المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌أنواع المناسبات بين كل سورتين متجاورتين: - مباحث في التفسير الموضوعي

[مصطفى مسلم]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة:

- ‌التفسير الموضوعي: "تعريفه- نشأته- تطوره- ألوانه- أهميته

- ‌تمهيد:

- ‌نبذة تاريخية عن نشوء علم التفسير وتطوره ومكانة التفسير الموضوعي:

- ‌تعريف التفسير الموضوعي:

- ‌نشأة التفسير الموضوعي:

- ‌ألوان التفسير الموضوعي:

- ‌اللون الأول:

- ‌اللون الثاني:

- ‌اللون الثالث

- ‌أهمية التفسير الموضوعي:

- ‌مناهج البحث في التفسير الموضوعي:

- ‌أولًا: منهج البحث في موضوع من خلال القرآن الكريم:

- ‌ثانيًا: منهج البحث في التفسير الموضوعي لسورة واحدة

- ‌ثالثا: التفسير الموضوعي لسورة قرآنية

- ‌تحديد محور السورة

- ‌الهدف في السورة القصيرة والسورة الطويلة:

- ‌الإطناب والإيجاز في قضايا عرضتها السورة:

- ‌صلة التفسير الموضوعي بالأنواع الأخرى من التفسير:

- ‌علم المناسبات والتفسير الموضوعي

- ‌مدخل

- ‌أولًا- تعريف علم المناسبات:

- ‌ثانيا: أهمية علم المناسبات وأقوال العلماء فيه

- ‌مدخل

- ‌القسم الأول: المناسبات في السورة الواحدة

- ‌مدخل

- ‌أنواع المناسبات في السورة الواحدة:

- ‌القسم الثاني: المناسبات بين السور

- ‌مدخل

- ‌أنواع المناسبات بين كل سورتين متجاورتين:

- ‌مثال تطبيقي على موضوع من خلال القرآن الكريم" الألوهية من خلال آيات القرآن الكريم

- ‌مقدمات بين يدي الموضوع

- ‌أولا: الألوهية والفطرة

- ‌ثانيًا: اهتمام القرآن الكريم بالتوحيد أكثر من الاهتمام بإثبات وجود الخالق

- ‌ثالثًا: منهج القرآن في إثبات التوحيد منهج فطري

- ‌رابعًا: ربط قضايا العقيدة بمصالح العباد في حياتهم المعاشية

- ‌خامسًا: مجالات الاستدلال على قضية الألوهية

- ‌أبرز أنواع الأدلة على توحيد الله جل جلاله في القرآن الكريم

- ‌مدخل

- ‌أولًا: أدلة الخلق والإبداع

- ‌ثانيًا: أدلة العناية

- ‌ثالثًا: أدلة الفطرة

- ‌رابعًا: البراهين العقلية

- ‌خامسًا: أدلة التوحيد من خلال إثبات صفات الكمال لله سبحانه وتعالى وتنزيهه عن صفات النقص

- ‌الخاتمة:

- ‌مثال تطبيقي في تفسير سورة تفسيرًا موضوعيًّا: "القيم في ضوء سورة الكهف

- ‌تمهيد:

- ‌بين يدي سورة الكهف:

- ‌اسمها وعدد آياتها:

- ‌خصائص سورة الكهف:

- ‌وقت نزولها وسببه:

- ‌أهداف سورة الكهف:

- ‌المناسبات في سورة الكهف

- ‌أولا: المناسبة بين اسم السورة وموضوعاتها

- ‌ثانيًا: المناسبة بين افتتاحية السورة وخاتمتها

- ‌ثالثًا: المناسبة بين مقاطع السورة وهدفها

- ‌افتتاحية سورة الكهف

- ‌الموضوعات الأساسية في الافتتاحية

- ‌المقطع الأول: قصة الفتية المؤمنين

- ‌مدخل

- ‌بين يدي قصص سورة الكهف:

- ‌العرض الإجمالي لقصة الفتية المؤمنين:

- ‌العرض التحليلي للقصة:

- ‌تعقيب واستطراد وتعليل:

- ‌عظات وعبر:

- ‌المقطع الثاني: مفارقات ومواقف في بواعث العزة

- ‌مدخل

- ‌المناسبة بين المقطع الأول والثاني:

