الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رابعًا: الاتجاهات نحو الدور الجنسي
في بعض الأحيان وفي بعض الثقافات، فإنَّ هذا المجال، كمؤشِّر لتكوين الهوية، يبدو عديم القيمة؛ لأن مطالب الجنس1 يمكن تعليقها وتعويقها على القبول الاجتماعي، مما لا يتيح الفرصة لاختيارات الفرد. ورغم ذلك فإنه في الثقافة الغربية، ولأسباب عديدة اقتصادية وتكنولوجية واجتماعية، فإن جنس الفرد "ذكر كان أم أنثى" لا يحدد بالضرورة الدور، ومن ثَمَّ فإن هذا المجال يواجه معيارين من معايير الهوية: فهو ذو أهمية نظر للدور الذي يقوم به، كما أنه توجد فيه فرصة للاختيار والتنوّع في القرار.
ومن الضروري أن ندرك أهمية كلًّا من مجال أدوار الجنس والمجال التالي الخاص بالجنسية sexuality المكوّن للعلاقات بالجنس الآخر، مما تحتويه المقابلة الشخصية الخاصة بالهوية "كما أوردها مارشيا"، ففي تلك المرحلة من دور الحياة -المراهقة المتأخِّرة- نجد أن المرء يتعامل مع أدوار الجنس والعلاقات مع الجنس الآخر، ليس من منطلق تعريف الفرد لنفسه كذكر أو أنثى -وإن كان ذلك يتمّ في كلٍّ من المراهقة المبكرة والمتوسطة، ولكن من منطلق المعنى الاجتماعي للذكورة والأنوثة، وما ينطبع به الفرد شخصيًّا، هذا بجانب التعبير الذاتي للفرد عن الجنس، وكيفية التعامل معه في السياق الاجتماعي.
وهنا: ثَمَّة خطر يمكن أن ندركه، وهو أنَّ الدور الجنسي يتداخل مع محتوى المرحلة النفسية الاجتماعية التالية "الألفة في مقابل الإحساس بالعزلة"، فمن الضروري أن يتركَّز الاهتمام على الهوية؛ حيث يصعب تفادي التداخل مع مرحلة الألفة مثلما حدث من عدم إمكان تفادي التداخل مع المرحلة السابقة "الاجتهاد -المثابرة- في مقابل الإحساس بالنقص". وفي الواقع: إن النظرية تدَّعي وجود خصائص كل المراحل في كل عمر، وأنه ثَمَّة وثوق من تقارب المراحل الواحدة من الأخرى، وأنَّ التفرقة ما بين تشكيل الهوية في المراهقة المتأخرة في مجال العلاقات الجنسية وتنمية الألفة في بداية الرشد تكون كما يلي:
"تصاغ جوانب الهوية في مصطلحات عملية تكوين الفرد لمجموعة من الاتجاهات عن نفسه، وتكوين نظرية شخصية تميزه من خلال مجال العلاقات الجنسية، ودرجة التزامه بتلك المعتقدات، أمَّا الألفة فهي على النقيض، فإنها تقدَّر من خلال مصطلحات الطبيعة الفعلية للعلاقات التي يقيمها الفرد مع شريك الحياة، أي: إنها يمكن التعرُّف عليها من عمق واتساع نضج عملية الكشف الذاتي للفرد، ومدى التعبير الانفعالي داخل هذه العلاقة".
1 gender: الذكورة والأنوثة.
وعلى هذا الأساس فإنه في مصطلحات الاتجاهات نحو الدور الجنسي بصفة عامَّة، فإن كل ما يسعى إليه القائم بإجراء المقابلة هو النظر في المؤشِّرات التي تدل على أن الفرد يفكر في المترتبات الاجتماعية عن الجنس، وما يفعله من التزام فكري وسلوكي يؤدي إلى التكوين الذاتي لمجموعة من المعتقدات الذاتية. إن محتوى تلك المعتقدات يقوم في الأساس على الذكورة والأنوثة أو الخنوثة لا أهمية له، ولكن المهم في تحقّق الهوية هو أن يُعْنَى الفرد بالبدائل وكيفية التعبير السلوكي عن تلك البدائل، مع التزامه بذلك الموقف، ومن ثَمَّ فإنه من المفترض أنَّ شخصًا ما ينشأ في أسرة "متحررة" ذات دور جنسي مزدوج "خنثوي"، ثم يتحوَّل إلى الذكورة، فإذا كان ذلك نتائج التفكير للبدائل، عندئذ يمكن الحكم بتحقق الهوية.
