الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى إخوانه وآله ..
معاشر المسلمين! أما عن سُبل الوقاية من هذه الأوبئة الفتاكة لابد أولا من صدق العزيمة -بالنسبة للفرد المُبتلى- ولابد من تعاون فئات المجتمع على محاربة هذا الداء ومشاركة الجهات المسؤولة مهمتها .. فالداءُ يتجاوز الفرد إلى المجتمع إذا لم يُسارع بالدواء.
ولابد من تكثيف التوعية بأضرار المسكرات والمخدرات والتركيز في ذلك على المناهج الدراسية، وفي وسائل الإعلام المختلفة، ولابد من تأكيد دور الأسرة في رعاية أبنائها والحفاظ عليهم، ولابد من الجدية في ردع المجرمين وتطبيق حدود الشرع في المتعاطين والمروجين والمهربين، ولقد كان للقرار الحكيم الذي صدر في هذه البلاد ويقضي بقتل المهربين، أو المروجين الذين يتكرر منهم ذلك أثره في الحدِّ من انتشار هذا الوباء، ونأمل المزيد من العناية به وتعميمه، ففي القصاص حياة، ويزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.
ولابد -في سبيل وقاية الشباب من هذا الداء، من العناية بتربيتهم وملء وقت فراغهم بما يفيدهم ويفيد مجتمعهم وأمتهم. ولابد من رعايتهم وحفظهم عن قرناء السوء، وأبالسة الإنس، ووقايتهم من وسائل الدمار الخُلقي بكافة أنواعها (المرئي منها، والمقروء، والمسموع)، ولابد -في سبيل الوقاية من وباء المخدرات- من
التحذير من السفر للخارج ولاسيما للشباب المراهقين الذين لا هدف ولا منفعة لهم من وراء السفر.
ومع ذلك كله فكم هو جميل لو درست حالات المتعاطين والمروجين وعرفت الأسبابُ والدوافع ثم قُدم العلاج المناسب لها، ووضعت الاحتياطات المستقبلية حتى لا يقع غيرُهم فيما وقعوا فيه -فالوقاية خير من العلاج-.
إخوة الإيمان! حين يكون الحديث عن المسكرات والمخدرات فلابد من همسةٍ عن بعض المُفترات التي عمت البلوى بها إلا من رحم الله، وضررها على الدين والمال والبدن ظاهرٌ لا يحتاج إلى كثير عناء .. فمن يجهل آثارَ الدخان على المدخنين، ومن يشك في كونه هدر للمال، واعتداء على الصحة .. وحيث توجد عيادات للمدخنين فذلك شعور واعٍ من أهل الصحة لأضرارها وضرورة معالجة أصحابها، أما فتاوى العلمَاء، وأدلتهم على تحريمها فتلك تُجيب على أسئلة السائلين عن حكمها، وتوقظ بصائر الجاهلين بحكم الشرع ورأي أهل العلم في تحريمها.
إن مشكلة التدخين -فوق ما فيها من أضرار لا تخفى- فهي سبيل لاختيار رفقة السوء، والوحشة من رفقة أهل الخير .. وتلك سيئة كبرى من مساوئها .. وسيئة أخرى أنها داعية للكسل عن الطاعات، وربما كانت مقدمةً لأنواع من المحرمات. وتلك سيئة أخرى، فإياك أيها الشهمُ وإياها، وبادر أيها المبتلى بالإقلاع عنها قبل أن يستفحل فيك خطرُها، وتعظم آثارُها.