- ‌العرض العام للمقطع الثاني:

- ‌عظات وعبر:

- ‌المقطع الثالث: وقفة تأمل في المال والمصير

- ‌مدخل

- ‌المناسبات بين المقطع الثالث وما قبله:

- ‌العرض الإجمالي للمقطع الثالث:

- ‌الفوائد والعظات والعبر في المقطع الثالث:

- ‌المقطع الرابع: الرحلة في طلب العلم

- ‌مدخل

- ‌المناسبات بين المقطع الرابع وما قبله:

- ‌العرض الإجمالي للمقطع الرابع:

- ‌الانطلاق والبحث عن العبد الصالح:

- ‌العظات والعبر من فقرة الانطلاق والبحث عن العبد الصالح:

- ‌اللقاء والحوار:

- ‌العظات والعبر من فقرة اللقاء والحوار:

- ‌الصحبة الكريمة والأحداث العجيبة

- ‌مدخل

- ‌أولها: الجانب النفسي لموسى عليه السلام

- ‌ثانيها: صدمة المفاجأة وهول الحادث

- ‌ثالثها: مبادئ شريعة التوراة

- ‌الفراق بعد تأويل التصرفات الغريبة:

- ‌العظات والعبر من فقرة الصحبة الكريمة والأحداث العجيبة

- ‌مدخل

- ‌تعقيبات وتعليقات:

- ‌المقطع الخامس: قصة ذي القرنين الرجل الطواف

- ‌مدخل

- ‌المناسبات:

- ‌العرض الإجمالي للمقطع الخامس:

- ‌وقفات لابد منها

- ‌الوقفة الأولى: مع ذي القرنين

- ‌الوقفة الثانية: مع السد وموقعه

- ‌الوقفة الثالثة: مع يأجوج ومأجوج؛ حقيقتهم ومصيرهم

- ‌القيم في قصة ذي القرنين:

- ‌العظات والعبر في المقطع الخامس قصة ذي القرنين:

- ‌خاتمة السورة:

- ‌الخاتمة:

- ‌الفهارس

- ‌ فهرس الآيات الكريمة

- ‌ فهرس الأحاديث والآثار:

- ‌ فهرس الأعلام:

- ‌ فهرس المراجع:

- ‌ محتوى الكتاب:

الفصل: ‌أنواع المناسبات بين كل سورتين متجاورتين:

‌أنواع المناسبات بين كل سورتين متجاورتين:

النوع الأول: المناسبة بين أول السورة وخاتمة وما قبلها

من أنواع الربط بين السور: الرابط بين السور إما أن يكون لفظيًا وظاهرًا بين أول السورة وختام ما قبلها. والظاهر يكون بتكرار اللفظ أو مرادفه ويكون أحيانًا بالمعنى المستفاد أو بعلاقة الإسناد والتعلق بالعامل إلخ. فمثلًا:

1-

في ختام سورة الأحقاف1 {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ} وفي مطلع سورة محمد2 صلى الله عليه وسلم وتسمى سورة القتال أيضًا {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ} فالقوم الفاسقون هم الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله.

2-

وفي نهاية سورة القتال: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} وفي مطلع سورة الفتح: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} ، فكأن هؤلاء القوم الموعود بهم سيتحقق الفتح على أيديهم.

3-

وفي ختام سورة الطور: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ} ، وفي مطلع سورة النجم {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} .

4-

وقوله تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ، فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} في ختام سورة القمر، وفي أول سورة الرحمن قوله تعالى:{الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ، خَلَقَ الْأِنْسَانَ} فالملك المقتدر هو الرحمن جل جلاله.

5-

وفي ختام الواقعة: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} وفي بداية الحديد {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} فكأنه أمر بتسبيح الله سبحانه وتعالى الذي سبحت له كل الكائنات، السماوات والأرض.

6-

وفي نهاية الحديد {وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} وفي بداية المجادلة

1 وهي سورة مكية.

2 وهي سورة مدنية.

ص: 82

{قَد سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} فكان من عظيم فضله سبحانه وتعالى أن لم يترك صغيرة ولا كبيرة إلا شمله الفضل ومنه سماع شكوى المرأة الضعيفة.

