الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نقل أسماء الله وصفاته من الحقيقة إلى المجاز
المجيب د. عبد العزيز بن عمر الغامدي
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك خالد
العقائد والمذاهب الفكرية/توحيد الأسماء والصفات
التاريخ 15/6/1424هـ
السؤال
يقول بعض الأشاعرة أو الماتريدية أن أهل السنة يثبتون المعنى وينفون الكيفية في أسماء الله عز وجل وصفاته، والمرجع في إثبات المعنى هو اللغة العربية، وعند الرجوع للمعنى في اللغة العربية نجد أن المعنى لا يليق بالله عز وجل، فلا نأخذ به، فنكون بذلك قد خرجنا من الحقيقة إلى المجاز، مثال ذلك اليد في اللغة تطلق على الجارحة التي هي جزء مركب في الشيء، وهذا المعنى لا ينطبق على الله، لأنه يستلزم منه أن الله مركب أو أنه يتحيز، فنقول إن ذلك المعنى اللغوي غير مراد فنكون بذلك قد خرجنا من الحقيقة إلى المجاز الذي هو التفويض أو التأويل، فما هو الجواب إزاء هذه الشبهة؟ جزاكم الله خيراً.
الجواب
أهل السنة والجماعة لهم رأي رشيد ونهج سديد في أسماء الله تعالى وصفاته وأفعاله، فهم ينطلقون في إثبات الأسماء والصفات لله تعالى من منطلق أن كل ما ورد في الكتاب والسنة الصحيحة من أسماء أو صفات لله تعالى أثبتوها له تعالى من غير تشبيه ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، على قاعدة (إقرار وإمرار) أمروها كما جاءت، معتمدين على قوله تعالى:"لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ"[الشورى: من الآية11] ، وفي هذه الآية الكريمة رد على المشبهة وعلى المعطلة في نفس الوقت، وعلى قوله تعالى:"قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ"[البقرة: من الآية140] ، وعلى قاعدة (كل ما يخطر ببالك فالله على خلاف ذلك) ، وما لم يرد في الكتاب أو السنة الصحيحة فإنهم لا يثبتونه، ليس لهم منهج آخر، ولا أسد ولا آمن من هذا، لذا فهم في مأمن من التناقض الذي وقع فيه جميع أهل البدع المنطلقين من منطلقات غير الكتاب والسنة، عقلية بزعمهم أو لغوية أو غير ذلك، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: (ولهذا لا يوجد لنفاة بعض الصفات دون بعض الذين يوجبون فيما نفوه إما التفويض وإما التأويل المخالف لمقتضى اللفظ قانون مستقيم، فإذا قيل لهم لم تأولتم هذا وأقررتم هذا والسؤال فيهما واحد؟ لم يكن لهم جواب صحيح فهذا تناقضهم في النفي
…
) انظر كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في العقيدة (3/26) ، لأجل هذا كثر النطاح فيما بين المبتدعة، وما يفرون من شيء إلا لزمهم ما أثبتوه، فهم جميعاً متفقون على إثبات صفة الحياة لله تعالى، والحياة ثابتة للمخلوق أيضاً بنص القرآن الكريم قال تعالى:"أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ"[الأنعام:122]، فإذا ما قيل لهم ذلك قالوا: نحن نثبت الحياة لله تعالى كما
تليق به، والحياة للعبد كما تليق به، قلنا لهم وكذا سائر الأسماء والصفات إذ لا فرق بين صفة وأخرى، فالكلام في بعض الصفات كالكلام في البعض الآخر، وإلا كنتم كمن يفرق بين المتماثلات بمجرد الهوى.
أما ما ذكر من أن أهل السنة والجماعة ينفون الكيفية وهو ما يعرف بالتفويض، فهذا الأمر ليس على إطلاقه بل فيه تفصيل:
فإن كان المراد بنفي الكيفية (التفويض) هو نفي معرفة كنه تلك الصفة وكيفيتها أو الاسم فهذا حق وصدق فإنهم يقولون: (لا يعلم كيف هو إلا هو تعالى)، ولهذا قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى كما في اجتماع الجيوش الإسلامية (1/141) (روى ابن بطة عنه في الإبانة بإسناده قال إذا قال لك الجهمي كيف ينزل فقل كيف يصعد) وفي أقاويل الثقات لمرعي بن يوسف المقدسي قوله:(وما أحسن ما قال بعضهم إذا قال لك الجهمي كيف استوى أو كيف ينزل إلى السماء الدنيا أو كيف يداه ونحو ذلك فقل له كيف هو في نفسه، فإذا قال لا يعلم ما هو إلا هو وكنه الباري غير معلوم للبشر فقل له فالعلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف، فكيف يمكن أن تعلم كيفية لموصوف لم تعلم كيفيته وإنما تعلم الذات والصفات من حيث الجملة على الوجه الذي ينبغي له، بل هذه الروح قد علم العاقل اضطراب الناس فيها وإمساك النصوص عن بيان كيفيتها، أفلا يعتبر العاقل بها عن الكلام في كيفية الله تعالى مع أننا نقطع بأن الروح في البدن، وأنها تخرج منه وتعرج إلى السماء، وأنها تسل منه وقت النزع كما نطقت بذلك النصوص الصحيحة..)(1/207)، ولما سئل الإمام مالك رحمه الله تعالى عن الاستواء قال: (الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة
…
