الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثانيًا: أدلة العناية
من الأدلة التي يسوقها القرآن الكريم على وجدانية الله سبحانه وتعالى ما يطلق عليه العلماء أدلة العناية، ويقصدون بالعناية: وجود النظام الدقيقي في شئون الكون، والسنن الموضوعة فيه لتحقيق أمرين أساسين فيه:
- استمراره وفق الحالة التي خلقها الله سبحانه وتعالى.
- أداؤه الدور المنوط به والوظائف التي يؤديها على الوجه الذي سخره الله سبحانه وتعالى له.
فإن المعارف البشرية كلما ازدادت تقدمًا وإحاطة ودقة تتعرف على أسرار هذا الكون ونواميسه، وتتكشف أمامها دقة التقدير والصنع والنظام المحكم الذي تجري شئون الكون بموجبه.
والإنسان يدرك أن النظام دليل على وجود منظم، ولا يمكن أن يقع صدفة أو اتفاقًا.
كما يعلم في قرارة نفسه أن هذا النظام ليس من صنع أحد من البشر فالبشر أنفسهم يخضعون لهذه الأنظمة ولا يمكنهم الخروج عليها.
كما أن الآلهة المزعومة أعجز من أن ترعى شئون نفسها وتضع لحياتها نظامًا مستقلًا عن نظام الكون العام. وبالتالي فهي أعجز عن تدبير شئون عبادها.
إن الملايين من الأمثلة يمكن أن تساق على وجود هذه الرعاية والعناية بالمخلوقات فلو انعدمت هذه الرعاية لحظة واحدة لكان مصير الكون الفناء والعدم، ولاختلت التوازنات في كل المجالات.
إن العناية الربانية تحوطه وترعاه {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ} [البقرة: 255] .
عرض أدلة العناية:
وأسلوب القرآن الكريم في عرض أدلة العناية يتشابه مع أسلوبه في عرض أدلة الخلق والإبداع وكثيرًا ما تقترن أدلة العناية بأدلة الخلق والإبداع1.
فآيات كثيرة تشير إلى العناية الربانية بمخلوقاته بشكل عام من غير تفصيل لأوجه العناية ومن غير تعيين للمجالات التي تشملها العناية الإلهية.
ويرد هذا التعميم مرفقًا ببعض الألفاظ مثل "قدر، جعل، سخر، صنع".
إن التقدير والإتقان والنظام في هذا الكون شامل لجميع مخلوقات الله والقدرة المنظمة لشئونه هي قدرة الله الواحد الأحد، فنظام الكون كله يدل على الإله الواحد {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} [النمل: 88] .
وتحدد آيات كثيرة مجالات عامة في الكون، والإنسان، والحيوان والنبات للفت النظر إلى المجالات التي تشملها العناية الإلهية. فخذ مثلًا قوله تعالى في سورة إبراهيم:
ومن المجالات الأساسية التي لها تعلق بالحياة اليومية للبشر ما ورد في آيات سورة النحل:
{وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا
1 وتعتبر سورة النحل من أجمع السور لذكر النعم التي تصلح أن تكون أدلة على العناية الربانية بمخلوقاته.
تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ، وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} [النحل: 80-81] .
وتفصل كثير من الآيات أمورًا دقيقية تبرز فيها عناية الخالق سبحانه وتعالى ولطفه ورحمته وحكمته في هذه الجزئيات الدقيقة.
ففي مجال الكون الفسيح:
النجوم:
قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [الأنعام: 97] .
ووضع النجوم ومساراتها وأنظمة عملها في الكون بهذا الشكل الدقيق المدهش، كل ذلك دليل على وجود الخالق ووحدانيته وحكمته وقدرته.
ولقد أقسم الباري سبحانه وتعالى بمواقعها فقال: {فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ، وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} [الواقعة: 75-76] .