7-

وفي ختام سورة المرسلات {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} وبداية سورة النبأ {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ، عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ} فكأنه عين الحديث الذي ينبغي أن يؤمنوا به فهو النبأ العظيم.

8-

وكذلك نهاية سورة الضحى {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} مع بداية سورة الشرح {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَك} ، فانشراح الصدر، ووضع الوزر ورفع الذكر من أعظم النعم.

9-

ونهاية سورة العاديات {إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ} مع بداية القارعة {الْقَارِعَةُ، مَا الْقَارِعَةُ} فكأنه عين اليوم الذي يكشف ما في الصدور وهو يوم القارعة.

10-

وآخر سورة الفيل {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُول} مع بداية سورة قريش {لِإِيلافِ قُرَيْشٍ، إِيلافِهِمْ} حتى قال الأخفش عن هذا الاتصال: اتصالها بها من باب قوله: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} 1 [القصص: 8] أي فعل بأصحاب الفيل ما فعل ليتألف قلب قريش غلى الإيمان.

11-

ومن لطائف سورة الكوثر كالمقابلة للتي قبلها، لأن السابقة قد وصف الله فيها المنافق بأمور أربعة: البخل، وترك الصلاة، والرياء فيها، ومنع الزكاة. فذكر هنا في مقابلة البخل {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَر} أي الكثير، وفي مقابلة ترك الصلاة {فَصَلِّ} أي دُمْ عليها، وفي مقابلة الرياء {لِرَبِّكَ} أي لرضاه لا للناس، وفي مقابله منع الماعون:{وَانْحَر} وأراد به التصدق بلحم الأضاحي، فاعتبر هذه المناسبة العجيبة2.

وليس هذا الترابط بين السورتين المكيتين أو المدنيتين بل نحو ذلك بين السور المكية والمدنية أيضًا.

1 انظر: البرهان للزركشي: 1/ 38.

2 المرجع السابق: 1/ 39.

ص: 83

12-

ففي نهاية سورة التوبة وهي سورة مدنية {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} .

وبعدها سورة يونس وهي سورة مكية بدئت بقوله تعالى: {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ، أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ} . فالحديث عن الرسول في الموضوعين.

النوع الثاني: مناسبة مضمون كل سورة لما قبلها

ومن وجوه المناسبات بين السور: أن ينظر إلى مضمون كل سورة ومضمون ما قبلها وما بعدها:

وقد ذهب الإمام السيوطي إلى أن كل سورة ورد فيها إجمال في شيء ما فإن السورة اللاحقة لها تأتي بتفصيل هذا الإجمال فمن ذلك:

- أن سورة الفاتحة قد جمعت مقاصد القرآن الكريم "فهي كالعنوان للقرآن الكريم وبراعة الاستهلال له".

أخرج البيهقي في "شعب الإيمان" عن الحسن البصري قوله: "إن الله أودع علوم الكتب السابقة في القرآن ثم أودع علوم القرآن في المفصل ثم أودع علوم المفصل في الفاتحة. فمن علم تفسيرها كان كمن علم تفسير جميع الكتب المنزلة"1.

ففي سورة الفاتحة:

1-

دعاء الذين خصوا الله بالعبادة والاستقامة في قولهم {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيم} وصراطه هو كتابه المبين كما قاله ابن مسعود وغيره. فقال الله سبحانه وتعالى في أول سورة البقرة {ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيه} فاتبعوه فإنه الصراط المستقيم.

1 انظر: تناسق الدرر في تناسب السور للسيوطي: 74.

ص: 84

2-

ذكر الله سبحانه وتعالى في سورة الفاتحة الطوائف الثلاث: الذين أنعم الله عليهم، المغضوب عليهم، الضالين، وأشار في سورة البقرة إلى شئون هذه الطوائف الثلاث.

فذكر الذين على هدى من ربهم.

وذكر الذين اشتروا الضلالة بالهدى.

وذكر الذين باءوا بغضب من الله.

