الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين فضَّل الشهور والأيام، واسبغ على الخلق من آلائه ونعمه ما يشهد به أولو البصائر والأفهام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أفضل من صلى وحج وصام، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر المرسلين.
أيها المسلمون! كما هي فاضلة أيام العشر كلها، ويوم عرفة على الخصوص، فثمة يومٌ فاضلٌ من أيام الله، إنه يومُ الحجِّ الأكبر، يومُ النحر، عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال: «يومُ الحجِّ الأكبر يومُ النحر» (1)، وهو أفضل أيام العام لحديث عبد الله بن قرط رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«إن أعظم الأيام عند الله تعالى يومُ النحر ثم يوم القرِّ» (2).
وبهذا كان يُفتي شيخ الإسلام ابن تيمية يرحمه الله، وقد سئل عن يوم الجمعة ويوم النحر أيهما أفضل؟ فأجاب: يومُ الجمعة أفضل أيام الأسبوع، ويوم النحر أفضل أيام العام، ووافقه ابن القيم فقال:«وغير هذا الجواب لا يسلم صاحبُه من الاعتراض الذي لا حيلة له في دفعه» (3)، «ولقد فضل العلماء عيد النحر على عيد الفطر» (4).
إخوة الإسلام! إذا عُلم فضل هذا اليوم -أعني عيد الأضحى- أفيسوغ التكاسل
(1) أخرجه أبو داود / 420، وابن ماجه 2/ 1016، بسند صحيح، وأخرجه البخاري تعليقًا 8/ 320 من الفتح.
(2)
أخرجه أبو داود بإسناد جيد. كما قال الألباني في تخريج المشكاة 8/ 810.
(3)
الفتاوى 25/ 289.
(4)
الفوزان ص 101.
فيه عن الطاعة، أم يسوغ فيه اللهو المحرم من الملة، إن بعض الناس يتراخون في حضور صلاة العيد وهي سنة مؤكدة لا ينبغي لمسلم قادرٍ تركُها، ومن أهل العلم من يرى وجوبها كابن تيمية وابن القيم، قال ابن تيمية:((وقولُ من قال: لا تجبُ في غاية البعد، فإنها من أعظمِ شعائر الإسلام، والناس يجتمعون لها أعظمَ من الجمعة وقد شُرع فيها التكبير، وقول من قال: هي فرض على الكفاية لا ينضبط)) (1).
وقال ابن القيم عن وجوبها: ((وهذا هو الصحيحُ في الدليل)) (2).
وهناك غيرهم قال بالوجوب، واستدل العلامةُ صديق حسن خان على وجوب صلاة العيدين بأنها مسقطة للجمعة إذا اتفقتا في يومٍ وأحد، وما ليس بواجب لا يسقط ما كان واجبًا .. )) (3).
يا أخا الإسلام! إذا كان رسولُ الهدى صلى الله عليه وسلم أمر النساء العواتق وذوات الخدور والحيض -مع اعتزالهن للصلاة- بالخروج لصلاة العيدين، أفيليق بك أن تتأخر عنها، أو تترك أهلك وأولادك عن حضورها مع المسلمين! إنها أعيادُنا المشروعة في الإسلام ((عيد الفطر وعيد الأضحى)) يعظم فيها ذكر الله، ويجتمع المسلمون توحدهم رابطة العقيدة وإن اختلفت بلادهم، أو تعددت لغاتهم، أو تباينت ألوانهم .. وإذا لزم إظهارُ هذه الشعيرة في كلِّ حالٍ، فهي في حال ضعف المسلمين وهوانِهم أحرى وأولى .. وكم فيها من غيظ للأعداء .. وكم في اجتماع المسلمين بشكلٍ عام من قوة تُرهب الأعداء لو عقل المسلمون قيمة اجتماعِهم
(1) الفتاوى 23/ 161.
(2)
كتاب الصلاة لابن القيم ص 29، عن مجالس عشر ذي الحجة، الفوزان ص 105.
(3)
الموعظة الحسنة 43، 42، والروضة الندية، عن مجالس العشر ص 105.
وتوحدت قلوبهم كما اجتمعت أبدانهم.
