المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌نظريات التعليم والتشريط - علم نفس النمو - جـ ١

[حسن مصطفى عبد المعطي]

فهرس الكتاب

- ‌المجلد الأول

- ‌مقدمة

- ‌طبيعة النمو الإنساني

- ‌مدخل

- ‌نبذة تاريخية عن نمو الطفل:

- ‌موضوع علم نفس النمو:

- ‌معنى النمو:

- ‌أنماط التغير في النمو:

- ‌مظاهر النمو:

- ‌قوانين ومبادئ النمو:

- ‌مطالب النمو:

- ‌أهمية دراسة النمو:

- ‌النمو بين الوراثة والبيئة

- ‌مدخل

- ‌نشأة السلوك ونموه:

- ‌الآليات الوراثية الأساسية:

- ‌مبادئ التطور وعلاقتها بالنمو: principles of evaluation

- ‌تكوين السلوك الإنساني

- ‌مدخل

- ‌توارث السلوك الإنساني: the heritability of human behavior

- ‌مدخل

- ‌طرق تحديد الوراثية: methods of determining heritability

- ‌توارث الصفات الشخصية:

- ‌البيئة والنمو الإنساني

- ‌أولًا: البيئة قبل الولادية prenatal

- ‌ثانيًا: البيئة بعد الولادية:

- ‌التفاعل بين الوراثة والبيئة في تشكيل النمو:

- ‌مناهج وطرق‌‌ البحث في علم نفس النمو:

- ‌ البحث في علم نفس النمو:

- ‌أخلاقيات البحث في علم نفس النمو:

- ‌أبعاد البحث في علم نفس النمو:

- ‌طرق البحث في علم نفس النمو

- ‌الطريقة المستعرضة لفئات مختلفة cross - sectional study

- ‌ الطريقة المستعرضة التتبعية cross - sequential study:

- ‌ دراسة الحالة case study:

- ‌تقييم نتائج البحث evaluation research results:

- ‌خلاصة:

- ‌الاتجاهات النظرية في تفسير النمو

- ‌مدخل

- ‌النظرية في علم نفس النمو:

- ‌الأنماط النظرية في النمو

- ‌مدخل

- ‌ نمط نظرية التعلم:

- ‌دور النظرية في تفسير نمو الطفل:

- ‌نظريات النضج والنمو العضوي النفسي

- ‌أولًا: نظرية ميكانيزمات النضج العضوي النفسي "لارنولد جيزل

- ‌مدخل

- ‌منهج الدراسة عند جيزل:

- ‌مفهوم النضج:

- ‌النضج والتعلم:

- ‌مبادئ النمو:

- ‌جيزل وسلالم النمو:

- ‌أهمية سلالم النمو:

- ‌مجالات سلالم وقوائم النمو:

- ‌ النشاط البدني:

- ‌ العينان واليدان:

- ‌تقييم نظرية جيزل:

- ‌ثانيًا: نظرية النمو الجسمي والتعلم الاجتماعي "لروبرت ر. سيرز

- ‌مدخل

- ‌المرحلة الأولى: السلوك الفطري "البدائي

- ‌المرحلة الثانية: النظم الدافعية الثانوية:

- ‌ثالثًا: نظرية النمو الجنسي النفسي سيجموند فرويد

- ‌مدخل

- ‌مراحل نمو الشخصية

- ‌مدخل

- ‌المرحلة الأولى: المرحلة الفمّية: oral stage

- ‌المرحلة الثانية: المرحلة الشرجية anal stage

- ‌المرحلة الثالثة: المرحلة القضيبية phallie stage

- ‌المرحلة الخامسة: المرحلة التناسية genital stage

- ‌رعاية النمو الجنسي النفسي في هذه النظرية

- ‌نظريات النمو النفسي الاجتماعي

- ‌مدخل

- ‌أولًا: نظرية النمو النفسي الاجتماعي "لإريك هـ. إريكسون

- ‌مدخل

- ‌المرحلة الأولى:

