الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وبينما كان الفتية في طريقهم إلى الكهف وهم منهمكون في ما هم عليه من حال وما سيكون عليه العمل والمآل، كانت عناية الله وإرادته تهيئ لهم شيئًا أعظم من ذلك لتكفيهم مؤنة الجهد والمشقة، فما أن وصلوا إلى الكهف حتى ضرب على آذانهم فيه سنين عددًا، وهيأت لهم مكان إقامة تتوافر فيه الشروط الصحية الملائمة من شمس وتهوية وبعد عن القتم، وتوقفت عقارب الزمن بالنسبة لهم داخل كهفهم، إلا أنها بقيت دائرة خارجه، واستمرت عجلة الحياة على مشيئة الله، وكان انتصار الإيمان ودخول الناس في الإسلام، وتغيرت الأحوال، وحل الأمن والأمان مكان الظلم والطغيان، فأذن الله عز وجل بانبعاثهم، لكي يظهر آثار إكرامه للفتية، وليقيم في نفس الوقت الحجة على من زعم أن البعث يوم القيامة بالأرواح لا بالأبدان، فأخرج الله سبحانه وتعالى هؤلاء الفتية وبعثهم من رقادهم، وأعثر عليهم ليكونوا أنموذجًا محسوسًا لقدرة الخالق على الإحياء بعد الموت، فكما حفظ على هؤلاء أجسادهم من البلى وأعاد إليها الروح بعد اندثار الأجيال المتعاقبة، فإنه قادر على أن يجمع شتات الأبدان ورميمها، ويعيد إليها الروح يوم الحساب.
العرض التحليلي للقصة:
- أسلوب عرض قصة أصحاب الكهف: طريقة التلخيص والإجمال أولًا، ثم العرض المفصل آخرًا، وعرض مشاهد من القصة ثم ترك فجوات بين المشاهد تعرف من السياق.
- كما تذكر القصة جوانب أساسية في أبطال القصة، وتعرض عن جوانب أخرى لأنها غير ذات جدوى.
فهم فتية آمنوا، وتمردوا على الظلم والطغيان، وآواهم الكهف، بعد لجوئهم إلى كنف بارئهم ليجعل لهم من أمرهم رشدًا.
- ولقد أهمل الأسلوب القرآني اسم الحاكم الذي خرجوا عليه، وأعلنوا رفضهم لظلمه، فليس بذي شأن، لأن الجبابرة المتألهون والطغاة المتسلطون كثير في كل زمان ومكان، فليست العبرة بالأشخاص وإنما بالفعل السيئ الذي يدفعهم إلى ذلك والأثر الذي يتركونه بين الناس.
- ولم تتعرض الآيات الكريمة إلى الطبقة التي ينتمى إليها الفتية، وكيف اجتمعوا على هذه الفكرة.
- وكيف تم خروجهم عن أي طريق وعلى أي حال، وكم كان عددهم وما بال الكلب الذي رافقهم.
- وعند السرد التفصيلي للقصة نجده ينصب على جوانب العقيدة والمعاني الأساسية وتهمل ما سواها.
- فهم فتية جمعهم الإيمان بالله سبحانه وتعالى: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ} .
- وتتداركهم رحمة الله سبحانه وتعالى وعنايته، {وَزِدْنَاهُمْ هُدى} .
- ولأنهم فتية ليست لهم تلك التجارب العريقة في مواجهة الشدائد يتداركهم لطف الله {وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِم} .
- فنتج من هذا الربط على القلوب الثبات والرسوخ والاطمئنان والعزيمة الصادقة والاعتزاز بالإيمان {إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا} .
- ثم الالتفات إلى ما حولهم وهم ينظرون بنور البصيرة إلى هذا الظلام المخيم على القوم، وهذا الجهل والغي الذي هم فيه سادرون، فيستنكرون ذلك عليهم، لماذا لا يحتكمون إلى العقل الذي وهبهم إياه خالقهم، ولماذا لا يبحثون عن دليل على ما هم فيه {هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} .
ويأتي الفاصل في العرض، وكأن الستار قد أسدل على المشهد الأول وقد توجه الفتية إلى الكهف.
ثم يفتح الستار على المشهد الثاني، وقد ضرب على آذان الفتية في الكهف1، وتوقفت عوامل الزمن بالنسبة لهم، إلا أن دولات الكون لم يسكن وقد
1 الكهف: النقب المتسع في الجبل، فإن لم يكن واسعًا فهو غار.
سخر جانب من آله الكون لصيانة الفتية وكهفهم فالشمس قد شغلت بهم عن الدنيا كلها وكأن مدار فلكها حول هذا الكهف وحده، فكأنها حانية عليهم ترعاهم في الصباح والمساء {إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ} .
أما موقفهم، {وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْه} فمتسع من داخل الكهف، وفي ذلك عون على حفظ أجسادهم على حالة صحية بعيدة عن العفونة والرطوبة. إنها آيات ربانية عظيمة تحيط بهؤلاء الفتية الكرام على الله وتهيئ لهم الأسباب وتسخر لهم السنن الكونية {ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا} .
