الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الخطبة الثانية:
الحمد لله ربِّ العالمين، منَّ على عباده بمواسم الخيرات ليغفر لهم الذنوب ويكفر عنهم السيئات، ويضاعف لهم الثواب ويرفع لهم الدرجات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة أرجو بها النجاة يوم ألقاه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أبان للأمة طريق النجاة وحذرها عن أسباب الهلكات فصلوات ربي وسلامه عليه وعلى كلِّ من بعثه الله بشيرًا ونذيرًا.
عباد الله! هناك عدد من الأمور تدعو الحاجة إلى بيانها لاستقبال شهر رمضان- بلغنا الله إياه وأعاننا فيه على فعل الخيرات واجتناب السيئات، ومن هذه الأمور:
أولًا: أن نستقبله بعزيمة صادقة على فعل الخيرات، وتوبة صادقة يكفِّر الله بها السيئات، وفي رمضان عون بإذن الله على هذا وذاك لمن صدق الجهاد {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين} (1).
ثانيًا: ألا نستقبله بصوم يوم أو يومين قبله، قال عليه الصلاة والسلام:((ولا تصلوا رمضان بيوم من شعبان)) (2).
وفي الحديث المتفق على صحته قال صلى الله عليه وسلم: ((لا تقدَّموا شهر ومضان بصيام يومٍ ولا يومين إلا رجل كان يصومُ صومًا فليصمه)) (3).
ثالثا: والإقبال على الله في بداية الشهر ظاهرة تلفت نظر المتأمل، وهي مؤشر لأصالة الخير في النفوس يُسَرَّ لها المسلم ويستبشر، ولكن الانجفال بعد ذلك
(1) سورة العنكبوت، آية:69.
(2)
شرح السنة 6/ 232.
(3)
انظر المصدر السابق 6/ 237.
والتقهقر علامة الردى، وهو انتصار للشيطان في معركة الشهوات ومردته مصفدون فكيف بمقاومته إذا فُكت الأغلال وأطلق المصفدون إنه مظهر يحزن القلب له وحُق للعين أن تدمع- فإياك إياك يا أخا الإسلام أن تكون من هذا الصنف فتُحرم.
رابعًا: والعُمرة في رمضان مكسب ولها مزيّة وقد قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم لامرأة من الأنصار: ((ما منعك أن تحجي معنا؟ )) قالت: لم يكن لنا إلا ناضحان، فحج أبو ولدها وابنها على ناضح وترك لنا ناضحًا ننضح عليه، قال:((فإذا جاء رمضان فاعتمري، فإن عمرة فيه تعدل حجة)) (1). وفي حديث آخر صحَّ سنده: ((عمرة في رمضان كحجة معي)) (2)، وهذا لا شك فضل عظيم وثواب كبير فكيف إذا انضاف إليه فضل الصلاة ما شاء الله في المسجد الحرام، والصلاة فيه عن مائهّ ألف صلاة، كما صحّ بذلك الحديث، وهكذا مضاعفة الذكر وتلاوة القرآن وأنواع الطاعات.
ولكن البلية كلَّ البلية فيمن يذهبون لهذا العمل الخيّر ويضيعون أبناءهم وبناتهم وأهليهم ومن ولَاّهم الله عليه، وسواء كان هذا الضياع في تركهم حين السفر بلا رقيب أو حسيب، أو اصطحابهم إلى البقاع الطاهرة دون العناية بهم، فيتسكعون في الشوارع والأسواق وتفتن النساء الرجال بزينتهن وتبرجهن، ويؤذي الشباب النساء بمضايقتهن أو الاعتداء عليهن .. مصيبة أيها المسلم أن تكون في عداد الراكعين الساجدين في المسجد الحرام، وأهلُ بيتك يفتنون الناس ويؤذونهم، ألا فانتبهوا معاشر المسلمين لهذا المزلق الخطر، واهتموا بأبنائكم وبناتكم وإخوانكم وأخواتكم في حال سفركم أو إقامتكم رغِّبوهم في الخير وحذروهم من الشرِّ،
(1) متفق عليه من حديث ابن عباس (انظر صحيح البخاري مع الفتح 3/ 603).
