الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الاستفسار والمعارضة لما يرى أو يسمع خلال مصاحبته للرجل الصالح؟! لا يقال ذلك، لأن مخالفة ظاهر الشريعة غير داخلة في الوعد، فلو تم العقد والالتزام بين طرفين على اشتراط شرط مصادم لنص من الكتاب والسنة أو لحكم شرعي متفق عليه كان هذا الشرط باطلًا، ومن الفقهاء من يرى فساد العقد، ومنهم من يرى سريان العقد وبطلان الشرط. كما في حادثة بريرة واشتراك بائعيها أن يكون لهم الولاء، فقد قال صلى الله عليه وسلم في شأنها:"من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فليس له وإن شرط مائة مرة، شرط الله أحق وأوثق" 1، أي لا تقره الشريعة.
هذا في شريعتنا وما يدل عليه ظاهر الأمر أن ذلك كان مقررًا في شريعة موسى عليه السلام، يقول البقاعي:"على أنه -أي موسى عليه السلام لو لم ينس لم يترك الإنكار، كما فعل عند قتل الغلام، لأن مثل ذلك غير داخل في الوعد لأن المستثنى شرعًا كالمستثنى وضعًا"2، ويقول في موضع آخر من كتابه:"فكل منهما -موسى والخضر عليهما السلام صادق فيما قال موف بحسب ما عنده، أما موسى عليه السلام فلأنه ما خطر له قط أن يعاهد على أن لا ينهي عما يعتقده منكرًا، وأما الخضر فإنه عقد على ما في نفس الأمر لأنه لا يقدم على منكر"3.
1 رواه البخاري في كتاب المكاتب 3/ 127.
2 انظر نظم الدرر 12/ 111.
3 المرجع السابق 12/ 112.
الفراق بعد تأويل التصرفات الغريبة:
لقد حان وقت الفراق، كما طلب موسى عليه السلام عند اعتراضه على قتل الغلام، وعند شعوره بأن لا جدوى من الاستمرار، فلن يتمكن من هذا العلم إلا ما يطلعه عليه الرجل الصالح -كما تقدم- ولكنه تحقق من مجالات العلم الذي لا يحيط به أحد غير الله عز وجل، وأن الأمور جارية في هذا الكون بقتضى الحكمة الإلهية وحسب موازين ربانية منضبطة.
ولكيلا يتركه العبد الصالح في حيرة من أمره، وكما وعده في بداية الأمر أنه
سيحدث له ذكرًا لهذه التصرفات، بدأ بوفاء وعده، وذكر الأسباب التي دفعته إليها:{أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} .
إن الأمر في غاية الوضوح عند المطلع على الأسباب الحقيقية الخفية.
إن هذا التصرف -الذي كان ظاهره إلحاق الضرر بأهل السفنية- كان في الحقيقة لصالحهم، لقد كانت سفينتهم معرضة للحجز والغصب، ولو تركت سليمة لخسروها تمامًا وفاتتهم بالكلية، فإلحاق خرق بها وهو ضرر محتمل في سبيل دفع ضرر أكبر شيء تقول به بدهيات العقول، وتستسيغه جميع النفوس بل يكون هذا التصرف من أعظم الإحسان إلى أصحاب السفينة، مقابل إحسانهم بحملنا من غير أجر.
ولم ينتظر الخضر من موسى جوابًا وإقرارًا على ما يقول، فإن الأمر من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى تردد أو جدال.
"لقد كان الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرًا" 1، وكان الأبوان المؤمنان الصالحان متعلقين بهذا الغلام تعلقًا شديدًا، إنها عاطفة الأبوة، وحقيقة حال الغلام غير ظاهرة لهما، فلو استمر الغلام بينهما على قيد الحياة لأوردهما المهالك، فلا يملكان رده عن غيه وكفره ولا يتحكمان في قلبيهما لهجرة ومقاطعته.
إن حزن ساعات وأيام خير لهما من نار جهنم، والعوض الذي وعدا به كفيل أن يسدل الستار على ذكرى هذا الغلام التعيس الشقي.
ومن ينظر بنور الله وببصيرة المؤمن يتلمس جوانب الخيرية في كل ما يصيبه
1 انظر صحيح مسلم كتاب الفضائل 7/ 107.
في دنياه، وفي توجيهات المصطفى صلى الله عليه وسلم "عجبت للمؤمن إن الله لم يقض قضاء إلا كان خيرًا له"1.