وذكر السيوطي وجوهًا أخرى ظهرت له في الربط بين الفاتحة والبقرة وردت في تناسق الدرر، ص78-83، وهي بالاختصار:

1-

الوجه الأول: أن البقرة تفصيل مجمل الفاتحة {الْحَمْدُ لِلَّه} فصلت في مواضع 152، 186، 286 {رَبِّ الْعَالَمِين} فصلت في {اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ} 21، 22 وكذلك 29، وكذلك قصة خلق آدم.

{الرَّحْمَنُ الرَّحِيم} فصلت في {فَتَابَ عَلَيْكُم} 54، 126، 52، 163، 286 {مَالِكِ يَوْمِ الدِّين} {إِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُم} 284.

{إِيَّاكَ نَعْبُد} جميع فروع الشريعة، وردت في البقرة: الطهارة، الحيض، الصلاة، الجماعة، صلاة الخوف، الزكاة، الصوم، الحج.

{إِيَّاكَ نَسْتَعِين} ورد تفصيلها في البقرة شاملًا جميع علم الأخلاق، التوبة، الصبر، الشكر، الرضا، التفويض، المراقبة.

{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} مفصل عن طريق ذكر طريق الأنبياء وقد حاد عنه اليهود والنصارى 142، 145، 213.

{صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} فصلت في ذكر النبيين 136، 137.

2-

الوجه الثاني: الحديث والإجماع على أن تفسير المغضوب عليهم باليهود، والضالين بالنصارى، وذكروا في الفاتحة على حسب ترتيبهم في الزمان فعقب بسورة البقرة وجميع ما ذكر فيها من خطاب أهل الكتاب لليهود خاصة وما وقع فيها من ذكر النصارى لم يقع بذكر الخطاب. ثم عقبت البقرة بسورة

ص: 85

آل عمران، وأكثر ما فيها من خطاب أهل الكتاب النصارى. فإن ثمانين آية من أولها نازلة في وفد نصارى نجران وختمت بقوله تعالى:{وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ} وهي في النجاشي وأصحابه من مؤمني النصارى. وهذا وجه بديع في ترتيب السورتين، كأنه لما ذكر في الفاتحة الفريقين قص في كل سورة مما بعدها حال كل فريق على الترتيب الواقع فيها.

ولهذا كان صدر سورة النساء في ذكر اليهود وآخرها في ذكر النصارى.

3-

الوجه الثالث: أن سورة البقرة أجمع سور القرآن للأحكام والمثال، ولهذا سميت في أثر رواه الدارمي عن خالد بن معدان:"فسطاط القرآن". والفسطاط هو المدينة الجامعة فناسب تقديمها على جميع سوره.

4-

الوجه الرابع: أنها أطول سورة في القرآن، وقد افتتح بالسبع الطوال، فناسب البداءة بها.

5-

الوجه الخامس: أنها أول سورة نزلت بالمدينة فناسب البداءة بها فإن للأولية نوعًا من الأولوية.

6-

الوجه السادس: ختمت سورة الفاتحة بالدعاء للمؤمنين بأن لا يسلك بهم طريق المغضوب عليهم ولا الضالين إجمالًا. ختمت سورة البقرة بالدعاء بأن لا يسلك بهم طريقهم في المؤاخذة بالخطأ والنسيان وحمل الإصر وما لا طاقة لهم به تفصيلًا. وتضمن آخرها أيضًا الإشارة إلى طريق المغضوب عليهم والضالين بقوله تعالى: {لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} فتآخت السورتان وتشابهتا في المقطع1.

ومن وجوه المناسبة بين البقرة وآل عمران:

قال السيوطي في "تناسق الدرر":

- "فالبقرة بمنزلة إقامة الدليل على الحكم، وآل عمران بمنزلة الجواب عن شبهاب الخصوم، ولهذا ورد فيها كثير من المتشابه لما تمسك به النصارى.

1 تناسق الدرر: 78-83 باختصار.

ص: 86

- فأوجب الحج في آل عمران، وأما في البقرة فذكر أنه مشروع، وأمر بإتمامه بعد الشروع فيه.

- وكان خطاب النصارى في آل عمران أكثر، كما أن خطاب اليهود في البقرة أكثر، لأن التوراة أصل والإنجيل فرع لها. والنبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة دعا اليهود وجاهدهم وكان جهاده للنصارى في آخر الأمر.

