الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الرقية بكتابة الآيات وشرب مائها
!
المجيب د. محمد بن عبد الله القناص
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
العقائد والمذاهب الفكرية/ نواقض الإيمان/السحر والرقى والتمائم والطيرة
التاريخ 19/04/1427هـ
السؤال
ورد في إحدى فتاوى ابن تيمية للمريض ولمن هو في شدة أن تكتب له آيات من القرآن الكريم بالحبر على اللوح ثم تغسل بالماء ليختلط الحبر بالماء ثم يشرب الماء. وورد عن ابن عباس أنه ذكر دعاء معينا ليكتب ويوضع قرب المرأة التي تعاني
صعوبة في الولادة. ويروى عن علي رضي الله عنه قوله إن هذا الدعاء يجب أن يكتب
ويربط بذراع المرأة ولم ير أعجب منه" [فتاوى ابن تيمية 19/65] ، وروى تلميذه ابن القيم جواز استخدام التعويذة عن عدد من السلف بمن فيهم الإمام أحمد، وقد ذكر
ابن القيم نفسه تعويذات مختلفة [زاد المعاد (3/180] أرجو التعليق على هذه الفتاوى؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وبعد:
فالرقية مشروعة بالآيات القرآنية، وبأسماء الله الحسنى، وما ثبت في السنة النبوية من الأدعية والأذكار المشروعة، مع اعتقاد أن الرقية سبب من الأسباب، والشفاء من الله تعالى، وتكون الرقية بالقراءة المباشرة على من تراد رقيته، ويجوز أن ينفث الراقي مع القراءة، ففي حديث عائشة رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ جَمَعَ كَفَّيْهِ ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا فَقَرَأَ فِيهِمَا (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) وَ (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) وَ (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) ، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِن جَسَدِهِ، يَبْدَأُ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ وَمَا أَقْبَلَ مِن جَسَدِهِ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. أخرجه البخاري (5018) ، ومسلم (2192) .
وفي حديث أبي سعيد –رضي الله عنه في قصة رقية اللديغ: (فَانْطَلَقَ يَتْفِلُ عَلَيْهِ، وَيَقْرَأُ (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) فَكَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ.....) أخرجه البخاري (2276) ، ومسلم (2201) .
وقد بوب عليهما البخاري بقوله: (باب النفث في الرقية) ينظر: البخاري مع الفتح (10/219) .
والنفث شبيه بالنفخ، وهو أقل من التفل، قال ابن القيم –رحمه الله: "وفي النفث والتفل استعانة بتلك الرطوبة والهواء والنفس المباشر للرقية والذكر والدعاء، فإن الرقية تخرج من قلب الراقي وفمه، فإذا صاحبها شيء من أجزاء باطنه من الريق والهواء والنفس كانت أتم تأثيرا وأقوى فعلا ونفوذا
…
والمقصود: أن الروح إذا كانت قوية وتكيفت بمعاني الفاتحة، واستعانت بالنفث والتفل قابلت ذلك الأثر الذي حصل من النفوس الخبيثة فأزالته، والله أعلم" زاد المعاد (4/164) .
والأولى أن يُقتصر في الرقية على ما ثبت من القراءة المباشرة على المريض، ولا بأس أن تكون القراءة مع النفث كما تقدم.
وورد حديث في القراءة بالماء وصبه على المريض أو شربه، ولكن هذا الحديث فيه ضعف، وهو ما رواه يوسف بن محمد بن ثابت بن قيس، عن أبيه، عن جده ثابت بن قيس رضي الله عنه– أن رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَيه وَهُوَ مَرِيضٌ، فَقَالَ:"اكْشِفْ الْبَأْسَ، رَبَّ النَّاسِ عَنْ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ". ثُمَّ أَخَذَ تُرَابًا مِنْ بَطْحَانَ، فَجَعَلَهُ فِي قَدَحٍ، ثُمَّ نَفَثَ عَلَيْهِ بِمَاءٍ وَصَبَّهُ عَلَيْهِ. أخرجه أبو داود (3387) .
وفي إسناده: يوسف بن محمد ليس فيه توثيق معتبر، ورواية محمد بن ثابت عن أبيه مرسلة، قال الحافظ ابن حجر: والظاهر أن رواية محمد عن أبيه مرسلة، لأنه قتل يوم اليمامة وهو صغير إلا أن يكون حفظ عن أبيه وهو طفل، وقد أوردته في الصحابة على قاعدتهم ولا تصح له صحبة.
وقد أخذ بهذا الحديث بعض العلماء وقاسوا عليه كتابة الآيات في ورقة ثم غسلها بالماء وشرب المريض له.
وبعد هذه المقدمة نعود إلى ما طلبه السائل الكريم –وفقه الله– من التعليق على كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم –رحمهما الله– وقد تضمن كلامهما أمرين:
1-
كتابة الآيات في ورقة ثم غسلها في ماء وسقي المريض هذا الماء، ويدخل في هذا
الكتابة للمرأة إذا عسرت ولادتها، وهذا لم يرد فيه حديث مرفوع عن النبي صلى
الله عليه وسلم، وقد استدل شيخ الإسلام بأثر ابن عباس –رضي الله عنهما– وبما
جاء عن الإمام أحمد –رحمه الله، وورد عن بعض السلف كما ذكر ابن القيم، ولكن الأولى الاقتصار على ما ورد في السنة النبوية كما سبق.
وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة: إن كتابة سورة أو آيات من القرآن في لوح أو طبق أو قرطاس وغسله بالماء، وشرب تلك الغسالة رجاء البركة، أو استفادة علم، أو كسب مال، أو صحة، أو عافية، لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعله لنفسه أو غيره، ولا أنه أذن فيه لأحد من أصحابه، أو رخص فيه لأمته مع وجود الدواعي التي تدعو إلى هذا، ولم يثبت في أثر صحيح عن أحد من الصحابة، وعلى هذا فالأولى ترك ذلك، وأن يستغنى عنه بما ثبت في الشريعة من الرقية بالقرآن وأسماء الله الحسنى، وما صح من الأذكار والأدعية النبوية، وليتقرب إلى الله بما شرع، رجاء التوبة، وأن يفرج الله كربته. [فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (1/246، 259) ] .
2-
تعليق ما كتب من الآيات على عضد المرأة، وهذا نقله شيخ الإسلام عن أحد رواة
الحديث، وهو علي بن الحسين بن شقيق، وقد اختلف السلف في تعليق الرقى على
المريض إذا كانت من القرآن فرخص فيه بعضهم، وذهب بعضهم إلى التحريم، واستدلوا
بعموم الأحاديث الواردة في النهي عن تعليق التمائم، مثل قوله صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ" أخرجه أبو داود (3385) من حديث عبد الله بن مسعود، وقوله صلى الله عليه وسلم:"مَن تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَلَا أَتَمَّ اللَّهُ لَهُ، وَمَن تَعَلَّقَ وَدَعَةً فَلَا وَدَعَ اللَّهُ لَهُ" أخرجه أحمد (4/156) من حديث عقبة بن عامر، وغير هذا من الأحاديث التي تدل على النهي عن تعليق التمائم، وهي أحاديث عامة، ولا مخصص لها، فالأولى ترك تعليق التمائم وإن كانت من القرآن، لأن هذا العمل قد يفضي إلى تعليق التمائم المحرمة، وقد يحصل امتهان لهذه التمائم مثل أن يدخل بها الحمام عند قضاء الحاجة، وإذا كانت هذه التمائم معلقة على الأطفال فلا يؤمن أن تقع عليها أوساخ أو نجاسات، هذا والله أعلم.