الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
3-
تكامل أزمات النمو:
أ- كمون النمو النفسي والصراع الأوديبي:
واستطرادًا في دراسة نمو الطفل، يعتبر "بياجيه" وجود فترات انتقالية بين المراحل كفرص نمائية للتقدم إلى مستويات جديدة، ويجاري "إريكسون وسيرز""بياجيه" في تفاؤله، ولكنهما في الوقت نفسه يشيران إلى أخطار عدم التأكد للاضطراب والارتباك الكامنين في هذه الفترات الانتقالية، وهنا يبدو من المستحسن أن نتأمَّل في مفهوم هو من أكثر المفاهيم إرباكًا وإثارة للجدل، تلك هو الصراع الأوديبي الذي ظهر لأوّل مرة في نظرية فرويد.
إن الصراع الأوديبي ظاهرة نفسية حاسمة في التحليل النفسي، كما أوردها فرويد، لم تلق إشارة لها في نظريات "جيزيل، بياجيه، سيرز، كولبرج"، ولكن نظرية "إريكسون" في التحليل النفسي عرضته كمرحلة، وكذلك كظواهر ولائية ومتصارعة في مختلف الارتباطات مع الكبار الرئيسيين من الجنس الآخر. ويلاحظ أصحاب نظرية التعلُّم وكذلك من:"بياجيه""سيرز" فيما توصَّلوا إليه من نتائج أنه توجد تحولات مشابهة وتخطيطها متصارعة بالنسبة للتعلّم الخاص بالتقليد والتوحد بالنموذج، ولإيجاد نموذج مفرد كمصدر للتعرف الأولى على الذات، وهم يلاحظون أيضًا زيادة في شعور الطفل بانتهاج سلوك مشابة لسلوك
الوالد النموذج من نفس الجنس وفي الاهتمام بهذا السلوك، وفي نفس الوقت يحاول الطفل أن يحتفظ برباط وثيق بالنموذج من الجنس الآخر ويؤكده، ومن المهم أنَّ نلاحظ أن "بياجيه" يصف عفويًّا صراعًا عقليًّا في التعرُّف الجنسي الظاهر للطفل في فترة سنوات الروضة، ويرى "بياجيه" أنَّ الأكثر من اختلاط الأدوار والصراع يتوازى مع الظواهر الولائية المتصارعة في الموقف الأوديبي. ويشدد "سيرز" على أن الوالد من نفس جنس الطفل في هذه الفترة من العمر يمكن أن يكون هو المحفِّز على عدوانية أكبر، والمستقبل أيضًا لهذه العدوانية، في حين أن الوالد الآخر يميل إلى أن يكون أكثر تساهلًا، وبالتالي يسهل الاقتراب منه، ويلخص "إريكسون" هذه الملاحظات كبعد إضافي للموقف الأوديبي، والواقع أن كتابات إريكسون السابقة اشتملت على فرض نظري عندما حاول تفسير الموقف الأوديبي كفترة يحاول فيها الطفل بصفة خاصة أن يتعلّق عن كئب بالوالد من الجنس الآخر، وفي كتاب أكثر حداثة اقترح أنَّ الموقف الأوديبي يشتمل على مجاهدات تصارعية أكثر تنوعًا عن مجرَّد الارتباط الجنس بالوالد من الجنس الآخر.
وتوحي النتائج التي توصَّل إليها كل من "بياجيه، سيرز" أنه في الفترة الأوديبية يحاول الطفل جاهدًا الاقتراب سلوكيًّا من الوالد من نفس الجنس، وهذه المحاولات بدورها تؤدي بالطفل إلى ارتباط أكثر إلحاحًا بالوالد من الجنس الآخر مع معتقدات جديدة، والصراع الأساسي لا يتواجد إلًا قليلًا ما دام النظر إلى الموقف الأوديبي يعتبره مشكلة محيِّرة في انتقال الروابط الشخصة، وتفاعل علاقات تفاضلية جديدة.
ويرى "إريكسون" أن الموقف الأوديبي في فترة البلوغ أزمة نمائية وصراعًا يبين اكتساب إحساس بالهوية والترك مع إحساس بتشتت الدور، ويشير "بياجيه" إلى تعقيدات مشابهة عندما يحاول المراهق في عقله تحديد علاقات اجتماعية في إطار اجتماعي جديد وأكثر اتساعًا، أمَّا "سيرز" فإن كتاباته لا تمتد إلى هذه الفترة من العمر بدرجة تكفي لتحديد تفكيره في اتجاه أو آخر، ويرى "بياجيه" أن هنا معرفة أكثر تقدمًا لأنماط العلاقات يعتبرها حلًّا لهذه الفترة من التوتر. ويعزو "إريكسون" التكامل الناجح لهذه الفترة إلى تفوق الإجراءات الانفعالية المتصارعة.
وكلاهما يعترف بهذه الفترة من البلبلة والتصارع كعنصر أساسي في النمو، ويعود "إريكسون" لاقتراح أن عمليات النمو تختلف باختلاف الجنس. أمَّا "بياجيه" فلا يبدو أنَّه يعتبر اختلافات الجنس ذات دلالة. هذا ولا يزال التركيب الأخير لمفهوم "إريكسون" للصراع الأوديبي الثاني في فترة المراهقة، وإشارة "بياجيه" إلى التشتت في العلاقة الرمزية، لا يزالان معروضين لبحث في المستقبل.
ب- أزمات النموّ النفسي الاجتماعي:
إذا استرجعنا فكرة الأزمات التي تحدَّث عنها إريكسون، والتي تمثل محاور مرحلية للنمو النفسي الاجتماعي للطفل، نجد أنَّ من الممكن اعتبارها في هذه الإطار حالات خاصة، أو هي تطبيق للفترات الحرجة التي ذكرها جيزل؛ ففي المرحلة الأولى تكون هذه المرحلة العمرية فترة حرجة لإشاعة الثقة المتبادلة بين الطفل والأم، وفي المرحلة الثانية تكون لدى الطفل إحساس بالحاجة الحرجة لتنمية الاستقلالية، والمرحلة الثالثة فترة حرجة لتنمية حاسَّة المبادأة، والرابعة لتنمية الإحساس بالإنجاز
…
إلخ. وبالتالي تلتقي كلتا النظرتين حول مبدأ واحد تندرج تحته المحاور المرحلية.
وبذلك تعتبر مناهج إريكسون حول الأزمات النمائية النفسية الاجتماعية فترات حسَّاسة مرحلية في هذا التفاعل، تكتسب معانيها وأهميتها من الثقافة التي يعيش فيها الفرد. والنظريات التي تعتبر السلوك المعرفي سلوكًا توافقيًّا، والنظريات التي تعتبر محددات التعلُّم "التعزيز، التعلُّم الاجتماعي، القدوة، المحاكاة، والنمذجة" مفاهيم أساسية في تفسير تغير السلوك ونموه، تلتقي حول مفهوم الأزمات النمائية؛ حيث يتم اكتساب الطفل سلوكيات معينة في فترة حرجة من سياق حياته النمائي.