والحديث عنها محتاج لمزيد بسط وبيان وليس هذا موضعها -أما القاتُ- فهو بلية أخرى مفترٌ وملهٍ عن ذكر الله، ولها أضرار ومضاعفات ذكرها العارفون، وهي لا تخفى، ولكن انتشاره أقلُّ بكثير من انتشار التدخين، ومن مخاطره على المدى
البعيد سوءُ الهضم، وتليفُ الكبد، وإضعاف القدرة الجنسية والتعرض بسهولة لمرض السل .. (1)
عباد الله! من الخمور الحسية إلى الخمور المعنوية أنقلكم، فللخمور الفكرية آثارٌ سيئة، وتلك هي التي تنشأ عن تعظيم العقل وإعطائه حجمًا أكبر مما أراده الله له، فيجعل أحيانًا مساويًا للنص، ولربما قُدم على النص، وذلك سبب ضلال المعتزلة فيما مضى، ومحلُّ فتنة العقلانيين في هذا الزمن .. وليت الآخرون يعتبرون بما انتهى إليه السابقون وأحدُهم يقول بعد طول تجربة وعناء في تعظيم العقل:
نهاية إقدام العقولِ عقالُ
…
وأكثر سعي العالمين ضلال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا
…
سوى أن جمعنا قيل وقالوا
إن الإسلام يقدر العقل ويعتني به، بل ويحرم كلَّ ما يؤثر عليه، ولكنه يجعل له حدودًا ينتهي عليها حتى لا يتيه أصحابه في بيداء مهلكة لا نهاية لها .. وكم زلت أقدامٌ ونشأت نحل ضلت وأضلت بسبب زيغ العقل .. وكم زل آخرون وهم يظنون أنهم أصحابُ فكرٍ مستنيرٍ، زعموا أنه لابد من تحرير العقول، فطالت آثارُهم النصوص الثابتة المحكمة فأولوها أو أنكروها.
وعلماء الإسلام الربانيون لم يتجاهلوا دور العقل، ولكنهم لم يعتدوا على النقل، وكتب أحدهم كتابًا سماه «درء تعارض العقل والنقل» ثم خلفت خلوف رأت أن بإمكانها -وفى ديار المسلمين- أن تتخلص من أي تقييد على العقل، فراحوا يسخّرون بالدين ونالت سخريتهم الذات الإلهية ومقام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وآخر ما أحدت ضجةً ذلك الرسمُ الكاريكتوري في جريدة القبس الكويتية، ويحمل نكتةً ساخرةً تقول: «إن آدم وحواء طردا من الجنة لأنهما لم يدفعا
(1) المخدرات والعقاقير المخدرة ص 184، 185.
الإيجار» وأعوذ بالله مما قالوا .. وأستغفره وأنزهه عما يقول الظالمون، وأتذكر سخرية المنافقين في عصر الرسالة ونزول القرآن حاكمًا بكفرهم في قوله تعالى:{ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} (1).
عباد الله! حين صدر حكم بسجن رئيس التحرير ستة أشهر، وإيقاف الصحيفة عن الصدور لمدة أسبوع .. تنادت أقلام موتورة، تستغرب الحكم وتتخوف على مستقبل الحرية في الكويت، وجاءت عناوين مقالات بعض صحفنا تقول: لأول مرة في الكويت، ونسي هؤلاء أن يقولوا ليست هذه المرة الأولى التي يسخر بها من الدين، فقد سبق للسياسة سخرية أخرى .. وأين حرية الرأي من الاعتداء على الحرمات، بل والتطاول على قيم الإسلام الكبرى في بلد يحكم بالإسلام وتدين شعوبه بالإسلام .. إنها مأساة. بل زمن الوقاحة الإعلامية، كما عبر أحد كتابنا -وهو يتحدث عن تخوفنا من البث الإعلاني الغربي- وكيف نواجهه، حيث قال: غير أننا بعد أن هطلت علينا سحائب البث الفضائي الغربي وغمرتنا ذبذباته وموجاته اكتشفنا حقيقة مرةً مذهلة هي أن الخطر الذي كنا نظنه آتيًا من بعيد قد تفجّر من تحت أقدامنا، وأن ما كنا نظنه قادمًا من الغرب بصلفه الحضاري قد قام به أبناء جلدتنا، وبدل من أن نكون نحن وأبناءُ عمنا على الغريب -في هذا المجال- أصبح أبناءُ عمنا والغريبُ من خلالهم علينا جميعًا (2). ومن عجب أن هذا المقال كتبه د. أحمد الضبيب، قبل ما حصل من جريدة القبس، فماذا تراه يقول أو يقول غيره بعد ما حصل.
(1) سورة التوبة، الآيتان: 65، 66.
(2)
د. أحمد الضبيب، الجزيرة، عدد 9394 في 24/ 2/ 1419 هـ.