كما كان دعاؤه لأهل الشرك قبل أهل الكتاب. ولهذا كانت السور المكية فيها الدين الذي اتفق عليه الأنبياء. فخوطب به جميع الناس. والسور المدنية فيها خطاب من أقر بالأنبياء من أهل الكتاب والمؤمنين فخوطبوا يا أهل الكتاب

يا بني إسرائيل

يا أيها الذين آمنوا

1. ا. هـ. وقال في موضع آخر: قد ظهر لي بحمد الله وجوه من المناسبات:

أحدها: مراعاة القاعدة التي قررتها من شرح كل سورة لإجمال ما في السورة قبلها. وذلك هنا في عدة موضاع، منها:

1-

افتتحت البقرة بوصف الكتاب بأنه لا ريب فيه، وفي آل عمران:{نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} وذلك بسط وإطناب لنفي الريب.

2-

أنه ذكر في البقرة إنزال الكتاب مجملًا، وقسمه هنا إلى آيات محكمات ومتشابهات.

3-

أنه ذكر في البقرة {وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِك} وفي آل عمران {وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ، مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ} وصرح بذكر الإنجيل هنا لأن السورة خطاب للنصارى، ولم يقع التصريح به في سورة البقرة بطولها، وإنما صرح في البقرة بذكر التوراة خاصة لأنها خطاب لليهود.

4-

ذكر القتال في البقرة مجملًا بقوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّه} [190-194] وقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَال} [216] وفصلت في آل عمران قصة أحد بكمالها.

1 تناسق الدرر: 76.

ص: 87

5-

أنه أوجز في البقرة ذكر المقتولين في سبيل الله بقوله: {أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُون} [154] وزاد هنا {عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ} [آل عمران: 170] .

6-

وفي البقرة {وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاء} [247] وفي آل عمران {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ} [26] .

7-

في البقرة في أهل الكتاب {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ} [83] فأجمل القليل وفصله في آل عمران {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} [113] .

8-

في البقرة ذكر تفضيل هذه الأمة على سائر الأمم إبهامًا {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [143] وأتى في آل عمران بتفضيل هذه الأمة صراحة {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ} فكنتم أصرح في قوله من {جَعَلْنَاكُم} ثم زاد وجه الخيرية بقوله: {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوف} [110] .

الوجه الثاني: أن بين سورة البقرة وسورة آل عمران اتحادًا وتلاحمًا متأكدًا:

فذكر في سورة البقرة خلق الناس وذكر هنا تصويرهم في الأرحام.

وذكر في البقرة مبدأ خلق آدم وذكر في آل عمران مبدأ خلق أولاده.

وفي البقرة افتتح بقصة آدم حيث خلقه من غير أب ولا أم، وذكر في آل عمران نظيره من غير أب وهو عيسى عليه السلام.

وفي البقرة لما كان الخطاب لليهود، وقد قالوا في مريم عليها السلام ما قالوا وأنكروا وجود وليد بدون أب، فوتحوا بقصة آدم لتشبه في أذهانهم فلا تأتي قصة عيسى إلا وقد ذكر عندهم ما يشبهها من جنسها.

ولأن قصة عيسى قيست على قصة آدم في قوله {كَمَثَلِ آدَم} [59] والمقيس عليه لا بد وأن يكون معلومًا لتتم الحجة بالقياس. فكانت القصة والسورة جديرة بالتقدم.

ص: 88

النوع الثالث:

- ويقول أمر آخر استقرأته وهو: أنه إذا وردت سورتان بينهما تلازم واتحاد فإن السورة الثانية تكون خاتمتها مناسبة لفاتحة الأولى للدلالة على الاتحاد.

وفي السورة المستقلة عما بعدها يكون آخر السورة نفسها مناسبًا لأولها.

وآخر آل عمران مناسب لأول البقرة، فإنها افتتحت -أي البقرة- بذكر المتقين وأنهم المفلحون، وختمت آل عمران بقوله {وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [200] .

- وقد ورد أنه لما نزلت {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} [البقرة: 245] قال اليهود: يا محمد افتقر ربك. فسأل القرض عباده. فنزل قوله تعالى في آل عمران {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ} 1 [181] .

فذاك أيضًا من تلازم السورتين.