ولقد توجت هذه الآيات العظيمة بآية أعظم وهي إضفاء الحماية المعنوية عليهم بإلقاء الرعب في قلب كل من اطلع عليهم أو حاول الاقتراب منهم {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا} .
- ولم تحدثنا الآيات الكريمة عن الوقت الذي قضوه في الكهف قبل نومهم.
- ولا عن تصرفاتهم التي قاموا بها، والتدابير التي فكروا فيها، هل يعودون إلى قومهم ليبينوا لهم الطريق، أو يضربوا في الأرض فرارًا بدينهم.
- وهل كان معهم كتاب يدرسون فيه ويتعلمون أمور دينهم، فقد ذهب بعض المفسرين إلى أن المقصود بالرقيم: الكتاب الذي كانوا يحملونه معهم للمدارسة {كِتَابٌ مَرْقُوم} ، وقال آخرون: إنه اللوح الذي وضع على بابهم فيما بعد.
ولا بد أن طعامهم الذي حملوه معهم قد نفذ قبل نومهم، لذا لم يستغربوا أن لم يكن معهم زاد.
وفجأة تدب الحركة في المشهد الثالث.
{وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا
أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ} .
إن أسلوب الحوار بين بعضهم، واختيار الكلمات المعبرة تلقي في النفس الشعور بالتثاقل من أثر النوم الطويل {كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ} .
إن تكرار حرف الثاء في هذا المشهد الذي يصف استيقاظهم لها إيحاءات مشعرة بهذا التثاقل "بعثناهم، كم لبثتم، لبثنا، بما لبثتم، فابعثوا" ثم عدم الوقوف طويلًا عند البحث عن المدة التي استغرق نومهم فيها، شأن المستيقظ من نوم ثقيل، لا يستطيع تركيز فكرة على شيء معين، وإنما يصرف ذهنه إلى الشيء الملح الذي يلاحقه وهو الشعور بالجوع والحاجة إلى تناول شيء من الطعام، ولكن لا زاد معهم، فليدبروا أمر نزول أحدهم إلى المدينة لشراء الطعام.
وبعد التوصية بأخذ الحيطة والحذر لئلا ينكشف أمرهم، ويقعوا في قبضة زبانية الطاغية {وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا، إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا} ، يسدل الستار على المشهد الثالث، والمشاهدون يمسكون أنفاسهم وهم ينتظرون المفاجأة في طريقة التعرف على الفتى الذي يريد دخول المدينة على حين غفلة من أهلها.
ويترك للسامع والقارئ أن يتخيل الصور والأشكال التي يمكن أن يتعرف بها أهل المدينة المؤمنين، ومدى الدهشة من الفتى وزملائه من هذا الانقلاب الجذري الهائل، فسبحان محول الأحوال، لقد زالت دولة الظلم والطغيان وولت جحافل الكفر والضلال، وأشرق على المدينة نور الإيمان.
أما الديار فإنها كديارهم
…
وأرى رجال الحي غير رجاله
فالناس غير الناس، والحال غير الحال، فالمؤمنون آمنون على عقائدهم ومعايشهم والرغبة في الخير سائدة بينهم.
ويمر المشهد الرابع كلمح البصر سرعة ووجازة، قد تم التعرف عليهم وتم العثور على بقيتهم، وتتداركهم رحمة الله سبحانه وتعالى مرة أخرى فتلحقهم
بالرفيق الأعلى، فإن بقاءهم على الأرض لم يعد ذا جدوى، والناس غير الذين كانوا يعرفونهم، وقد انقطعت الوشائج وتغيرت العادات والأساليب المعيشية فهم في أعين الناس أشبه بالذكرى الحية منهم بالأشخاص الواقعية. {وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا} .
لقد تحققت العظة والعبرة من خروجهم بعد رقودهم فكانوا مثلًا محسوسًا على البعث بعد الموت.
ثم يعرض المشهد الخامس والأخير، والناس يتناقشون في أمرين يتعلق بهم: عددهم، والمدة التي لبثوا في الكهف.
إن هذه الفجوات من خلال أحداث القصة مقصودة، وهي تضفي جو المشاركة من السامع وتطلعًا إلى التفاصيل.
ولو ذكرت الأحداث الجزئية لتبلد حسه ولتلقي الأحداث بخمول ذهن وبروده مشاعر.
وتنتهي القصة في المشهد الخامس بعرض صورة المتجادلين، ومقولة الحق في ذلك وفي المدة التي قضوها في الكهف.
وبالتوجيه الرباني بأن يلتجئ العباد إلى فاطر السماوات والأرض فكما التجأ أهل الكهف إليه فآواهم وهيأ لهم من أمرهم رشدًا وخلد ذكراهم بين الاتقياء الصالحين.
فكذلك يا محمد اتل ما أوحي إليك من كتاب ربك، واتكل على ربك فإنه ملجؤك وملاذك ولن تجد من دونه ملتحدًا.