ونعلم أن بعضها يهتدي بمكانها على الجهة أو بطلوعها على دخول موسم معين من فصول السنة، فإن الأمر أعقد من ذلك بكثير بالنسبة لأهل الاختصاص يقول بعضهم: "فإذا رفعنا أعينا إلى السماء فلا بد وأن يستولي عليها العجب من كثرة ما تشاهده فيها من النجوم والكواكب السابحة فيها، والتي تتبع نظامًا دقيقًا، لا تحيد عنه قيد أنملة مهما مرت بها الليالي وتعاقبت عليها الفصول والأعوام والقرون، إنها تدور في أفلاكها بنظام يمكننا من التنبوء بما يحدث من الكسوف والخسوف قبل وقوعه بقرون، فهل يظن أحد بعد ذلك أن هذه الكواكب والنجوم قد لا تكون أكثر من تجمعات عشواية من المادة تتخبط على غير هدى في الفضاء وإذا لم يكن لها نظام ثابت ولم تكن تتبع قوانين معينة فهل كان من الممكن أن يثق الإنسان بها ويهتدي بهديها في خضم البحار الواسعة وفي متاهات الطرق الجوية التي تتبعها الطائرات، قد لا يسلم بعض الناس بوجود الله سبحانه وبقدرته ومع ذلك فإنهم يسلمون بأن هذه الأجرام السماوية تخضع لقوانين خاصة وتتبع نظامًا معينًا، وأنها ليست حرة تتخبط في السماء كيف تشاء.
الحق أنه من قطرة الماء التي رأيناها تحت المجهر إلى تلك النجوم التي شاهدناها خلال المنظار المكبر، لا يسع الإنسان إلا أن يمجد ذلك النظام الرائع، وتلك الدقة البالغة، والقوانين التي تعبر عن تماثل السلوك وتجانسه"1.
الخلق والتقدير:
{وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان: 2] .
قدر حجمه وشكله، وقد وظيفته وعمله، وقدر زمانه ومكانه، وقدر تناسقه مع غيره من أفراد هذا الوجود الكبير.
إن تركيب هذا الكون وتركيب كل شيء فيه لمما يدعو إلى الدهشة حقًا، وينفي فكرة المصادفة نفيًا باتًا، ويظهر التقدير الدقيق الذي يعجز البشر عن تتبع مظاهره وفي جانب واحد من جوانب هذا الكون الكبير. وكلما تقدم العلم البشري
1 الله يتجلى في عصر العلم: 141، 142.
فكشف عن بعض جوانب التناسق العجيب في قوانين الكون ونسبه ومفرداته اتسع تصور البشر لمعنى ذلك النص القرآني الهائل: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} يقول أ. كريس موريسون رئيس أكاديمية العلوم بنيويورك في كتابه بعنوان "الإنسان لا يقوم وحده": "ومما يدعو إلى الدهشة أن يكون تنظيم الطبيعة على هذا الشكل، بالغًا هذه الدقة الفائقة، لأنه لو كانت قشرة الأرض أسمك مما هي بمقدار بضعة أقدام، لامتص ثاني أكسيد الكربون الأكسجين، ولما أمكن وجود حياة البنات.
ولو كان الهواء أرفع كثيرًا مما هو فإن بعض الشهب التي تحترق الآن بالملايين في الهواء الخارجي كانت تضرب جميع أجزاء الكرة الأرضية، وهي تسير بسرعة تتراوح بين ستة أميال وأربعين ميلًا في الثانية، وكان في إمكانها أن تشعل كل شيء قابل للاحتراق، ولو كانت تسير ببطء رصاصة البندقية لارتطمت كلها بالأرض، ولكانت العاقبة مورعة، وأما الإنسان فإن اصطدامه بشهاب ضئيل يسير بسرعة تفوق سرعة الرصاصة تسعين مرة كان يمزقه إربًا من مجرد حرارة مروره.
إن الهواء سميك بالقدر اللازم بالضبط لمرور الأشعة ذات التأثير الكيمائي التي يحتاج إليها الزرع والتي تقتل الجراثيم وتنتج الفيتامينات، دون أن تضر بالإنسان إلا إذا عرض نفسه لها مدة أطول من اللازم، وعلى الرغم من الانبعاثات الغازية من الأرض طول الدهر -ومعظمها سام- فإن الهواء باق دون تلويث في الواقع، ودون تغيير في نسبته المتوازنة اللازمة لوجود الإنسان. وعجلة الموازنة العظيمة هي تلك الكتلة الفسيحة من الماء -أي المحيط- الذي استمدت منه الحياة والغذاء والمطر والمناخ المعتدل والنباتات وأخيرًا الإنسان نفسه"1.