- ‌أما عن طبيعة العلاقات الاجتماعية في هذه المرحلة:

- ‌المرحلة الثالثة:

- ‌المرحلة الرابعة:

- ‌المرحلة الخامسة:

- ‌المرحلة السادسة:

- ‌المرحلة السابعة:

- ‌المرحلة الثامنة:

- ‌ثانيا: نظرية تشكيل الهوية "جيمس مارشيا

- ‌مدخل

- ‌كيف تتشكل الهوية

- ‌أولًا: استكشاف البدائل exploration of alternatives

- ‌ثانيًا: الالتزام commitment

- ‌قضايا تقدير الهوية:

- ‌مجالات ومعايير تقدير الهوية:

- ‌أولًا: المجال المهني:

- ‌ثانيًا: مجال المعتقدات الدينية:

- ‌ثالثًا: المعتدات السياسية

- ‌رابعًا: الاتجاهات نحو الدور الجنسي

- ‌خامسًا: مجال العلاقات مع الجنس الآخر

- ‌خلاصة وتطبيقات:

- ‌نظريات النمو المعرفي

- ‌مدخل

- ‌النظريات المفسرة للنمو المعرفي

- ‌مدخل

- ‌ نظرية هانز وارنر hunz wener

- ‌ نظرية جيروم برونر jerome bruner

- ‌ نظرية جان بياجه jean piaget:

- ‌مراحل بياجيه:

- ‌ المرحلة الحسية الحركية "0-2 سنة

- ‌ التركيز centration:

- ‌ الانتقال transiton:

- ‌تقييم نظرية بياجيه:

- ‌الفروق الفردية في النمو المعرفي:

- ‌خلاصة:

- ‌نظريات النمو اللغوي

- ‌مدخل

- ‌نظريات التعليم والتشريط

- ‌ النظرية العقلية أو الفطرية:

- ‌ النظرية المعرفية:

- ‌نظريات النمو الخلقي

- ‌مدخل

- ‌أولًا: نظرية التحليل النفسي:

- ‌ثانيًا: نظرية التعلُّم الاجتماعي

- ‌ثالثًا: ال‌‌مدخلالتطوري المعرفي

- ‌مدخل

- ‌ نظرية بياجيه في النمو الخلقي:

- ‌ نظرية كولبرج:

- ‌خلاصة:

- ‌تحليل ناقد لنظريات النمو

- ‌مدخل

- ‌أوجه الاختلاف بين النظريات:

- ‌تكامل النظريات

- ‌فيما يتعلق بمراحل النمو

- ‌ التكامل حول مظاهر النمو:

- ‌ تكامل أزمات النمو:

- ‌التطبيقات التبربوية لنظريات النمو

- ‌مراحل النمو

- ‌ التشخيص:

- ‌ التنشئة الاجتماعية:

- ‌ الممارسة التربوية بالمدرسة:

- ‌المراجع:

- ‌فهرس

الفصل: ‌نظريات التعليم والتشريط

‌نظريات النمو اللغوي

‌مدخل

نظريات النمو اللغوي:

مقدمة:

إذا كان للغة وظائف حيوية هامة في حياة الإنسان، لذا فعندما نتفحَّص بدقة مظاهر نمو هذه القدرة ونمكِّن الطفل من استخدامها، نجد تساؤلًا رئيسيًّا يفرض نفسه علينا، وهو: كيف يتكمن هذا السلوك المعقد؟ وكيف تتطور وتنمو هذه المهارات اللغوية بهذا الكم والكيف في فترة زمنية وجيزة من حياة الطفل؟ وقبل أن يتمَّ تناول ذلك، ينبغي التعرُّف على النظريات المفسّرة لاكتساب اللغة، وسوف نستعرض ثلاثة توجهات في تفسير اكتساب اللغة ونموها، وهذه التوجهات هي: النظرية السلوكية "التعلّم"، والنظرية العقلية "الفطرية"، ثم النظرية المعرفية.