) ، نقل ذلك عنه في كثير من كتب العقائد، قال الإمام المقدسي في أقاويل الثقات (والمشهور عند أصحاب الإمام أحمد أنهم لا يتأولون الصفات التي من جنس الحركة كالمجيء والإتيان والنزول والهبوط والدنو والتدلي، كما لا يتأولون غيرها متابعة للسلف الصالح، قال وكلام السلف في هذا الباب يدل على إثبات المعنى المتنازع فيه. قال الأوزاعي - لما سئل عن حديث النزول - يفعل الله ما يشاء. وقال حماد بن زيد: يدنو من خلقه كيف يشاء قال وهو الذي حكاه الأشعري عن أهل السنة والحديث. وقال الفضيل بن عياض: إذا قال لك الجهمي أنا أكفر برب يزول عن مكانه فقل
أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء. وقال أبو الطيب: حضرت عند أبي جعفر الترمذي وهو من كبار فقهاء الشافعية وأثنى عليه الدارقطني وغيره فسأله سائل عن حديث: "إن الله ينزل إلى سماء الدنيا
…
" رواه البخاري (7494) ، ومسلم (758) من حديث أبي هريرة –رضي الله عنه وقال له فالنزول كيف يكون يبقى فوقه علو فقال أبو جعفر الترمذي النزول معقول والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، فقد قال في النزول كما قال مالك في الاستواء وهكذا القول في سائر الصفات، وقال أبو عبد الله أحمد بن سعيد الرباطي حضرت مجلس الأمير عبد الله بن طاهر وحضر إسحاق بن راهويه فسئل عن حديث النزول (سبق تخريجه) أصحيح هو قال نعم، فقال له بعض قواد الأمير: يا أبا يعقوب أتزعم أن الله ينزل كل ليلة قال نعم قال كيف ينزل قال له إسحاق: أثبت الحديث حتى أصف لك النزول فقال له الرجل أثبته فقال له إسحاق: قال الله تعالى: "وجاء ربك والملك صفاً صفا" [الفجر: 22] فقال الأمير عبد الله بن طاهر يا أبا يعقوب هذا يوم القيامة فقال إسحاق: أعز الله الأمير ومن يجيء يوم القيامة من يمنعه اليوم؟ وقال حرب بن إسماعيل: سمعت إسحاق بن إبراهيم يقول ليس في النزول وصف، قال وقال إسحاق لا يجوز الخوض في أمر الله كما يجوز الخوض في أمر المخلوقين لقول الله تعالى: "لا يسأل عما يفعل وهم يسألون" [الأنبياء: 23] ولا يجوز أن يتوهم على الله بصفاته وأفعاله بفهم ما يجوز التفكر والنظر في أمر المخلوقين، وذلك أنه يمكن أن يكون الله موصوفاً بالنزول كل ليلة إذا مضى ثلثها إلى السماء الدنيا كما شاء، ولا يسأل كيف نزوله لأن الخالق يصنع ما شاء كما شاء
…
) انظر أقاويل الثقات (1/200 – 202) ، هذا هو التفويض المحمود وهو تفويض الكيفية، ولا يسع المؤمن غير هذا، أما التفويض المذموم فهو تفويض المبتدعة الضلال الذين يفوضون المعنى، ويزعمون أنهم لا يفهمون معنى الأسماء والصفات لغوياً، فلا يدرون ما معنى
السمع ولا معنى البصر ولا معنى الكلام ولا معنى الحياة ولا معنى العلم وهكذا، ويقولون إنما هي ألفاظ مبهمة نثبتها كما هي دون أن ندري ما معناها، وكأن الله تعالى خاطبنا بلغة لا ندري ما هي وتعبدنا بفهمها وهذا تكليف بغير المطاق، وهو مخالف لقوله تعالى:"وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ"[فصلت:44] ، لسنا من الزط ولا من البربر لا ندري لغة القرآن الكريم الذي أنزله تعالى بلسان عربي مبين، وهذا الكلام باطل بكل المقاييس الشرعية والعقلية وغيرها، فنحن نعلم معنى السمع وأنه غير معنى البصر، ومعنى العلم أنه غير معنى الحياة، ومعنى الكلام غير معنى الاستواء وهكذا، لكن نفوض الكيفية لا المعنى وبين التفويضين كما بين العمى والبصر والضلال والهدى، وأما ما ذكره الفاضل من مثال اليد من أنها تكون جارحة ونحو ذلك فهذا صحيح لو أن أهل السنة والجماعة أثبتوا لله تعالى الأسماء والصفات على ظاهرها دون تنزيه له تعالى من أن يكون له شبيهاً أو مثيلاً، وللسائل أن يجيبني عن معنى قوله تعالى:"اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ"[صّ:17] ، كم لأيوب عليه السلام من أيد؟ أم أن الأيدي هنا يراد بها العلم والقوة وليست الجارحة؟ وإلا لزم أن يكون له عدة أيادٍ بنص القرآن الكريم، وهذا مالم يقل به أحد من العالمين، وما معنى قول العرب: فلان له أياد بيضاء؟ ولفلان عندي يد لا أنساها؟ هل المعنى على ظاهره؟ أم أن المراد منه أعمال الخير والبر والمعروف؟ أما يدا الخالق تبارك وتعالى فنثبتها كما نثبت غيرها من الصفات الذاتية أو الفعلية بنفس المنهج السابق (إقرار وإمرار) بلا
تشبيه ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، وقد قال تعالى في إثبات صفة يديه:"بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء"[المائدة من الآية 64] ، لا نقول جارحة ولا نقول مبالغة في الإثبات، ولا نقول ليس لله تعالى يدان إيغالاً في النفي، بل نقول له يدان تليقان، كما له تعالى سمع وبصر وحياة تليق به، والله يهدي من يشاء إلى سواء السبيل.