وهكذا ينكشف للعلم البشري يومًا بعد يوم، شيء من تقدير الله العجيب في الخلق، وتدبيره الدقيق في الكون، ويدرك البشر شيئًا من مدلولات قوله في الفرقان الذي نزله على عبده:{وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} ومع هذا فإن أولئك المشركين لم يدركوا شيئًا من هذا كله. {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا
1 الإنسان لا يقوم وحده، وقد ترجم بعنوان "العلم يدعو إلى الإيمان":66.
وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا} [الفرقان: 3] .
وهكذا فإن آلهتهم مجردة من كل حقائق الألوهية، وهي مخلوقة يصنعها عبادها إن كانت أصنامًا أو أوثانًا ويخلقهم الله بمعنى يوجدهم -إن كانوا ملائكة أو جنًا أو بشرًا أو شجرًا أو حجرًا ولا يملكون لأنفسهم فضلًا عن أن يملكوا لعبادهم "ضرًا ولا نفعًا" والذي لا يملك لنفسه النفع قد يسهل عليه الضر، ولكن حتى هذا لا يملكونه- ومن ثم يقدم في التعبير بوصفه أيسر شيء كان يملكه أحد لنفسه، ثم يرتقي إلى الخصائص التي لا يقدر عليها إلا الله {وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا} فلا إماتة حي، ولا إنشاء حياة ولا إعادتها داخل في مقدورهم، فماذا بعد ذلك من خصائص الألوهية، وما شبهة أولئك المشركين في اتخاذهم آلهة؟ ألا إنه الانحراف المطلق.
ومن الآيات الجامعة ذات الدلالة على العناية الربانية بخلقه وتدبير أمرهم.
قوله تعالى:
يقول سيد قطب: "والآية الكونية هنا تتجاوز الآفاق إلى الأنفس، فهذه الأرض المحدودة للنظر والخطو وهذه الرواسي الملقاة على الأرض، تصاحبها الإشارة إلى النبت الموزون، ومنه إلى المعاش التي جعلها الله للناس في هذه الأرض، وهي الأرزاق المؤهلة للعيش والحياة فيها وهي كثيرة شتى يجملها السياق هنا ويبهمها لتلقي ظل الفخامة.
هذه الأرزاق -ككل شيء- مقدرة في علم الله تابعة لأمره ومشيئته، يصرفها حيث يشاء وكما يريد في الوقت الذي يريده حسب سنته التي ارتضاها، وأجراها في الناس والأرزاق.
فما من مخلوق يقدر على شيء أو يملك شيئًا إنما خزائن كل شيء -مصادره
وموارده- عند الله في علاه ينزله على الخلق في عوالمهم بقدر معلوم فليس من شيء ينزل جزافًا وليس من شيء يتم اعتباطًا ومدلول هذا النص المحكم يتجلى بوضوح أكثر كلما تقدم الإنسان في المعرفة، وكلما اهتدى إلى أسرار تركيب هذا الكون وتكوينه، ومدلول خزائنه يتجلى في صورة أقرب بعدما كشف الإنسان طبيعة العناصر التي يتألف منها الكون المادي وطبيعة تركيبها وتحليلها -إلى حد ما- وعرف مثلًا أن خزائن الماء الأساسية هي ذرات الأيدروجين والأكسجين، وأن من خزائن الرزق المتمثل في النبات الأخضر كله ذلك الآزوت الذي في الهواء، وذلك الكربون وذلك الأكسجين المركب من ثاني أكسيد الكربون، وتلك الأشعة التي ترسل بها الشمس أيضًا، ومثل هذا كثير يوضح دلالة خزائن الله التي توصل الإنسان إلى معرفة شيء منها. وهو شيء على كثرته قليل قليل"1.
ولعل من أعظم الأشياء التي أنزلها الله سبحانه وتعالى من خزائنه في عصرنا الحاضر، وتلعب دورًا أساسيًا في حياتنا اليوم أمور الطاقة المختلفة: الكهرباء، الأشعة السينية، الطاقة النووية، أشعة الليزر.