ص: 403

‌نظريات التعليم والتشريط

1-

نظرية التعلّم والتشريط:

تتناول نظرية التعلّم اللغة من خلال مصطلحات التعلّم الترابطي associative learning، وبشكل أضيق مصطلحات الاقتران والتشريط خصوصًا في سياق التعلّم اللفظي.

ولقد قدَّم واطسون warson نظريته السلوكية منذ عام 1924، والتي عرفت بنظرية التعلّم فيما بعد، ونشر فصلًا بعنوان "الكلام والتفكير"، اعتبر فيها أن التفكير بمثابة كلام الفرد إلى نفسه، أو هو الكلام ناقص الحركة، وحاول تفسير السلوك اللفظي، كيفية أشكال السلوك في ضوء تكوين العادات وتدخل المعززات "المدعمات" المختلفة بين المثيرات والاستجابات لإحداث التشريط، ومن هنا: كانت اللغة استجابات يصدرها الكائن ردًّا على مثيرات تأخذ شكل السلوك الخاضع للملاحظة المباشرة، وبذلك: فإن واطسون يتعامل مع الكلام لا مع اللغة. وقد أوضحت بعض التجارب أنَّ الاستجابات اللفظية عندما تدعم "تعزز" تميل إلى الحدوث المتكرّر شأنها شأن بقية الاستجابات. "جمعة يوسف: 1990، 116-117".

وبذلك تهتم نظرية التعلّم في معالجتها للنمو اللغوي بالعلاقة بين المدخلات والمخرجات، وتعتبر أن النمو اللغوي يخضع للتغير من خلال المعايير المتضمنة في مبادئ التعلم مثل: التقليد والمحاكاة، التعزيز "التدعيم، والاقتران والتشكيل.

ص: 403

وغيرها". فاللغة مهارة مثل كل المهارات التي تخضع للتدريب الشكلي، ويمكن اعتبار التغيّر في الأداء أو الإضافة الكمية معيارًا للنمو اللغوي ومؤشرًا للانتقال من مرحلة استيعابية إلى مرحلة أخرى.

ويعتبر "سكينر" Skinner أبو النظرية الاشتراطية الإجرائية، الذي استخدمها في تفسيره لاكتساب اللغة؛ إذ يعتبر "سكنير" -مثل كل السلوكيين- اللغة فصل من فصول التعليم، وأنَّ كافة أنماط التعلم بما فيها اللغة تخضع للتغيّر الذي يضعه التعليم الإجرائي من أنَّ الاستجابات الإجرائية التي يليها تعزيز تستمر، أما تلك التي لا يليها تعزيز تتلاشى، وهذا التعزيز مصدره الذين يحيطون بالطفل، ويأتي على شكل ابتسامات وضحكات، وأوصوات التشجيع والأحضان.

وهذه الأنماط المختلفة من التعزيز الإيجابي تزيد من احتمال ظهور تلك الأصوات التي لا تأتي في مصفوفة الأصوات الداخلة في تركيب اللغة.

فالطفل يولد ولديه من الاستجابات الإجرائية، وتشكل بعض الأصوات جزءًا من هذه الاستجابات، وعند صدروها على أشكال تقارب اللغة التي يتحدثها الأبوان يتمّ تعزيزها، وكلما نما الطفل يلاحظ نوعية الأصوات والجمل التي ينطقها الكبار، فييدأ في تقليدها.

ص: 404

ويستمر المحيطون بالطفل في تعزيزها إمّا عن طريق الإثابة الفورية أو الاستجابة الفورية أو الاستجابة لما تتضمنه، بينما تتلاشى تلك الاستجابات والتي لا تصادف مثل هذا التعزيز، والتي في أساسها تعتبر همهمات غير مفهومة للأبوين. "محمد رفقي، 1981".

