الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هم العدوُّ
صفاتهم وملامحهم
(1)
الخطبة الأولى:
الحمد لله رب العالمين كتب العزة له ولرسوله وللمؤمنين، وجعل الذِّلة والصغار لأعدائه من الكافرين والمنافقين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أرسل رسوله بالهدى ودين الحقِّ ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله جاهد الكفار والمنافقين حتى نصره الله عليهم، وليس لأمته أن يتخلفوا عن سنته، ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا.
{ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون} (3).
{وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط} (4).
(1) ألقيت هذه الخطبة يوم الجمعة الموافق 1/ 2/ 1418 هـ.
(2)
سورة لقمان، الآية:33.
(3)
سورة المائدة، الآية:35.
(4)
سورة آل عمران، الآية:120.
عباد الله! وقد سبق بداية الحديث عن المنافقين وخطرهم وكثرتهم وبلية الإسلام بهم، ومحنة المسلمين معهم، وانخداع البعض بهم، وخوف المؤمنين على أنفسهم من النفاق لخفائه وتشعبه، ووعدت في هذه الخطبة بالحديث عن سماتهم وصفاتهم في الكتاب والسنة. والحديث عن صفات المنافقين وعلاماتهم يكشف لنا طرفًا من إعجاز القرآن الكريم حين فضح السابقين منهم رغم خفائهم وتسترهم بنفاقهم.
وبقيت آيات القرآن وستبقى هادية لمعرفة المنافقين في كل زمان ومكان لمن تأمل ونظر بنور الله، ولا يزال المؤمنون يدركون عظمة القرآن ودقة تعبيره كلما أطلَّ النفاق برأسه، وبرزت طوائف من المنافقين، نعم أيها المسلمون ليست ظاهرة النفاق مرحلة مرَّت في التاريخ وانتهت .. كلا وقد سمعتم قول صاحب سرِّ المنافقين حذيفة رضي الله عنه وهو يقول: المنافقون الذين فيكم شرٌّ من المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويقول الإمام مالك رحمه الله: النفاق في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الزندقة فينا اليوم، وإذا توسع مصطلح النفاق وتعددت مسميات المنافقين في عهد الإمام مالك رحمه الله، أمكن أن يطلق على المنافقين أكثر من مسمى في هذا الزمان إذا توفرت فيهم سيما المنافقين (1).
ويقول ابن تيمية رحمه الله: والمنافقون ما زالوا ولا يزالون إلى يوم القيامة (2).
وكذلك قال ابن القيم رحمه الله معللا ذكرهم في القرآن حيث قال: واعلم أنه كلما انقرض منهم طوائف خلفهم أمثالهم، فذكر أوصافهم لأوليائه ليكونوا منها على حذر .. (3).
(1) تفسير القرطبي 1/ 199، حديث الإفك 103.
(2)
الفتاوى 7/ 212.
(3)
مدارج السالكين 1/ 386.
عباد الله! إذا تقرر منحة الإسلام والمسلمين بالمنافقين قديما وحديثا كان لا بد من بيان سماتهم والتعرف على علاماتهم حتى يحذر المسلمون شرورهم ولا يتورطوا بشيء من خلال النفاق وصفات المنافقين على أن حصر جميع صفاتهم والإحاطة بكل علاماتهم ومواقفهم أمر يصعب ويطول وحسبي الإشارة إلى شيء منها.
إخوة الإيمان! أما وصف جوارح المنافقين، فأسماع قلوبهم قد أثقلها الوقر فهي لا تسمع منادي الإيمان، وعيون بصائرهم عليها غشاوة العمى فهي لا تبصر حقائق القرآن، وألسنتهم بها خرس عن الحق فهم به لا ينطقون {صم بكم عمي فهم لا يرجعون} (1).
لقد حكم القرآن بكذب ألسنتهم ومرض قلوبهم وجاءت السنة ببيان قلوبهم المنكوسة، فقال تعالى:{والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} (2).
وقال تعالى: {في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا} (3). وقال عليه الصلاة والسلام: ((القلوب أربعة .. )) فذكر منها القلب المنكوس وهو قلب المنافق - لأنه عرف الحقّ ثم أنكره (4).
والمنافقون مع كذبهم يخلفون الميعاد، ويخونون الأمانة، ويغدرون حين يعاهدون، ويفجرون حين الخصومة، كذلك ثبت عن رسول الهدى صلى الله عليه وسلم علاماتهم،
(1) سورة البقرة، الآية: 18، انظر ابن القيم، المدارج 1/ 380.
(2)
سورة المنافقون، الآية:1.
(3)
سورة البقرة، الآية:10.
(4)
رواه أحمد بسند جيد حسن. كما ذكر ابن كثير في تفسيره 1/ 56.
وجاء في بعض الروايات ((وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم)) (1).
أيها المسلمون! من علامات المنافقين التكاسل عن الطاعات والمراءات حين يؤدون الواجبات، ومن المحكَّات التي تكشفهم الصلوات المكتوبة إذ هي أعظم شعيرة في الدين وثاني أركان الإسلام بعد الشهادتين، والله يقول عن المنافقين {إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا} (2). وقال تعالى:{ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى} (3). فالقيام للصلاة من قبلهم بكسل، ولولا مراءات الناس ما قاموا، ولذا تراهم لا يذكرون الله فيها إلا قليلًا، وينكشف المنافقون أكثر في صلاتي العشاء والفجر - حيث تقلُّ الرقابة وتثقل عليهم الطاعة:((أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما من الأجر لأتوهما ولو حبوًا)).