ولا يعترض معترض: إن الغلام لا يطلق إلا على من كان دون سن البلوغ، فكيف يحكم بكفره؟ وقد ذهب جمهور أهل السنة والجماعة إلى أن الأطفال دون البلوغ، لا يوصفون بالكفر والإيمان حقيقة، وأنهم إذا ماتوا دون البلوغ كانوا من أهل الجنة، على خلاف في التفاصيل الفرعية بينهم؟!
أقول إن قول أهل السنة والجماعة تظاهره النصوص الكثيرة، وهو حكم عام وقاعدة أساسية، ولكن ما استثناه الدليل من القاعدة العامة يؤخذ به أيضًا، وقد ورد الدليل الصحيح أن الغلام قد طبع يوم طبع كافرًا، ولما أوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن، وأن كل مولود بعد ذلك، أو كان موجودًا ولكنه لم يبلغ الحلم هو كافر، عمم الدعاء عليهم، وحكم بكفرهم جميعًا.
{وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا، إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا} [نوح: 26، 27] . إن النص يقطع دابر الاجتهاد والاختلاف، فلا اجتهاد في مورد النص.
إذن فوجه المصلحة في الحادثة واضحة، وكان هذا القتل للغلام أكبر تكريم للأبوين الصالحين، وكان في نفس الوقت رحمة بهما وشفقة على حالهما، لأنهما لو أطلعا على حقيقة حال الغلام، فلربما كلفا بقتله بأيديهما، وفي ذلك من الإصر والشدة ما فيه.
لقد كان الجدار لغلامين صغيرين فقدا حنان الأب ورعايته منذ الصغر، وكانا وديعتين لأب صالح استودعهما الله سبحانه وتعالى الذي لا تضيع ودائعه، وكان تحت الجدار كنز لهما، وكان الجدار آيلًا للسقوط، ولو ترك يسقط وحال الغلامين
1 انظر مسند الإمام أحمد 3/ 117.
على ما تقدم لضاعت ثروتهما، وبالتالي ضاع مستقبلهما وضاعت الوديعة، فكلف الله سبحانه وتعالى الخضر عليه السلام بالقيام برعاية مصالحهما في هذا الجانب أليس في هذا العمل إحسان ووضع للمعروف في موضعه؟ بل إهمال مصالح الغلامين وتعريضها للخطر يزعزع ثقة الصالحين الملتجئين إلى الله عز وجل بوعد ربهم.
{وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} .
بهذا التنبيه وهذه الإشارة يودع الرجل الصالح موسى عليه السلام.
لقد كانت هذه التصرفات تجاه هذه الوقائع أمرًا من الله تعالى للعبد الصالح ولم يكن تصرفًا ناشئًا عن اجتهاده.
وكأن هذه الأحداث قد اختيرت بالذات لمشابهتها لأحداث شبيهة وقعت لموسى عليه السلام، وكانت له مواقف حيالها من غير أن يتلقى في ذلك أمرًا بالتصرف.
- لقد كان لموسى واقعة مع التابوت واليم، وكانت المخاطر تحيط به من كل جانب، ولكن المخاطر كانت سببًا في نجاته من بطش فرعون وجنوده فالذي نجى التابوت من الغرق وألقى به إلى الساحل هو الذي أنقذ سفينة المساكين من استيلاء الملك الظالم عليها.
- ولقد كان لموسى تجربة مع قتل نفس من غير أن يوحى إليه في ذلك، فلما ندم على فعلته تولاه ربه بواسع مغفرته {فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ، قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ} [القصص: 15-17] .
- وتقديم المعروف من غير عوض قد فعله موسى عليه السلام مع ابنتي شعيب عليه السلام ولم يطلب منهما أجرًا {فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص: 24] .
لقد أزاح الخضر عليه السلام ثقل التساؤلات عن قلب موسى عليه السلام بذكر حقيقة الدوافع إلى هذه التصرفات.
ويختفي الخضر عليه السلام ويسدل الستار على القصة، وفي النفس من عمق التأمل في الحقائق الكامنة في الغيب وراء الأحداث المشاهدة الشيء الكثير.
ويسرح الخيال مع وقعات أقدام موسى عليه السلام في طريق العودة إلى بني إسرائيل وقد عاد من رحلته بعلم نفيس، وكنز وفير من الحقائق اللدنية ليتم مسيرة الكفاح والجهاد مع بني إسرائيل.