وقد قدم "سكينر" skinner وجهة نظر مفصّلة لاكتساب اللغة، وهو يرى أن اللغة عبارة عن مهارة ينمو وجودها لدى الفرد عن طريق المحاولة والخطأ، ويتم تدعيهمها "تعزيزها" عن طريق المكافأة، وقد تكون أحد احتمالات عديدة مثل: التأييد الاجتماعي، أو التقبيل من الوالدين أو الآخرين للطفل عندما يقوم بمنطوقات معينة، خصوصًا في المراحل المبكرة من الارتقاء.

ويميز "سكينر" بين ثلاث طرق يتمّ بها تشجيع تكرار استجابات الكلام:

- الأولى: قد يستخدم الطفل استجابات ترددية echoicc حيث يحاكي صوتًا يقوم به آخرون يظهرون التأييد فورًا، وتحتاج هذه الأصوات لأن تتم في حضور شيء قد ترتبط به.

- والثانية: تتمثَّل في نوعٍ من الطلب؛ حيث تبدأ كصوت عشوائي، وتنتهي بارتباط هذا الصوت بمعنى لدى الآخرين.

- والثالثة: تظهر فيها الاستجابة المتقنة، وتتم بإحدى الاستجابات اللفظية عن طريق المحاكاة عادة في حضور الشيء "child، d، 1977" جمعة يوسف: 1990، 17".

ص: 405

وهكذا نرى أن مبادئ التعليم التي أوردها "سكينر" لا يمكن رفضها من أساسها كتفسير لاكتساب اللغة، ولا يمكن قبولها باعتبارها أساسًا للتفسير الكامل لهذا الأمر.

وفي دراسة أجراها روث routh "1979" لتأييد وجهة نظر "سيكنر" تَمَّ إجراء التعزيز الإيجابي لمجموعتين من الأطفال بين 2-7 شهور لإصدارهم فونيمات "وحدات صوتية" مختلفة، وتَمَّ تشجيع الأطفال بالابتسامات وبعمل أصوات "tsk"، ولمسات جانبية على أجسامهم، كما تَمَّ تعزيز إحدى المجموعتين لنطقهم بعض الأصوات المتحركة، بينما عززت المجموعة الأخرى لنطقهم بعض الأصوات الساكنة، ولقد استجاب الأطفال بتزايد إصدار الفونيمات التي تَمَّ تعزيزها. "سهير شاش: 1998".

وبرغم التسليم بأن للتدعيم "التعزيز" دورًا في اكتساب اللغة، إلّا أنَّ هذا الدور يظل محدودًا وقاصرًا لعدة أسباب هي:

1-

إذا كان الكلام ليس دائمًا لطلب "ماء" أو "طعام"، فكيف يتم اكتساب الملفوظات التي لا تلق تدعيمًا؟

2-

هناك كلمات عديدة وجمل تشير إلى حالات خاصة في الذهن أكثر منها إلى أشياء أو أحداث في العالم الخارجي، فكيف يتمّ تدعيمها اجتماعيًّا عندما يكون الحاكم بصوابها صعبًا على الراشدين الذين لا يعرفون ما يدور في عقول الأطفال.

3-

لو أن الكلام يتم تعلمه بواسطة عملية انتقائية، فكيف نفسر الحدوث في الكلام الناضج للتراكيب اللغوية الجديدة التي لا تحدث لا في التلفظ العشوائي، ولا في تقليد أن نموذج آخر؟ "ولذلك تبدو مصطلحات الثواب والعقاب في نظر البعض أساليب غير فعّالة في تفسير اكتساب اللغة باستثناء المراحل المبكرة جدًّا. "herriot، d. 1970، rimble & thers، 1980".

ص: 406

هذه نظرة عامة لما يراه سكينر. فاللغة مهارة مثل كل المهارات تخضع للمبادئ العامَّة للتعليم: التعزيز، التقليد، بالإضافة الكمية، وقد سيطرت هذه الأفكار على الدراسات المختلفة للنمو اللغوي.