يؤخرون الصلاة عن وقتها، وينقرونها نقر الغراب، ويلتفتون فيها التفات الثعلب، وقلِّ ما يشهدون الصلاة مع جماعة المسلمين، ألا فاحذر أيها المسلم مشابهة المنافقين، وأخرج نفسك من دائرة النفاق، وإذا كان هذا شأنهم في الصلاة فلا تسأل عن حالهم في الصيام، أما في الزكاة والصدقات، فقد شهد القرآن ببخلهم وقبض أيديهم، وقال فيما قال عنهم:{ولا ينفقون إلا وهم كارهون} (4).
عباد الله! حين يتفق العقلاء أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضمانة بقاء
(1) رواه مسلم.
(2)
سورة النساء، الآية:142.
(3)
سورة التوبة، الآية:54.
(4)
سورة التوبة، الآية:54.
وصلاح للمجتمع، فيه تحيا الفضيلة وتُرعى، وتحاصر الرذيلة وتُستنكر، ينتكس المنافقون في فهمهم، وتراهم يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، لا فرق في ذلك بين الرجال والنساء، يشتركون في السمة والأداء، كما يشتركون في العقوبة والجزاء. قال تعالى:{المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف} (1)، وقال تعالى:{ليعذب الله المنافقين والمنافقات} (2).
ويبلغ بهم الانتكاس غايته وهم يحسبون الفساد إصلاحًا ويشترون الضلالة بالهدى، وتلك تجارة غير رابحة، وما أولئك بالمهتدين. أجل إن المنافقين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، ولا يتورعون في التهم الباطلة، وإن قومًا تطاولوا في تهمهم على مقام بيوت الأنبياء عليهم السلام، لن يتورعوا في إلصاق التهم زورًا وبهتانًا على غيرهم من باب أولى.
ولو أن كلَّ ذئب عوى ألقمته حجرًا
…
لأصبح الصخر مثقالًا بدينار
أيها المسلمون! تاريخ المنافقين حافل بالسخرية بالدين والاستهزاء واللمز بالمتدينين، وتلك طامة كبرى كشف القرآن فيها دخيلة المنافقين وحكم بكفرهم عليها رب العالمين حتى وإن اعتذروا فيها ظاهرًا أمام المسلمين {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين} (3).
(1) سورة التوبة، الآية:67.
(2)
سورة الأحزاب، الآية:73.
(3)
سورة التوبة، الآيتان: 65، 66.
وكشف عورهم مرة أخرى بالسخرية بالمتطوعين من المؤمنين ووعدهم العذاب الأليم فقال تعالى: {الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم} (1).
تُرى أيضيق المستهزئون اللاحقون بالدين والمتدينين على قوارع القرآن بأسلافهم السابقين، أم تُراهم -لشدة جُرمهم- لا ينتفعون بواعظ القرآن وإن سمعوه، كما طُبع على قلوب من سبقهم {ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم} (2). ويح المنافقين وهم يظنون أنهم يخدعون أهل الإيمان بادعاء الإيمان، ويصرحون لشياطينهم بصدق المودة:{وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون} .
عباد الله! من سيما المنافقين أن ولاءهم للكافرين وإن عاشوا بين ظهراني المسلمين، وقلوبهم مع أعداء الدين، وإن كانوا بألسنتهم وأجسامهم وعدادهم في المسلمين، يخشون الدوائر فيسارعون للولاء والمودة للكافرين، ويسيئون الظن بأمتهم فيرتمون في أحضان أعدائهم ويزعمون إبقاء أيادٍ عند الكافرين تحسبًا لظفرهم بالمسلمين {فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين} (3).
والمنافقون حين الوقيعة أشدُّ خوفًا وأعظم هلعًا، تدور أعينهم كالذي يُغشى عليه من الموت، وودّ المنافقون إذا حلَّ بالمسلمين عدوّ أنهم بعيدون عن مواقع النزال،
(1) سورة التوبة، الآية:79.
(2)
سورة محمد، الآية:16.
(3)
سورة المائدة، الآية:52.
أشتاتٌ في البوادي القفار من بعد يتخذون الأخبار {يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسألون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا} (1).
أيُستكثر بهؤلاء من قلة؟ أم يُتقوى بهم من ضعف؟ كلا .. إنهم معوِّقون ومخلفون ومفتونون ومبطئون، ولا يأتون البأس إلا قليلا:{لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا} (2). إنهم جسم غريب في الأمة، وهم نشاز في أمانيهم ومشاعرهم تجاه أهل الملة فإن أصاب المسلمين عافية ونصر وظهور ساءهم ذلك وغمهم، وإن أصابهم ابتلاء وامتحان يمحص الله به ذنوبهم ويكفر به عن سيئاتهم أفرحهم ذلك وسرهم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم {إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط} (3). نفعني الله وإياكم بهدي القرآن.
(1) سورة الأحزاب، الآية:20.
(2)
سورة التوبة، الآية:47.
(3)
سورة آل عمران، الآية 120.