وخزائن الله سبحانه وتعالى ملأى بالأسرر لا ينقصها عطاء الليل والنهار {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ} . فهل يوجد عاقل يحترم عقله ويقول إن الكون وجد صدفة بهذا النظام وتشكلت نواميسه وسننه اتفاقًا؟ قال بعضهم عن القول إن نظام الكون وجد صدفة: "إن القول بأن الحياة وجدت نتيجة "حادث اتفاقي" شبيه في مغزاه بأن نتوقع إعداد معجم ضخم نتيجة انفجار صدفي يقع في مطبعة2.
يقول كريسي موريسون:
لو تناولت عشرة دراهم، وكتبت عليها الأعداد من 1 إلى 10 ثم رميتها في جيبك وخلطتها جيدًا ثم حاولت أن تخرجها من الواحد إلى العاشر بالترتيب العددي، بحيث تلقي كل درهم في جيبك بعد تناوله مرة أخرى، فإمكان أن تتناول
1 في ظلال القرآن: 4/ 2134.
2 الإسلام يتحدى لوحيد الدين خان: 99.
الدرهم المكتوب عليه "2" في المحاولة الولى هو واحد على عشرة، وإمكان أن تتناول الدرهمين "ا، 2" بالترتيب واحد في المائة، وإمكان أن تخرج "1، 2، 3، 4" بالترتيب هو واحد في العشرة آلاف. حتى إن الإمكان في أن تنجح في تناول الدراهم من 1 إلى 10 بالترتيب واحد في العشرة بلايين من المحاولات.
إن الهدف من إثارة مسألة بسيطة كهذه، ليس إلا أن نوضح كيف تنعقد "الوقائع" بنسبة كبيرة جدًا في مقابل الصدفة.
نقل الشيخ جمال الدين القاسمي عن الحكيم بن رشد في مناهج الأدلة قوله:
"الذي قصده الشرع في معرفة العالم هو أنه مصنوع لله تبارك وتعالى ومخترع له، وأنه لم يوجد عن الاتفاق وعن نفسه، فالطريق التي سلك الشرع بالناس في تقرير هذا الأصل هي من الطرق البسيطة المعترف بها عند الجميع، وذلك أنه إذا تؤملت الآيات التي تضمنت هذا المعنى وجدت أن أقرب تلك الطرق طريق العناية، وهي إحدى الطرق الدالة على وجود الخالق تعالى. وذلك أنه كما أن الإنسان إذا نظر إلى شيء محسوس، فرآه قد وضع بشكل ما وقدر ما، ووضع ما موافق في جميع ذلك للمنفعة الموجودة في ذلك الشيء المحسوس والغاية المطلوبة، حتى يعترف أنه لو وجد بغير ذلك الشكل، أو بغير ذلك الوضع، أو بغير ذلك القدر، لم توجد فيه تلك المنفعة، علم على القطع، أن لذلك الشيء صانعًا صنعه ولذلك وافقه شكله ووضعه وقدره تلك المنفعة، وأنه ليس يمكن أن تكون موافقة اجتماع تلك الأشياء لوجود المنفعة بالاتفاق". كذلك الأمر في العالم كله فإنه إذا نظر الإنسان إلى ما فيه من الشمس والقمر، وسائر الكواكب التي هي سبب الأزمنة الأربعة وسبب الليل والنهار، وسبب الأمطار والمياه والرياح وسبب عمارة أجزاء الأرض؛ ووجود الناس وسائر الكائنات من الحيوانات والنبات وكون الأرض موافقة لمسكن الناس فيها وسائر الحيوانات البرية1، وكذلك الماء موافقًا للحيوانات
1 نقلت الصحف أن لباس رائد الفضاء الواحد يكلف مائة ألف دولار.
المائية والهواء للحيوانات الطائرة1، وأنه لو اختل شيء من هذه الخلقة أو البنية لاختل وجود المخلوقات التي ههنا، علم على القطع أنه ليس يمكن أن تكون هذه الموافقة التي في جميع أجزاء العالم للإنسان والحيوان والبنات بالاتفاق، بل ذلك من قاصد قصده ومريد أراده، وهو الله عز وجل. وعلم الله على القطع أن العالم مصنوع.