وتنقل اللغة أيضا عن طريق المحاكاة imitation والارتباط الشرطي؛ حيث إن الحياة الاجتماعية تؤثر تأثيرًا مباشرًا في الوليد البشري، وخاصَّة أن العجز الكبير الذين يولد به الطفل الرضيع يقوده إلى درجة عالية من الاعتمادية على المحيطين به، وخاصة الوالدين، للحصول على إشباعات لحاجاته الحيوية والنفسية، وأثناء عملية الإشباع هذه يكتسب الطفل الوليد ألوان السلوك المختلفة عن طريق المحاكاة لمن يحيطونه بالرعاية، وهذه الرعاية تمثّل ألوانًا من التعزيز لتثبيت وتقوية الارتباطات السلوكية، واكتساب اللغة من أهم ألوان السلوك ارتباطًا بهذه النظرية.

وثمة معطيات تدل على نسق الأصوات التي تصدر من الطفل منذ ولادته وحتى الشهر الثاني عشر تصبح في اطِّراد أكثر شبهًا باللغة القومية، وتشير معظم الدراسات إلى انعكاس لغة الأبوين والإخوة المخالطين انعكاسًا كبيرًا على سلوك الأطفال اللغوي.

ولقد أكَّد ألبرت بندورا A. Bandura "1977" على دور التعليم من خلال الملاحظة observational learnning، فهو يفترض أن الأطفال ترتقي لغتهم بصفة أساسية بتقليد المفردات والتراكيب اللغوية التي يستخدمها الآباء والأخرون في الحياة العادية، ولقد أيدت دراسة نلسون nelson "1977" وجهة النظر هذه، فلقد

ص: 407

استجاب بعض الكبار إلى تعبيرات نطقها أطفال في عمر سنتين، وذلك بالاستخدام المقصود لبعض التعبيرات المعقدة نوعًا ما، وبعد شهرين تكوَّن لدى الأطفال مزيد من التراكيب اللغوية المعقَّدة أكثر من الأطفال الذين لم يتعرَّضوا للنماذج التي يستخدمها الكبار "nelson، 1977".

وقد أوضحت أعمال هاملتون وستيوارت Hamliton & Serwart "1977" أن أطفال ما قبل المدرسة قد أضافوا إلى مفرداتهم بنسخ كلام الآخرين وهذه حقيقة وليست بدعة بالنسبة لأي مربية.

وقدَّم كلٌّ من براون وبيلوجي Brown & Bellugi "1984" في بحثهما الذي أجرياه على الطفلين "آدم وإيف" على أساس نظرية المحاكاة في اكتساب اللغة، قدَّمَا الدليل على أن بعض الجمل التي يستخدمها الأطفال في سنين أعمارهم المبكرة كانت عبارة عن محاكاة لكلام الأم.

كما أوضح هوايتهورث وآخرون whitehurt et al "1988" تعزيزًا إضافيًّا لدور النمذجة modeling ينبثق من النتائج التي أظهرها أطفال في عمر سنتين، والذين يقرأ لهم آباؤهم ويكتسبون اللغة بطريقة أسرع من الأطفال الذين في نفس العمر ولا يقرأ لهم آباؤهم.

ولا يقتصر دون الأبوين على تقديم النماذج لهذه الأصوات، ولكنهما يعززان الأصوات الملائمة؛ حيث يقترن التعزيز بين الأصوات الصحيحة ما يعمل على اكتسابها، أما الأصوات غير المناسبة فيخلو مواقف استخدامها من عملية التعزيز ممايؤدي إلى عدم اكتسابها، ويلعب التعزيز دوره الأساسي في اكتساب الأطفال للتتابع السليم للنماذج المختلفة للكلمة: أسماء، وأفعال، وحروف.

