الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسلمون والإدالة عليهم
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، اللهم صلِّ وسلم عليه، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارضَ اللهم عن أصحابه أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أيها الناس! أوصي نفسي وإياكم بتقوى الله، ومن يتق الله يجعل له مخرجًا .. ومن يتق الله يكفرْ عنه سيئاته ويعظم له أجرًا.
عباد الله! كتب اللهُ أن الغلبة والعزةَ والنُصرةَ للمؤمنين، وأن الذلَّ والصغار والمهانةَ للكافرين.
تجدون ذلك مبثوثًا في أكثر من آية في كتاب الله العزيز، الذي لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، ومن ذلك قولُه تعالى:{ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} (2)، وقوله تعالى:{وإن جندنا لهم الغالبون} (3)،
(1) سورة الأنفال، آية:29.
(2)
سورة المنافقون، آية:8.
(3)
سورة الصافات، آية:173.
وقوله: {والعاقبة للمتقين} (1).
ومثل ذلك كثيرٌ في كتاب الله.
وبعضُ الناس حين يقرأ هذه الآيات وأمثالها، وينظرُ في واقع المسلمين اليوم وما هم فيه من ذلَّةٍ وضعفٍ وتشرذمٍ وما يتمتع به عدوُّهم من قوةٍ وغلبةٍ وتمكينٍ، يظنُ أن هذه الوعود للمؤمنين في الآخرة دون الدنيا، ويظن كذلك أن النعيم في الدنيا لا يكونُ إلا للكفار والفجار، وأن حظ المؤمنين من ذلك في الدنيا قليلٌ، قد يعتقدُ أن العزة والنصرة في الدنيا تستقر للكفار والمنافقين على المؤمنين (2).
وهذه ظنون كاذبة، وفيها تزكيةٌ للنفوس غيرُ عادلة وغفلةٌ عن شروط النصر والتمكين لهذه الأمة.
وأين الذين يفهمون أن هذه الوعود للمؤمنين خاصةٌ بالآخرة دون الدنيا- أين هم من قوله تعالى: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} (3).
فالوعدُ للحاضر والمستقبل- فضلًا عن الماضي- والنصرة في الحياة الدنيا وفي الآخرة ظاهرٌ لا يحتمل التأويل.
فكيف يُجمع بين الوعدِ والواقع؟ وهل من تعارض بين واقع الأمة وما وُعدت به؟ وما الحكمُ من رواء الإدالة على أهل الإسلام في فتراتٍ من حياتهم؟
أيها المسلمون! ولا تعارض بين واقع الأمة المسلمة وما وعدت به، فوعدُ الله
(1) سورة الأعراف، آية:128.
(2)
إغاثة اللهفان 2/ 255.
(3)
سورة غافر، آية:51.
حقٌّ، وسنته ثابتةٌ لا تتغير، فهو حسبُ المؤمنين وكافيهم {يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين} (1). وهو يدافع عن المؤمنين بنص القرآن:{إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور} (2).
{ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا} (3).
ولكن السؤال المهم: هل تحقق الشرطُ، وتخلف الوعدُ؟ كلا والعالمون يقولون: إن هذه الآياتِ وهذه الوعود إنما هي لأهلِ الإيمان الكامل، فإذا ضعف الإيمانُ صار لعدوهم عليهم من السبيل بما تركوا من طاعةِ الله.
وكفايتهُ لهم إنما هي بحسب اتباعِهم لرسوله صلى الله عليه وسلم، وانقيادهم له، وطاعتهم له، فما نقص من الإيمان عاد بنُقصان ذلك كلِّه، وكذلك المدافعة مشروطةٌ بالإيمان، فإذا ضعف الدفعُ عنه فهو من نقصِ إيمانه.
فيا قارئ القرآن! تأمل هذه الضماناتِ لعدم الهوان، أو الدعوةِ للسلم في آيتين من كتاب الله، هما: ولا تهنوا ولاتحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} (4).
وقوله تعالى: {فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وانتم الأعلون الله معكم ولن يتركم أعمالكم} (5).
فهذا الضمانُ إنما هو بإيمانهم وأعمالهم، التي هي جند من جنود الله يحفظهم بها (6).
(1) سورة الأنفال، آية:64.
(2)
سورة الحج، آية:38.
(3)
سورة النساء، آية:141.
(4)
سورة آل عمران، آية:139.
(5)
سورة محمد، آية:35.
