الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الاتجاهات النظرية في تفسير النمو
مدخل
…
الاتجاهات النظرية في تفسير النمو:
مقدمة:
لا غنى لعلمٍ من العلوم طبيعيًّا كان أو إنسانيًّا عن نظرية تربط بين وقائعه في نظام متناسق متكامل يفسر هذه الوقائع ويوسع من نطاقها ويثير من المشكلات بقدر ما يحله منها. والعلم سعي دائم وراء المجهول في نسق نظامي يستند إلى قاعدة تسمح للعالم أن ينظر من علٍ، وأن يغيِّر من زواياها ومستوياتها ليعيد النظر من منظور أعلى، والعالم في سعيه لمعرفة الحقائق عن الإنسان يحتاج إلى تنظيم هذه الحقائق في نظم من القوانين والنظريات، ولا يقتصر اهتمامه على الحقائق والعلاقات الثابتة بالدليل والبرهان، ولكنه يهتم أيضًا باكتشاف الطرق لتخليص هذه الحقائق.
وقد يظن الرجل العادي أن العالم يتعامل مع الحقائق، في حين أن الفيلسوف هو الذي يهتم بالنظريات، فالعالم بالنسبة له ذلك الشخص المنظَّم المخلص لعمله، الذي يبحث عن الحقائق الخالصة أكثر من أن يكون مغامرًا عقليًّا يبتكر تركيبات تخيلية، ويظن الرجل العادي أيضًا أن الحقائق محدودة، واقعية، ملموسة، وأن معناها واضح في ذاته. أما النظريات فهي في رأيه مجرَّد تأمّلات أو أحلام يقظة، ولكون الواقع هو أن تجميع كميات ضخمة من الحقائق المنعزلة يمكن أن يسهم إسهامًا ضئيلًا في تقدُّم المعرفة، لذا: فإن الغاية القصوى التي ينشدها العالم ليست تجميع الحقائق، وإنما تنمية النظريات التي سوف توضح جانبًا معينًا من الظاهرات. إن أعظم موهبة يمكن أن يمتلكها عالم هي الخصوبة التصورية، أي: القدرة على بناء تخمينات ذكية جريئة أصيلة عن الكيفية التي تنظم بها الحقائق، ومع أن العلم يؤكد الموضوعية، إلّا أنه يهتم إلى درجة بعيدة بعملية التنظير الذاتية.
وعلى هذا الأساس: فإن التنظير ليس أداة زخرفية يلهو بها العلماء وهم قابعون في أبراجهم العاجية، ولكنه أداة عملية تمكِّنهم من اكتشاف الميكانيزمات الكامنة وراء الظاهرات، ويزودنا التنظير بالمعالم التي تقودنا على طريق البحث، وبدون التنظير لا يمكن اكتشاف معرفة جديدة. "فان دالين: 1977، 91-93".
ما هي النظرية:
إن أكثر المفاهيم شيوعًا هو أنَّ النظرية توجد في مقابل الحقيقة؛ فالنظرية فرض لم يتأيِّد بعد، أو تأمّل حول الواقع لم يتأكد بعد بصورة تقطع بصحته، وعندما تتأيد النظرية تصبح حقيقة.
وعلى هذا الأساس: فإن النظرية هي مجموعة من الافتراضات خلقها صاحب النظرية، تكون ذات صلة بموضوعها، يرتبط بعضها بالبعض الآخر ارتباطًا منظَّمًا، كما أنها تتضمَّن مجموعة من القضايا والتعريفات التجريبية. "هول، لندزي: 1978، 25-25".
ويجب أن يتوفَّر في القضايا التي تثيرها النظرية شروط متعددة أهمها:
1-
أن تكون القضايا مستندة إلى أفكار محددة تمامًا.
2-
أن تكون القضايا متَّسقة الواحدة مع الأخرى.
3-
أن تكون في صورة يمكن أن تنمو منها التعميمات.
4-
أن تكون القضايا المكوّنة للنظرية ذات فائدة؛ بحيث يمكن أن تقود الباحثين إلى مزيد من الملاحظات والتعميمات لتوسيع نطاق المعرفة.
وبناء النظرية يستلزم توفر العناصر التالية:
1-
وجود إطار تصوري أو مجموعة من المفاهيم تتناول موضوع النظرية، ويمكن أن يميّز في بناء النظرية بين نوعين من المفاهيم:
- مفاهيم وصفية: وهي التي تتناول موضوع النظرية.
- مفاهيم عملية أو واقعية: يطلق عليها مصطلح "المتغيرات".
2-
اشتمال النظرية على مجموعة من القضايا؛ بحيث تقرر لكل قضية علاقة معينة بين متغيرين على الأقل.
3-
ترتيب القضايا التي تشكّل في نسق استنتاجي، أي: وضع المقدّمات في البداية، ثم الانتقال منها إلى النتائج، ومن الضروري عند بناء النظرية مراعاة مبدأ عدم التناقض، وهو ما يعرف بمبدأ الاتساق المنطقي، أي:
استنباط كل قضية من القضايا التي تسبقها حتى نصل إلى أدنى المستويات.
4-
قيام النظرية بتفسير الوقائع التي تشتمل عليها، وكلما فسَّرت النظرية قدرًا من الوقائع زادها ذلك قوة ويقينًا.
هذا ومن شروط النظرية العلمية الصحيحة، ما يلي:
1-
الإيجاز: فيجب أن تكون النظرية العلمية موجزة في تعبيرها عن الحقائق التي تشتمل عليها، وفي بيان الفرض الذي وضعت من أجله.
2-
الشمول: فيجب أن تشتمل النظرية على جميع الحقائق الفرعية التي تنطوي عليها، وأن تفسّر أكبر عدد من الظواهر.
3-
التفرّد: فيجب أن تنفرد النظرية بتفسير الحقائق التي تشتمل عليها، فوجود نظرية أخرى تفسر نفس الحقائق التي تفسرها النظرية الأولى يضعف الأهمية العلمية للنظريتين، إلّا إذا كانتا متكاملتين.
4-
القدرة على التنبؤ: فيجب أن تساعد النظرية العلمية على التنبؤ بما يحدث للظواهر المختلفة قبل حدوثها، فإذا ظهر أن هذه التنبؤات صحيحة ازدادت قوة ويقينًا.