وهناك فنية أخرى من الفنيِّات التي أكَّدت عليها نظرية التعلّم في اكتساب اللغة، تلك هي فنية التشكيل shaping والتي تعرف أحيانًا باسم التقريب المتتابع successive approximation أو مفاضلة الاستجابة response differentiation، وهو أسلوب لتوليد سلوكيات جديدة عن طريق التدعيم الأولي لسلوكيات موجودة لدى الفرد، وبالتدريج تقوم بحسب التدعيم من السلوكيات الأقل مماثلة، ومركّزة على

ص: 408

السلوكيات الأكثر تشابهًا والتي تصبح شيئًا فشيئًا مشابهة للسلوك النهائي المرغوب، ويمكن استخدام أسلوب التشكيل في التدريب على إخراج الحروف وحالات اضطرابات النطق:

- في البداية يقوم المربي بتدعيم استجابة تقليد الصوت التي تصدر عن الطفل.

- وفي الخطوة الثانية: فإن الطفل يدرَّب على التمييز، ويدعم المربي الاستجابات الصوتية لإخراج حرف من الحروف إذا حدث في خلال خمس ثوان من النطق للطفل.

- وفي الخطوة الثالثة: فإن الطفل يكافأ عند إصدار الصوت الذي أصدره المربي، وكلما كرر ذلك.

- أما في الخطوة الرابعة: فإن المربي يكرر ما فعله في الخطوة الثالثة مع صوت آخر شبيه بالصوت الذي تَمَّ في الخطوة الثالثة. "محروس الشناوي 1996، 337".

ويشير ستاتس stasts "1971" إلى أهمية استخدام التعزيز في اكتساب الطفل التتبعات النموذجية لاستخدام كلمات الجمل وأفضليات الحدوث، والتي يتم تعلمها بالارتباط الشرطي.

إذ إن الأطفال يتعلّمون "انظر إلى الحصان"، وليس "انظر الحصان إلى"، فالجملة الأولى الصحيحة تعزز من الوالدين، فتثبت وتكرر عند الطفل، أما الجملة الثانية الخاطئة لا تجد تعزيزًا، ولذا يلغيها الطفل وينساها.

وتمثل أفضليات الحدوث -لدى سبتاتس staats- النمو بشكل يشمل نمو النماذج اللغوية في شكل ونسق، يتعلّم بواسطة آليات المثير والاستجابة في تتابع من البسيط إلى المركب، ويتتابع نمو الجمل النحوية هي الأخرى من البسيط إلى المركب، فإذا ارتبط مثيرٌ ما باستجابة خاصة به، وتبع هذا وجود تعزيز مناسب في الوقت الذي يقرن هذا التعزيز بكلمة مناسبة، فإن الارتباط يتزايد، وتتوالى الكلمات في تتابع وتناسق مكونة الجمل، ويقرر ستاتس staats أن الكلمات المستخدمة في الجملة يمكن أن تمثل مثيرات واستجابة في وقت واحد.

ص: 409

ويمكن تبسيط هذا النسق في صورة كلمتين منطوقتين على النحو التالي:

مثير استجابة.......... مثير استجابة.

الكلمة الأولى............ الكلمة الثانية.

خبز.......... من فضلك

حيث استخدم ستاتس staats "من فضلك" كلمة ثانية؛ حيث إذا قرنها الطفل بكملة خبز "أي: أريد خبزًا" فتقول الأم: "خبز من فضلك"، وحينما يكرّر الطفل الجملة كاملة يحصل على قطعة الخبز التي تمثل تعزيزًا للسلوك اللغوي المناسب.

ويعتبر ستاتس staats أن مقطع "من فضلك" هو المثير التمييزي الذي يسيطر على الاستجابة، والخبز كما استخدم هنا هو الاستجابة، هو أيضًا مثير لكلمة "من فضلك".

وإذا أمكن تدريب الطفل على كلمات مختلفة "لبن، خبز، برتقالة" بصفة مستمرة بكلمة "من فضلك" فإنها تكون طائفة ترتبط باستجابة واحدة.

