الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الخطبة الثانية
الحمد لله ربِّ العالمين يعز من يشاء ويذل من يشاء وهو العزيز الحكيم، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له مالكُ الملك يؤتيه من يشاء وينزعه عمن يشاء وهو الحكيمُ الخبير.
وأشهد أن محمدًا عبدهُ ورسولهُ عاش وأصحابهُ فترة من حياتهم مشردين مطاردين .. ثم مكن الله لهم وأذلَّ عدوَّهم والعاقبة للتقوى.
اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر من أرسلهم الله رحمةً للعالمين.
إخوةَ الإسلام! في فترات ضعفِ الأمةِ المسلمة حريٌّ بها أن تراجعَ نفسَها وأن تبحث عن أسباب الضعفِ، وتسعى إلى إصلاح الأخطاء ..
وعلى كل فردٍ مسلمٍ أن يراجعَ إيمانَه بالله وأنبيائِه وكتبه وحقائقِ اليوم الآخر، وأن يصححوا ما فسد من أخلاقهم أو اعوج من سلوكياتهم.
وحريٌّ بالمسلمِ أن يتهم نفسَه بالتقصير في واجبات الله وحقوقه، وألا يزكيها ويغترَّ بالعملِ القليل يؤديه .. وإذا قال قائلنا في هذا الزمان: نحنُ ونحن وفعلنا وفعلنا .. وكأننا بذلك نستكثرُ ما عملنا.
فأسلافُنا- الذين هم خيرٌ منا- كانوا مع قوتهم في الحق وجهادهم في سبيل الله، ومجاهدةِ أنفسهم عن مزالق الردى كانوا مع ذلك يتهمون أنفسهم ويشعرون بالتقصير في ذات الله، ويقول قائلهم: نشدتك الله يا حذيفة هل عدني رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنافقين؟
وإذا قال هذا أحد العشرة المبشرين بالجنة خائفًا وجلًا، فهل يأمنُ أمثالنا؟
عبادَ الله! وفي فتراتِ ضعفِ الأمةِ المسلمة يتميز الصفُّ المسلمُ، وينكشفُ من اندس بين المسلمين وليس منهم، ومن كان يستطيع الانضمامَ إليهم في فتراتِ قوتهم، ويعجز عن مواصلةِ السير معهم في حال ضعفِهم وغلبة عدوهم عليهم.
وقد قصَّ اللهُ علينا في كتابه نبأ طائفةٍ من الناس يتربصون بالمسلمين الدوائر، وهم مع من غلب، فقال تعالى فاضحًا المنافقين:{الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب اقلوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا} (1).
وإذا استُثني المنافقون ومن في قلوبهم مرضٌ، فإن مرحلةَ الضعفِ حَرِيَّةٌ بأن تزيدَ في تماسكِ الصفِ المسلمِ، وتأليفِ قلوبهم، وحَرِيَّةٌ بأن تدعوهم إلى الانكسار والتضرع لله في رفع النازلةِ وكشفِ الغمة، لا أن تقسوَ قلوبُهم، أو ما يستمرءوا ما هم فيه من ذلةٍ ومهانة، وهذه الأمةُ كغيرها من الأمم تُمتحن بالسراء والضراء، ويذكرون بمن أخذ من الأممِ ليعتبروا بها، ويقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم:{ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون* فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون* فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون} (2).
ويذكرنا القرآنُ بقيمةِ التوبة والذكرى في حالِ الفتنِ المتلاحقة يقول تعالى مُنكرًا على فئةٍ من الناس في قلوبهم مرض: {أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة
(1) سورة النساء، آية:141.
(2)
سورة الأنعام، الآيات: 42 - 44.
أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون} (1).
ويُذكرنا بقوم آخرين لا تزيدهم الرحمةُ والنعمةُ إلا طغيانًا وإعراضًا، ولا هم في حال الشدةِ والعذابِ لربهم يستكينون ويتضرعون، ويقول تعالى عن قريش في حال كفرها وعنادها:{ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون* ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون} (2).
عبادَ الله! إذا استوجب على المسلمين مراجعةُ أنفسهم، ومحاسبتُها واتهامُها، واستصلاحُها، والتضرعُ لله، والتوبةُ لله- في كل الأحوال فالحاجة لذلك في حال الشدائدِ والمحن أكبر-، وإذا كانت هذه من دروس المحن وحكمتها، فثمة حِكمٌ في ابتلاء المؤمنين بغلبة عدوِّهم لهم وقهرهم وكسرهم أحيانًا، لا يعلمها على التفصيل إلا الله، ومما ذكره العالمون منها: استخراجُ عبوديَتهم وذلِّهم لله وانكسارهم له وافتقارهم إليه، وسؤاله نصرَهم على أعدائهم، ولو كانوا دائمًا منصورين غالبين لبطروا وأشِروا ولو كانوا دائمًا مقهورين مغلوبين لما قامت للدين قائمة.
ومنها أنه تعالى يُحبُّ من عباده تكميل عبوديتهم على السراءِ والضراءِ وفي حال العافية والبلاء، وفي حال إدالتِهم والإدالة عليهم، فتلك المحنُ والبلايا شرطٌ في حصول الكمالِ الإنساني والاستقامةِ المطلوبة منه، ووجودُ الملزومِ بدون لازمه ممتنع.
ومنها أن امتحانَهم بإدالة عدوهم يُمحصهم ويُخلصهم ويهذبهم كما قال تعالى فيما حصل للمسلمين يوم أحد: {إن يمسسك قرح فقد مس القوم قرح مثله
(1) سورة التوبة، آية:126.
(2)
سورة المؤمنون، الآيتان: 75، 76.
وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين* وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين* أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} (1).
عبادَ الله! ألا إن الصبرَ مفتاحُ الفرج، والثباتُ على الحق يعقبه الظفر .. واستمرارُ المجاهدةِ، وحملُ دين الله، وتبليغه لا يبوء صاحبُها بالخسارة، فإما أن ينصره الله في الدنيا وإما أن يُوفي أجره يومَ القدوم على الله.
احرصوا على تغيير ما بأنفسكم يُغَيِّر اللهُ أحوالكم، فاللهُ لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
وثقوا أن النصرَ قرينُ الإيمان، وشرطٌ للمؤمنين {وكان حقًا علينا نصر المؤمنين} .
وبغير هدى الله واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم سيظل المسلمون يتنقلون في البيداء المهلكة حتى يقيض الله لدينه ناصرًا. اللهم انصر دينك.
(1) سورة آل عمران، الآيات: 140 - 142.