- وفي البقرة ورد دعاء إبراهيم عليه السلام {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ} [129] .

ووردت الإجابة في آل عمران {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [آل عمران: 164] ، وذاك أيضًا من تلازم السورتين2.

هذه جملة مما ذكره السيوطي في المناسبات والتلازم بين سورتي البقرة وآل عمران.

وهذه الاستقراءات جاءت من غير نسق معين، ولم ترصد باستقراء من زاوية معينة فجاءت منثورة من غير أن ينتظمها منهج معين.

1 أخرجه ابن أبي حاتم. انظر: الدرر المنثور للسيوطي: 2/ 397.

2 تناسق الدرر: 83-88 باختصار.

ص: 89

ومع كل ذلك فإننا نلحظ وجود مناسبات عدة بين السورتين الكريمتين، ولم يكن اقتران رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما في تسميتهما بـ"الزهراوين أو الغمامتين1 إلا عن حكمة ووجود علائق تشد إحداهما إلى الأخرى ولو أن بعض الباحثين وضع منهجًا محددًا لدراسة السورتين دراسة موضوعية لأماط اللثام عن كثير من أسرار كتاب الله سبحانه وتعالى.

وهكذا نجد أن علم المناسبات بين الآيات بعضها مع بعض وبين السور يبرز لنا جانبًا من إعجاز القرآن الكريم، وأنه كلام الله المنزل وليس من عند البشر.

فمن المعلوم أن القرآن الكريم نزل مفرقًا منجمًا لبضعة وعشرين عامًا حسب الوقائع المختلفة وفي ظروف متباينة، وإجابة لاستفسارات متنوعة، ثم كان الترتيب المحكم الذي لا نجد فيه آية ينبو بها مكانها من السياق القرآني العتيد.

ولا نجد كلمة يتململ بها موضعها في النظم المحكم. ولقد نجد الآية المدنية في السورة المكية أو الآية تتلو الآية والفاصل في نزولهما يبلغ عدة سنوات فأي عقل بشري يستطيع أن يراعي هذه الدقة وهذا الإحكام في النسق والترتيب والملاءمة بحيث يكون ذلك في الذروة من الفصاحة والبلاغة والانسجام.

{أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} [النساء: 82] .

"إن عقلًا بشريًا مهما أوتي من القوة والحفظ والإحكام لا يستطيع أن يذكر موضع فقرة من كلام سابق مضى عليه سنوات طويلة. فيضعها في مكانها بحيث تلتحم مع سابقاتها ولاحقاتها في اللفظ والمعنى والسياق. ولو أن عقلًا أتقن ذلك في حال واحدة فلن يستطيع أن يحكمه في حالات كثيرة وفي سور كثيرة بحيث لا تشذ حالة واحدة عن قاعدة الإحكام المشاهدة في كتاب الله الحكيم"2.

إن إدراك المناسبات بين مقاطع السورة وافتتاحيتها وخاتمتها وسائر آياتها أمر

1 انظر في تسميتهما: صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين: 2/ 197.

2 من مقدمة المحقق لكتاب "تناسق الدرر".

ص: 90

على جانب كبيرة من الأهمية لمن أراد تفسير السورة تفسيرًا موضوعيًا، فوجوه المناسبات هذه تلقي أضواء كاشفة على محور السورة وهدفها، وبالتالي يحدد الزاوية التي ينطلق منها المفسر في بيان معاني الآيات الكريمة.

لذا كان لزامًا على المفسر الإحاطة بما قاله العلماء في وجوه الربط بين الآيات والمقاطع في السورة. فربما وردت إشارة سريعة في قول بعضهم تفتح آفاقًا واسعة في ذهن الباحث وتحدد له مسار البحث.

هذا وبعد أن أفضنا القول في الدراسة المنهجية للتفسير الموضوعي وحددنا خطوات البحث فيه فلا بد من سوق نماذج لهذا اللون من التفسير.

وقد اخترنا مثالين: أحدهما يتعلق بتناول موضع من خلال القرآن الكريم كله. وثانيهما تناول موضع من خلال سورة واحدة: أو تفسير سورة تفسيرًا موضوعيًا.

فإلى المثالين.

ص: 91