وقد قدَّم براين braine "1963" سلسلة من التجارب توضّح كيفية ارتباط مثيرات الكلام ارتباطًا شرطيًّا في مواضع معينة داخل الجمل؛ حيث استخدم فيها كلمات غير ذات معنًى، ولها سمات تمييزية عامّة، وقد تبيِّن "براين" أن الكلمات يمكن تتباعها لتظهر في مواضع معينة، والأهم من ذلك أن الأطفال تمكنوا من استخدام الكلمات غير ذات المعنى في المواضع الصحيحة، وأن تعلم الموضع يعتبر حالة تعلم إدراكي حسي.

وتفسير نظرية الاقتران كيفية اكتساب الطفل معنى الكلمات بطريقة مباشرة نسبيًّا؛ حيث ترتبط الأشياء والأفعال المختلفة في بيئة الطفل باستجابات كلامية واضحة في ذاكرته، وهذا الشكل من الارتباط الشريط يسمَّى عادةً بالترقيم، وهناك العديد من الدراسات التي تبيّن أن تعلم الترقيم يمكن بسهولة إحداثه بالارتباط الشرطي السببي، وفي الواقع أن هذه المسائل قد استخدمت على نطاق واسع لنمو المحصول اللفظي vocabulary لدى الأطفال.

ص: 410

والنظرية السلوكية أو نظرية التعلُّم قد وجِّه إليها كثيرٌ من النقد فيما يتعلّق باكتساب اللغة؛ فبالرغم من أن المثيرات الخارجية "البيئة" عامل هام في تطوير لغة الطفل، إلّا أنها لا تفسر الطريقة التي يستطيع بها الأطفال ترديد الأشياء التي يسمعونها من قبل. فمن المحتمل أن يكون طفل في سن 2، 6 سنة جملة مثل:"أحمد أكلت" أو "مها لعب"، ومن الواضح أن ذلك ليس تقليدًا بحتًا، ولكن ذلك يعكس عملية الاستخدام المفرط للغة overregularication. وفضلًا عن ذلك فإن معظم الآباء يكافئون أطفالهم على صحة مقولاتهم بدلًا من صحة التركيب اللغوي، فاستجابة لجملة مثل:"القطة خرج" فإن الوالد من المحتمل أن يوافق في ذلك حتى لو كانت الجملة في الحقيقة ينبغي أن تكون: "القطة خرجت".

ورغم أن هناك اعتراضات على بعض تفاصيل النظرية الارتباطية إلّا أنها لاقت قبولًا واسعًا في أواخر الخمسينات وبداية الستينات كنموذج توضيحي لاكتساب اللغة؛ حيث إن الاتفاق كان عامًّا على المبادئ الأساسية، وأهمها:

- إن اكتساب اللغة يمكن فهمه بتطبيق المبادئ السلوكية للارتباط الشرطي دون اللجوء إلى المفاهيم العقلانية "إجراء أو تكون معرفي".

- وإن الطريقة الوحيدة لفهم اكتساب اللغة هي من خلال التناول المنهجي للمتغيرات المستقلة عندما تؤثر على المتغيرات التابعة.

ويلخص ستاتس staats "1971" القضية على أنّ المحاكاة تعتبر أحد عوامل تعلّم اللغة، والمترابطات البيئية تتزايد أهميتها لدى علماء اللغة المعاصرين.

والخلاصة: إنه يمكن القول بأنه من المهم بيان طبيعة النظرية في موضوع اللغة، وبيان كل أسلوب نظري يقوم بتفسير أحد ظواهر اكتساب اللغة في ضوء إهمال بعض العوامل الأخرى، ولهذا لا نستطيع القطع بأن الارتباطية يمكن أن تسهم في تفسير جميع ظواهر اكتساب اللغة، ولكن يمكن أن تعزز أهمية كل من:

- العوامل البيولوجية والحيوية وعامل النضج.

- الممارسة والمحاكاة السليمة، واستخدام ألوان من التعزيز.

- فاعلية الطفل ومدى إثارته الداخلية لاكتساب اللغة.

وكل هذه العوامل تعمل مجتمع على اكتساب اللغة ونموها نموًا سليمًا يخدم نمو شخصية الطفل.

ص: 411