أيها المسلم! السنة أن تتنظف وتتطيب وتلبس أحسن ثيابك لصلاة العيد، وأن تخرج إليها مبكرًا، مُكبرًا، وألا تأكل شيئًا في عيد الأضحى قبل الصلاة، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يطعمُ في عيد الأضحى حتى يرجع من الصلاة فيأكل من أضحيته (1).
عباد الله! الأضحية مشروعة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، وقد اختلف العلماءُ هل هي واجبة أم سنة، والأكثرون على أنها سنة مؤكدة في حقِّ الموسر، ومن أهل العلم من قال بوجوبها .. (2).
وقد جاء في فضلها ما يدعو إلى المسارعة والمسابقة فيها ابتغاء فضل الله، بل لقد جعل الله لكلِّ أمةٍ منسكًا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام كما في آية الحج (34) قال ابن كثير وحمة الله: يخبر تعالى أنه لم يزلْ ذبحُ المناسك وإراقة الدماء على اسم الله مشروعًا في جميع الملل (3).
أيها المسلمون! اختاروا أضاحيكم وطيبوا بها نفسًا، وكلما كانت أغلى وأكمل فهي أحب إلى الله، قال ابن تيمية يرحمه الله:((والأجرُ في الأضحية على قدر القيمة مطلقًا)) (4). وتحققوا من خلوها من العيوبّ المانعة للإجزاء، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أربع لا تجوز في الأضاحي -وفى رواية: لا تجزئ- العوراء البينُ عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ضلعها، والكسيرة التي لا
(1) زاد المعاد 1/ 441.
(2)
الفوزان .. المجالس ص 71.
(3)
تفسير ابن كثير 420.
(4)
الاختيارات ص 120، عن المجالس ص 82.
تنقي)) (1)، ويقاس على هذه العيوب ما كان مثلها أو أشد. قال الإمام النووي:((وأجمعوا على أن العيوب الأربعة المذكورة لا تجزئ التضحية بها، وكذا ما كان في معناها أو أقبح منها كالعمى، وقطع الرجل وشبهه)) (2).
يا أيها المؤمنون! قال العلماء: والأصل في الأضحية أنها مشروعة في حقّ الأحياء، أما عن الأموات فهي على ثلاثة أقسام: الأولى أن يُضحى عنهم تبعًا للأحياء بأن يشركوا مع الأحياء في ثوابها- كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه وعن أهل بيته ومنهم من مات قبله، الثاني: التضحية عن الأموات بمقتضى وصاياهم تنفيذاٌ لها، وقد قال تعالى عن الوصية:{فمن بدل بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه} (3)، الثالث: أن نضحي عن الأموات تبرعًا مستقلين عن الأحياء، فهذه جائزة كذلك، ولكن قال بعض أهل العلم: لا نرى أن تخصيص الميت بالأضحية من السنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يضح عن أحدٍ من أمواته بخصوصه، ولم يرد عن أحد! من أصحابه في عهده أن أحدًا منهم ضحى عن أحدٍ من أمواته، ومن الخطأ أيضًا ما يفعله بعض الناس ممن يضحون عن الميت أول سنة يموت أضحية يسمونها (أضحية المقرة)، أو يضحون عن أمواتهم تبرعًا ولا يضحون عن أنفسهم، وأضحية الرجل تكفي عنه وعن أهل بيته، الأحياء والأموات وذلك من فضل الله ورحمته (4).
(1) أخرجه أبو داود 7/ 505، والترمذي 5/ 81، والنسائي 7/ 214.
(2)
شرح مسلم 13/ 128.
(3)
سورة البقرة، آية:181.
(4)
ابن عثيمين: تلخيص كتاب أحكام الأضحية والذكاة.
عباد الله! سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض .. وتعرضوا لنفحات الله في هذه الأيام الفاضلة، فإن الثواء قليل، والرحيل قريب، والطريق مخوف، والاغترار غالب، والخطر عظيم، والناقد بصير وربك بالمرصاد ولا يظلم ربك أحدًا {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} (1) اللهم اسلك بنا طريق المتقين الأبرار، وأعذنا من خزي الدنيا وعذاب النار .. وتقبل منا واغفر لنا يا كريم يا غفار. هذا وصلوا.
(1) سورة الزلزلة، الآيتان: 7، 8.