ولا ترى بياض الضحى؟ لماذا تصف بكاء السماء بالمطر في الشتاء وتدَع ضحك الأرض بالزهر في الربيع؟
وكيف تنسى رجولتك في حبك؟ أَحِبَّ ولكن لا تنسَ دينك ولا رجولتك في حبك. ابقَ رجلاً، انتصب قائماً على قدميك وشدّ عضلاتك وقُل لمن تحب (بالحلال): تعالي! لا أن تجيئها خاملاً متهافتاً ضعيفاً، تجثو على قدميها وتقول لها من خلال دموع الضعف في عينيك: أنا أحبك! إن المرأة لو خُيِّرت لما اختارت إلا الرجل القوي في جسده وفي روحه، الذي يعمل على تحقيق أمله في مستقبله، أمّا الرجل الأصفر النحيل البائس اليائس الميت من قبل الممات، فماذا تصنع به؟ هذا يحتاج إلى ممرّضة لا إلى حبيبة!
* * *
ثم إن للشاعر مجالاً يُظهر فيه عاطفته غير نفسه؛ هنالك الأمة بماضيها ومستقبلها، فليفكر بعقل الأمة وليحسّ بحسّها،
وليحترم عقله وليقدّس واجبه، فليس يكفي الشاعر أن يقول: هذه عاطفتي، ثم يأتي بكل مخدِّر للحس الوطني وكل بليّة خلقها الله، ويزعم أن هذا هو العاطفة، وأن عاطفة الشاعر فوق النقد وفوق العقل!
وليس يجوز لشاعرنا أن يقول بمقالة شعراء الفرنجة: «الفن للفن» ، كلا، فهذا هو القياس مع الفارق. للفرنجة مدافع وأساطيل وطيارات، فليستتر شعراؤهم بها وليغنّوا، أما نحن فمدافعنا وأساطيلنا وطياراتنا إنما هي في الأدب والشعر، وفي الإيمان قبلهما؛ فليكن لنا من كل مقالة مدفع، ومن كل قصيدة أسطول، ومن الإيمان قوة دونها قوة الطيارات.
حسبنا بكاءً ويأساً ورثاء للماضي وفزعاً من المستقبل وتبرّماً بالحياة، وتصديقاً بالحب العذري وقاعدة «الفن للفن» وما إلى ذلك من سخف وبَلادة!
* * *
إننا نحتاج إلى الأديب الذي عرف آمال الأمة وآلامها، وأدرك ما يَسُرّها ويسوؤها، ثم تقدم لتصوير آلامها وتقويتها على تحقيق آمالها. نحتاج إلى الأديب الذي قتل التاريخ علماً وغاص على خفاياه ومعضلاته فأوسعها فهماً، ثم عمد إلى مواطن الفخر ومواقف الأسى فصاغها قصيدة عصماء، كل بيت منها بمثابة قطرة من الدم تُهراق على مذبح الحرية والاستقلال. نحتاج إلى الأديب الذي آمن بعقيدة سامية فيها مصلحة الوطن، ثم وقف نفسَه على الدفاع عنها وتأييدها. نحتاج إلى الأديب الذي ترفّع بنفسه عن
أقوال الناس، فلا يثيره مدح ولا ذم، ولا يستفزّه نقد ولا تقريظ، ما دام سالكاً الطريق القويم والصراط المستقيم.
نريد من شبّاننا الذين يتلقون الأدب أن يتحامَوا أدب لامارتين وموسّه والمجنون (1)، وأن يتحاموا أغاني عبد الوهاب الباكية اليائسة، وأن يقرؤوا أدب القوة ويسمعوا أناشيد الحماسة، وأن يعلموا أن المثل الأعلى لأدبنا اليوم ليس «الفن للفن» ولكن «الفن للحياة» ، وليس «العاطفة» بل «الواجب» !
* * *
(1) إذا أُطلق اسم «المجنون» في كتب الأدب فهو مجنون بني عامر المشهور بمجنون ليلى، واسمه -على الأشهر- قيس بن الملوَّح (مجاهد).