الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين يقص الحقَّ وهو خير الفاصلين، أحمده تعالى وأشكره، وأثني عليه الخير كلَّه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخيرته من خلقه، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر النبيين.
إخوة الإسلام! إذا كان لدينا إسراف حسي، فلدينا إسراف معنوي، وهو لا يقل عن سابقه خطرًا ..
ومن مظاهر إسرافنا المعنوي، الإسراف في الحديث، والإسراف في الصمت. أما إسرافنا في الحديث فيتمثل في كثرة الحديث فيما لا يعنينا ((ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه». وفي الرغبة في الحديث بكل ما نسمع «وكفى بالمرء كذبًا أن يحدث لكل ما سمع» (1). وفي رواية أبي داود والحاكم «كفى بالمرء إثمًا أن يحدث بكل ما سمع» (2).
ونتساهل في رواية الأخبار، وبضاعاتنا:(يقولون) أو (زعموا)«وبئس مطية الرجل زعموا» كما قال عليه الصلاة والسلام بسند صحيح (3).
والمصيبة أدهى حين يكون حديثنا غيبة أو نميمة أو سخرية، أو ظلمًا وعدوانًا، أو منكرًا وزورًا، أو كذبًا. وليست تخفى آيات القرآن، ونصوص السنة، نهيًا وتحذيرًا عن كل هذا.
(1) رواه مسلم.
(2)
صحيح الجامع الصغير 4/ 164.
(3)
رواه أحمد وأبو داود (صحيح الجامع الصغير 3/ 11).
ونسرف في الصمت حين يقل ذكر الله على ألسنتنا، ويندر تعطير أفواهنا بكتاب ربِّنا، نرى المنكر ونغتاظ له، فلا ننكره بألسنتنا مع قدرتنا على ذلك، ونحبَّ المعروف ولا نأمر به مع قدرتنا عليه، {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} .
وقد عقد ابن القيم يرحمه الله فصلًا في (الهدي) فيما يكره من الألفاظ مثل: زعموا، وذكروا، وقالوا .. ونحوه.
تم عقد فصلًا آخر حذَّر فيه كلَّ الحذر من طغيان «أنا» و «لي» و «عندي» فإن هذه الألفاظ الثلاث ابتُلي بها: إبليس، وفرعون، وقارون، كما ورد في كتاب الله {أنا خير منه} و {لي ملك مصر} و {إنما أوتيته على علم عندي}. ثم قال: وأحسن ما وضعت له ((أنا)) قول العبد: أنا العبد المذنب المخطئ المستغفر
…
، و ((لي)) في قوله: لي الذنب ولي المسكنة ونحوه، و ((عندي)) في قوله: اغفر لي جدي وهزلي وخطئي وعمدي وكلُّ ذلك عندي (1).
أيها المسلمون! نسرف في المدح أحيانًا ونزيد في الثناء بما هو واقع وغير واقع، ونقطع أعناق من نمدح من حيث نشعر أو لا نشعر، ويسري المدح فينا إلى درجة تنسينا أخطاءنا، ولربما اتهمنا من اقتصد في الثناء علينا، وأنّى لنا أن نجترئ على رمي الحجارة في وجوه المدَّاحين، أو قطع النول عنهم، كما أرشدنا إلى ذلك ديننا، وجاء الهدي عن نبينا صلى الله عليه وسلم:((إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب)) (2).
قال ابن الأثير في النهاية 1/ 339 - المعنى: أي ارموا، يقال حثا، يحثو، حثوًا
(1) زاد المعاد 2/ 274، 275.
(2)
رواه أحمد ومسلم وغيرهما (صحيح الجامع الصغير 1/ 215).
ويحثي حثيًا يريد به الخيبة، وألا يُعطوا عليه شيئًا، ومنهم من يجريه على ظاهره فيرمي فيها التراب.
كما نسرف في الذم أحيانًا إلى درجة نتناسى معها كل فضيلة، ولا نذكر للمذموم أيّ منقبة، وهذا خلاف العدل الذي أرشدنا الله إليه، وهذا خلاف العدل الذي أمرنا الله به في القول مع الأقربين:{وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى} (1) ومع ذوي الشنآن الأبعدين بقوله: {ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى} (2).