وفيما يلي نعرض لرتب الهوية في مجال الاتجاهات نحو الدور الجنسي:
أ- تشتت الهوية:
هناك مستويان على الأقل من التشتت في أدوار الجنس:
الأول: هو النقص المرضي في التمييز بين أدوار الجنس، مما يكشف عن تأخُّر النمو الجنسي النفسي، وظهور الموقف النرجسي؛ وحيث يتضاءل التمييز -داخل الذات- بين الذات والآخرين؛ إذ يكون وجود الآخرين بالنسبة للفرد عبارة عن أشياء لتحقيق الرضا والإشباع فقط، مما يجعل هذا النوع قابلًا للتغيير الداخلي من جانب الفرد. هذا المستوى من التشتُّت ذي الطبيعة المرضية من النادر وجوده في مقابلات الهوية، وهم قِلَّة في تعدد السكان.
أما النوع الثاني -الأكثر: هو الفرد غير المفكِّر الذي ينشغل فقط في أن يعيش يومه، لدرجة أنه لا يستطيع أن يقدِّم تأمُّل باطني introspection جيد، وعادة عندما يسأل سؤال عن الدور الجنسي مثل:"ماذا يعني لديك أن تكون رجلًا أو امرأة؟ "، فإنه يترك مكان الإجابة فارغًا بلا جواب.
وعلى العموم: فإن ذوي الهوية المشتتة يجدون صعوبة في الإجابة عن الأسئلة؛ لأنهم يفكرون فيها كثيرًا، وهم في العادة يودون أن يعرفهم الناس من
الخارج كلما كان ذلك ممكنًا، ومن ثَمَّ، فإذا أعطي الفرد تسميةً جنسية معينة -وليكن ذكرًا مثلًا- فإنه في هذه الحالة إذا أخبره الناس بأنه من المفترض أن يسلك طبقًا لما يقوم به الذكور، فإن المفحوص غالبًا ما يشعر كما لو كان يدرك شيئًا مختلفًا. وعلى الرغم من ذلك: فإن القائم بإجراء المقابلة عليه أن يتعمَّق في التزامات الأفراد ليتعرَّف على حالة الهوية، وما إذا كانوا مشتتين أم لا.
ب- إعاقة الهوية:
لا تعني إعاقة الهوية الصخرة التي تتحطَّم عليها الآمال. يرى مارشيا أنه من نتائج دراساته وجد أن ثَمَّةَ ما يعزو من حالات إعاقة الهوية إلى مظهر أوديبي، وإلى ما تَمَّ اكتسابه وتعلُّمه عن أدوار الجنس في تلك الفترة المبكرة من حياة الفرد؛ بحيث يمكن القول بأن أهمية كون الفرد ذكرًا حقيقيًّا، أو أنثى حقيقية، أو حتَّى مخنَّثًا، إذا تصوَّرنا ذلك تمثل شيئًا ملحًا في حالات الإعاقة من أيّ جانب آخر في الشخصية. وثمة احتمال بأن الاتجاهات نحو أدوار الجنس هي حجر الأساس الذي تقوم عليه إعاقة الهوية، وفي الجوانب الأخرى منها؛ لأنها ترتبط بالتحديد الوالدي في السن المبكرة، ومهما يكن ذلك حادثًا أم لا، فإن إعاقة الهوية تظهر في صورة من عدم التأمل، والتفكير المؤكد، ومن عدم الالتزام في هذا الجانب بصفة خاصة.
ج- توقف الهوية:
كما في المجالات الأخرى، فإننا نجد أن الأفراد الذين هم في رتبة توقُّف الهوية في تحديد الدور الجنسي، تكون لديهم محاولات وسط لحسم هذه القضية؛ فهؤلاء الأفراد عادةً ما يكونون في موقف وعلاقة تعجل بالكشف عن اهتمامهم الفعلي أو المباشر، ومن المحتمل أن يقترب الفرد من التخنُّث أو الميل المزدوج بين اهتمامات الذكور والإناث في هذه الفترة، أكثر مما يكون ذلك واضحًا عندما يتحرك الفرد من رتبة التوقف إلى تحقق الهوية، فيمكن أن نجد تعاملًا كبيرًا يتَّسِمُ بالتجريب للبحث عن شكلٍ ما، وبعد ذلك البحث عن الآخرين، وذلك قبل أن يحقق أفضل ما يناسبه تمامًا، وبذلك: فإن الفرد متوقّف الهوية غالبًا ما يتميِّز بروح البحث والتقصي.