(6)
ابن القيم، إغاثة اللهفان 2/ 264.
وفي حالة غيابها أو ضعفها تسوء أحوالُهم ويُسلط عليهم أعداؤهم.
إخوةَ الإسلام! من الخطأ ومعوقات النصر أن يحسن العبدُ ظنه بنفسه وبدينه- مع ما هو فيه من مخالفاتٍ وتقصير وضعفٍ وهوى، وحب للدنيا- ثم تراه بعد ذلك يتحسر ويقول: لماذا يُذل المسلمون، ويُديل الله عليهم الكافرين؟ ! ولماذا يتفرق المسلمون، ويجتمعُ عليهم الكفرة والمنافقون؟ !
وفي هذا المقام يقول ابنُ القيم يرحمه الله موضحُا جوانب من تقصير العبدِ في دينه: فإن العبدَ كثيرًا ما يترك واجباتٍ لا يعلمُ بها، ولا بوجوبها فيكون مقصرًا في العلم، وكثيرًا ما يتركها بعد العلمِ بوجوبها، إما كسلًا أو تهاونًا، وإما لنوع تأويلٍ باطلٍ، أو تقليد، أو لظنه أنه مشتغلٌ بما هو أوجب منها، أو لغير ذلك، فواجبات القلوب أشدُّ وجوبًا من واجبات الأبدان وآكدُ منها، وكأنها ليست من واجبات الدين عند كثيرٍ من الناس، بل هي من باب الفضائل والمستحبات .. ثم يضرب ابنُ القيم نموذجًا لهذا التقصير في الواجبات فيقول: ما أكثرَ من يتعبدُ الله يترك ما أوجب عليه، فيتخلى وينقطعُ عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع قدرته عليه، ويزعم أنه متقربٌ إلى الله تعالى بذلك مجتمعٌ على ربه تبارك وتعالى، تارك ما لا يعنيه، فهذا من أمقتِ الخلقِ إلى الله، وأبغضِهم إليه، ومع ظنه أنه قائم بحقائق الإيمان وشرائع الإسلام وأنه من خواص أوليائه وحزبه (1).
عباد الله! إذا كان ما ذكره ابنُ القيم نموذجًا لتقصير الخيرين ومن يزعمون أنهم أولياءُ الله .. فكيف وفي المسلمين من يستسهل تركَ الواجباتِ المهمةِ في الدين .. وفيهم من لا يتورع عن إتيان المحرمات صباحًا ومساءً، وفيهم من لا يهمه شأنُ
(1) إغاثة اللهفان 2/ 260، 261.
الإسلام، ولا يعنيه أمرُ المسلمين عزوا أم ذلوا مُكِّن لهم في الأرض أم مكن لغيرهم .. ؟ وفيهم وفيهم ..
بل وكيف الحال وفي المسلمين من يدل الكفار على العورات .. أو يتولى بفكره وقلمه هدمَ بناءِ الإسلام، أو يشكك في أصوله ومعتقدات أبنائه، ويدعو لتمجيد عقائد الكفار، ويروج لأفكارهم في بلاد المسلمين؟
أيها المؤمنون! كيف يعز المسلمون ويُنصروا على عدوهم والخلافاتُ والبغضاء والشحناء تعلو رايتها بينهم، وكلُّ حزب بما لديهم فرحون، ولربما بلغت شدة الخصومة بينهم حدًّا رأى الخصمُ فيها محاسنَ خصمِه مساوئ وإيجابياته سلبيات، وكأن الشاعر عناهم بقول:
نظروا بعين عداوةٍ ولو أنها
…
عينُ الرضا لا تستحسنوا ما استقبحوا
إنها راياتُ الهوى .. والتعصبِ، والظلم ينصبها الشيطانُ ويُخيَّلُ لصاحبها أنه محقُّ وغيرُه مبطل، وهو المصيبُ وغيرُه مخطئ .. وما ذاك من العدل الذي أُمر به المسلمون:{وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى} (1)، {فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى} (2).
بالعدل قامت السماواتُ والأرض، ولأجله أرسل الرسل وأنزلت الكتب .. ومصيبةٌ أن يتخلى أهلُ العدلِ عن عدلهم أو عن شيء منه .. ويتشبث به ولو بنوع منه أعداؤهم.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب
(1) سورة الأنعام، آية:152.
(2)
سورة النجم، آية:32.
والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز} (1).
(1) سورة الحديد، آية:25.