إخوة الإيمان! نسرف في إهلاك الأوقات دون فائدة، ولربما مضى الوقت بما فيه مضرة، وهذا إسراف في إهدار الأوقات وسوف نسأل عنه. وكم تشهد بعضُ جلساتنا داخل أو خارج بيوتنا على إهدار قيمة الوقت سدى، والغرم أكبر حين يكون على مشاهدة أو سماع ما حرم الله علينا.
يا أخا الإسلام! نسرف في السهر أحيانًا -ودونما فائدة ترتجى- حتى تحمرَّ مقل أعيننا، وتضعف قوانا، وليته كان لتحصيل علمٍ، أو لمصلحة مجتمعنا أو أمتنا المسلمة.
ومن أسرف في السهر أسرف في النوم بعده، ولربما فوّت شيئًا من أوقات الصلاة، ومن باب أولى تضييع واجبات أخرى، وكم هو مؤلم أن ترى من يشهدون صلاة الفجر عددًا يسيرًا مقارنًا بالصلوات الأخرى، أو ليس ذلك بسبب الإسراف في السهر ثم الاستغراق والإسراف في النوم، وما أعظم الخطب إذا غزت هذه الظاهرة الأخيار، فتخلف البعض منهم عن الصلاة مع الجماعة، وجاء البعض
(1) سورة الأنعام، الآية:152.
(2)
سورة المائدة، الآية:8.
الآخر ثقالًا من السهر والإعياء!
يا أخا الإيمان! عدِّد ما شئت من مظاهر الإسراف في حياتنا حِسًّا أو معنى، فليس ذلك حصرًا لها، بقدر ما أردت الإشارة إلى ظاهرة تفشّت بيننا، والمهم: كيف نعالجها؟ وهاك بعض طرق العلاج لا بد -أولا- من الشعور بالمشكلة، ولابد من تهيئة النفوس للخلاص منها. وتقوى الله وطاعته فيما أمر أو نهى سبيل للخلاص من الإسراف والله يقول:{فاتقوا الله وأطيعون * ولا تطيعوا أمر المسرفين * الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون} (1)، كذا قيل لمن ينحتون من الجبال بيوتًا فارهين، ويعيشون في جنات ونعيم، وزروع ونخل طلعها هضيم. ثالثًا: ولابد من اليقين بأن هذا المال مال الله استودعنا إياه، وسيحاسبنا عليه. والذي تكبر وتجبر وطغى وأفسد وخرج على قومه في زينته وقال {إنما أوتيته على علم عندي} خسف الله به الأرض وما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين.
رابعًا: ولو استشعر المسرف أنه بإسرافه يشابه الشياطين ويشاكلهم لتوقف في إسرافه، قال تعالى:{إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا} (2) قال المفسرون: إخوان الشياطين: أي في التبذير والسفه وترك طاعة الله وارتكاب معصيته (3).
خامسا: ولابد من الأخذ على أيدي السفهاء المبذرين للأموال {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما} (4).
(1) سورة الشعراء، الآيات: 150 - 152.
(2)
سورة الإسراء، الآية:27.
(3)
تفسير ابن كثير: 3/ 62.
(4)
سورة النساء، الآية:5.
سادسًا: تقييد النعمة وشكر المنعم يمنع الإسراف، ويزيد النعم {وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد} (1){اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور} (2).
سابعا: ومما يعينك -يا أخا الإسلام- على الاقتصاد وترك الإسراف تذكرُ حال إخوانك المحتاجين، وهل يطيب لك الإسراف وغيرك يبحث عن الكفاف؟
ثامنا: ولابد من تضافر جهود العلماء والدعاة والخطباء ووسائل الإعلام على مقاومة هذه الظاهرة السلبية.
تاسعًا: ولابد من سماع قول الناصحين والبدء بأنفسنا قبل الآخرين.
(1) سورة إبراهيم، الآية:7.
(2)
سورة سبأ، الآية:13.