د- تحقق الهوية:
قد يظهر تحقق الهوية بدرجة أقل إلى حدٍّ ما في هذا المجال عن غيره من المجالات الأخرى، فالدور الجنسي الذي يلعبه الفرد يعتمد فقط عمَّا يعتقده عن نفسه، ولكن أيضًا عمَّا يراه الآخرون في الدور الذي يلعبه، فسلوك الالتزام في هذا المجال يتضمَّن بالضرورة التفاعل التامّ مع الآخرين الذين يختلفون حتمًا عن ذات الفرد، ومن ثَمَّ فإنه يتوقع باستمرار التعديل في أفكار وسلوك الفرد، ولن يستطيع الفرد السعي وراء العلاقات استنادًا إلى نفس الأسلوب الموجَّه أو المباشر الذي يحقِّق به الفرد الأهداف المهنية. فالمهن تحقق الثبات، أمَّا العلاقات الإنسانية فليست كذلك، ولذا: كان على القائم بالمقابلة الخاصَّة بالهوية أن يسعى وراء النظر في مدى وجود فترات الاستكشاف، وبعض الأفكار المحددة، وبعض الالتزمات السلوكية.
1-
نظرية هانز وارنر hunz wener
المبدأ الأساسي في نظرية وارنر وهو اعتدال الأصل orthogeneses، ويتضمَّن سمتين أساسيتين للنمو، وهما: التفاضل "التفرد" defferentiation والتكامل الهرمي hierarchic inegration.
وطبقًا لمبدأ التفاضل، تتفاضل النظم البدائية والمعممة تفاضلًا تدريجيًّا، ولكنها في نفس الوقت تنصهر مع النظم الأخرى لتكوّن وسائل فعل متكاملة "إن التفاضل يؤدي إلى تفرُّد منزايد في أجزاء محددة جيدًا في النظم، وفي نفس الوقت ذات صلة وثيقة كل منها بالأخرى. "langer، 1970. 735"، وطبقًا للتفسير المعرفي لمبدأ التفاضل، فإن الاستجابات المبدئية للتركيب العضوي للبيئة إنما هي نظم شاملة التعميم وغير متفاضلة، وعلى ذلك فإنَّ المتعلم الصغير يستجيب بنفس الطريقة لمثيرات كاملة متشابهة عندما تسيطر بعض الجوانب المتميزة للمثيرات على الاستجابات التفاضلية، ويمكن أن نقدم مثلًا لذلك، الطفل الصغير عندما يسمِّي كل الرجال "بابا"؛ لأنهم يرتدون البنطلون.
وطبقًا لمبدأ التكامل الهرمي: عندما تظهر نظم متكاملة أكثر تقدمًا فإنها تتخذ نظمًا أقل إتقانًا من جهة النمو، ومع أنَّ مثل هذا المستوى في النمو يتوقف على المستوى السابق له، إلّا أنه متميز نوعيًّا ويتولى التحكم في سلوكياته، ويعتبر هذا التصور هو من أكثر التصورات تعقيدًا ما قدَّمه أصحاب النظرية العضوية، كما أنه يفرق بين الاتجاهات النظرية الأخرى. والموقف الآلي لا يهتم بالتفرقة النوعية، ولكن يفترض أن النمو يمثّل اكتساب أكثر من خاصية معينة، وليس تغييرًا في نوعية الخاصية.
وجنبًا إلى جنب مع مفهوم التكامل الهرمي، يوجد المبدأ التكويني للولبية genetic principle of spiralitg، عندما يتقدَّم الطفل نحو حالة أخيرة من النضج فإنه يبدي أحيانًا ارتدادات مؤقتة نحو مستوى سابق قلَّ أن يستأنف نموه الحتمي. وقد رتَّب وارنر werner النمو في ثلاثة مستويات:
أ- نمو حسي حركي.
ب- نمو إدراكي.
ج- نمو تأملي.