الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، يسر من شاء لليسرى، وجعل نصيب آخرين العسرى، وهو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يمتحن الناس في هذه الدنيا وعنده يوم القيامة الجزاء الأوفى.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله نظر ربُّه في قلوب الرجال فوجد قلبه أزكاها وأتقاها فاختاره لرسالته، ونظر في قلوب الرجال من بعده فوجد قلوب الصحابة الهدى والتقى فاختارهم أصحابًا له .. وبهم يقتدى .. اللهم صلِّ وسلم على نبينا محمد وعلى سائر النبيين والمرسلين.
أيها المسلمون! إذا كانت القلوب تموت بمصاحبة الأشرار، أو تُصاب بالعلل الكبرى، فإن في مصاحبة الأخيار دواءً للقلوب وحياةً لها، وقد نقل النووي رحمه الله عن الزاهد العابد إبراهيم الخواص أنه قال: دواءُ القلب خمسة .. وذكر منها: مجالسة الصالحين (1).
أيها المسلم! قد تستهويك رفقة الأخيار لما جاء في فضلها وآثارها، ولكنك قد تجد من نفسك تثاقلا أو حياءً، أو حواجز نفسية ووهمية عن اللقاء بالخيرين والانبساط إليهم، فجاهد نفسك في البداية تجدها منقادة لك في النهاية .. واعلم أن العتبة الأولى لقربك من الخير وأهله كثرة صلتك بالله، واستدامتك لطاعته وإخلاصُك في عبوديته .. وهجرُ الفساد والانقطاع عن مجتمع الفاسدين .. فتلك عون لك بإذن الله على الانخراط في سلك الخيرين، والفرار من مجتمع البطالين.
(1) التبيان في آداب حملة القرآن ص 46، عن أسباب العشرة 148.
أيها الأخيار .. وإذا جاءكم المرءُ مقبلًا على الخير ملتمسًا طرق النجاة صادقًا في عزمه، مخلصًا في ظاهره، فإياكم أن تكفهروا في وجهه، ولو رأيتم عليه بقايا من آثار المعاصي، أو لوثات فكرية من بقايا الماضي .. فحقُّ من وضع رجله في الطريق الصحيح أن يُقابل بالودِّ والترحاب، وحق على من استغاث بأهل الخير أن يغيثوه ويقفوا معه، إن من الخطأ أن ينغلق أهل الخير على أنفسهم، أو تكون الريبةُ هي الأصل في تعاملهم .. والمسلم -وإن كان مطلوبًا أن يكون كيِّسًا فطنًا- ليس بالخب ولا الخبُّ يخدعه، فالأصل أن يتعامل بالظاهر ويدع البواطن لعلَاّم الغيوب .. ومن رام خداع الناس فسيكشفه الله، والمنافقون حين ظنوا أنهم يخادعون الله والذين آمنوا، قال الله عنهم:{وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون} .
يا أيها التائب والراغب في مجتمع الخيرين، إياك أن تتخذ من الخطأ الصادر من أي بشر كان سبيلًا للانتكاس مرةً أخرى، ووسيلة لإقناع النفس بسلامة ما أنت عليه أولا .. فأخطاء الناس لا تحسب على الإسلام ولا يُلام الإسلام إذا ما جهل أبناؤه، فكن متنبهًا لهذا الأمر جيدًا، وفرق بين ما يأمر به الإسلام والأخطاء التي يمارسها المسلمون.
وإذا انغلق أمامك طريق فاسلك طريقًا آخر، وإذا لم تجد الراحة عند شخص أو أشخاص فابحث عن آخرين .. وهكذا والمهم ألا تعود إلى النار بعد أن أَنقذك الله منها، وإلى مجتمع السافلين وقرناء السوء بعد إذ نجاك الله منهم.
يا أخا الإيمان! نصيحتي لك أن تفرَّ من المجذوم في هذه الحياة فرارك من الأسد، ولا تسلم فكرك للآخرين يقودونك حيث شاءوا، ويوقعون بك من مصائب الدنيا ما يظل خزيه يلاحقك ما حييت .. والفضيحة على رءوس الأشهاد أنكى وأخزى .. وهذا كتاب الله يقُص عليك حوارًا معبرًا عن أثر القرين، إلا من حمى
الله ووقى، يقول تعالى:{قال قائل منهم إني كان لي قرين * يقول أئنك لمن المصدقين * أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون * قال هل أنتم مطلعون * فاطلع فرآه في سواء الجحيم * قال تالله إن كدت لتردين * ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين} (1).
إن القرناء يستلبون عقول من يقارنون، ويوجهونهم حين يشاءون، فمن وفق لقرين صالح فليحمد الله ولا يغترّ ولا يستكبر .. ومن بُلي بقرين سوءٍ فليسارع بالخلاص قبل أن يستفحل الداءُ ويصعب الدواء.
وكم هو مشهد مؤثر وكاشفٌ لتلاوم قرناء السوء، وكلّ يتهم صاحبه وقد قضي الأمر، واشترك الجميع في الذل والخزي، اسمع إلى مجادلتهم في قوله تعالى. {وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين * قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين * وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون} (2).
اللهم إنا نسألك خير الأصحاب، ونعوذ بك من الأشرار، اللهم احشرنا مع المتقين الأبرار، اللهم أنلنا شفاعتهم، وبلغنا منازلهم بحبهم وإن قصرت أعمالنا عنهم.
(1) سورة الصافات، الآية: 51 - 57.
(2)
سورة سبأ، الآيات: 31 - 33.