(2)
صحيح الجامع الصغير 4/ 54.
استصحبوهم معكم واسألوا عنهم حين يغيبون عن أنظاركم.
خامسًا: أما الذين يكثرون الأسفار والإنفاق وعليهم ديون للخلق وحقوق، فيكفي أن يذكَّر هؤلاء بقول النبي صلى الله عليه وسلم ((يغفر للشهيد كلُّ ذنب إلا الدَّين)) (1)، وفي الحديث الآخر:((والذي نفسي بيده لو أن رجلًا قُتل في سبيل الله ثم أحيي، ثم قتل ثم أحيي، ثم قتل وعليه دين ما دخل الجنة حتى يُقضى عنه دينه)) (2)، ألا فتخففوا من حقوق الخلق، وأدوا الحقوق إلى أهلها تسعدوا في محياكم ومماتكم.
سادسًا: وحقُّ الله أحق ((فمن مات وعليه صوم صام عنه وليُّه)) كما صح بذلك الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (3).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أختي ماتت وعليها صوم شهرين متتابعين، وفي رواية: وعليها صوم شهر- قال: ((أرأيت لو كان على أختك دين أكنت تقضينه؟ )) قالت: نعم، قال:((فحق الله أحق)) (4).
ويتأكد هذا أكتر في حقِّ صيام النذر الذي أوجبه الإنسان على نفسه ولم يف به، أو في الفرض الذي تمكن فيه من القضاء فلم يقض حتى مات، قال البغوي رحمه الله:((واتفق عامة أهل العلم على أنه إذا أفطر بعذر أو سفر أو مرض، ثم لم يُفرط في القضاء بأن دام عذره حتى مات لا شيء عليه، غير قتادة، فإنه قال: يُطعم عنه)) (5).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية يرحمه الله: ((إذا أتصل به المرض ولم يمكنه
(1) رواه مسلم.
(2)
رواه النسائي بسند حسن، تنبيه هام للشيخ العلوان 1415 هـ.
(3)
متفق عليه انظر: شرح السنة 6/ 324.
(4)
متفق عليه وانظر: شرح السنة للبغوي 6/ 325.
(5)
شرح السنة 6/ 327.
القضاء، فليس على ورثته إلا الإطعام عنه .. )) (1).
سابعًا: ومن أصبح جنبًا من جماع أو احتلام صام ذلك اليوم ولا شيء عليه، كما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يصبح جنبًا من جماع ثم يصوم ذلك اليوم (2).
ثامنًا: ((ومن أكل أو شرب ناسيًا، فليتمَّ صومه فإنما أطعمه الله وسقاه)) كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (3).
تاسعًا: ((ومن ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمدًا فليقض))، كذا قال المصطفى صلى الله عليه وسلم (4).
عاشرًا: والسواك سنة للصائم في أول النهار وآخره ((رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ما لا أحصي يتسوك وهو صائم)) (5)، ثم قال: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم لم يروا بأسًا بالسواك للصائم أول النهار وآخره، إلا أن قومًا كرهوا له أن يستاك بالعود الرَّطب (6).
إخوة الإسلام .. بادروا بعمل الصالحات واستعينوا بالصبر والصلاة، وأكثروا من الذكر وتلاوة القرآن، وسابقوا إلى الصدقات، وتحسسوا حاجة إخوانكم المسلمين، فرمضان شهر البِّر والإحسان والمواساة، أسأل الله أن يهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام، وأن يجعله هلال رشد وخير، وأن يجعله عونًا على إصلاح أحوال المسلمين وجمع كلمتهم على الحق والدين، هذا وصلوا وسلموا على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(1) الفتاوى 25/ 296.
(2)
متفق عليه شرح السنة 6/ 279.
(3)
متفق عليه، السابق 6/ 291.
(4)
صححه ابن حبان والحاكم (السابق 6/ 293).
(5)
رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن.
(6)
شرح السنة 6/ 298.