في مجال الإنسان والنفس الإنسانية:
- والعناية الإلهية في مجال الإنسان لا يحيط بها عد ولا تدخل تحت الحصر، فإن الشكل الظاهري والجمال والتناسق في أعضائه لا يضاهيه جمال. {لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 4] .
- وملكة البيان التي يستطيع بواسطتها التعبير عما يريد وما يختلج في نفسه من معان وعواطف ومشاعر، ميزة فريدة للإنسان من بين سائر المخلوقات. {الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ، خَلَقَ الْأِنْسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} [الرحمن: 1-4] .
- وطاقاته وقدراته العقلية والنفسية والروحية لأخذ المواقف المتعددة تجاه الحادث الواحد وتساميه في عواطفه وأشواقه الروحية وخضوعه وتضرعه، أو طغيانه وجبروته، كل ذلك من مزايا هذا الإنسان وقدراته التي أودعها الله سبحانه وتعالى فيها:{إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان: 3] .
- وجعل له زوجًا يسكن إليها ملأ فراغ نفسه بالبنين والبنات والأحفاد الذين يرى في وجودهم استمرارًا لحياته وتجديدًا لشبابه.
1 لقد قام في العصر الحديث علم خاص للإفادة من تصميم المخلوقات وطريقة عملها، للقياس عليها في الصناعات. فالطائرات مستمدة من شكل الطيور وطريقة طيرانها {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ} [الملك: 19] . والغواصة مستمدة من شكل الحيتان، والرادار من شكل الوطواط، والكاميرا من العين، وهيكل الماكنات من طريقة عمل جسم الإنسان الميكانيكية، والكمبيوتر من الدماغ إلا أن الصناعات الإنسانية بدائية جدًا.
والعناية الربانية بالإنسان -وهو أكرم مخلوق على الله- أعظم من أن تدخل تحت الحصر، وقد عرضت الآيات القرآنية مجالات هذه العناية مرافقة لمسيرة الحياة الإنسانية، في حال النطفة إلى كونه جنينًا إلى طفل يحبو ثم شاب يكتمل، إلى كهل بلغ أشده إلى شيخ عاد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئًا أو قضى نحبه وقد حفظ له سمعه وبصره فصان كبره. لم يحظ مخلوق بالعناية الربانية كما حظي بها الإنسان ولا غرابة فالقرآن كتاب الهداية للإنسان والمحور الذي تدور عليه آيات القرآن هو الإنسان الذي جعله الله خليفة في الأرض وسخر له ما في السماوات والأرض لذا أفرد بعض المؤلفين كتابًا تحت عنوان:"الإنسان في القرآن".
ونكتفي في هذه العجالة بما ذكرنا، وإن كان في العمر فسحة لعلنا نعود إلى موضوع "الإنسان والعناية الربانية" مرة أخرى.
في مجال الحيوان:
لقد ذكر الله سبحانه وتعالى أصنافًا من الحيوانات التي سخرها لخدمة الإنسان لحمل الأعباء عنه، ومصدرًا للغذاء، واللبس وسائر أنواع الانتفاع.
فمما جاء في بهيمة الأنعام قوله تعالى: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ، وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [النحل: 66-67]1.
1 تذكير الضمير في {بُطُونِهِ} لمراعاة جانب اللفظ فإنه اسم جمع وتأنيث الضمير في سورة "المؤمنون"{بُطُونِهَا} لرعاية جانب المعنى ولكونها مجموعات.
- وجاء في لون آخر من الحيوان في قوله تعالى:
لقد خلق الله سبحانه وتعالى بهيمة الأنعام لمصالح عبادة وجعلها ذلولة مسخرة لقضاء شئونه الحياتية فعلى الرغم من أن هذه البهائم تملك من القوة الجسمية والعضلية أضعاف ما يملكه الإنسان إلا أن سنة التسخير قد سلبها المقاومة والتمرد على إرادة الإنسان وتدبيره وهذا ما يوجب أداء حق الشكر لله سبحانه وتعالى ولو ترك أمر تذليل هذه المخلوقات للإنسان لعجز عن تذليل ذبابة كما عجز من خلقها ولكنها المشيئة الإلهية وقدرته في الخلق والتذليل والتسخير
1 التعبير بـ {فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ} للإشعار بأن المنافع من دفء وحمل أثقال وجمال يحصل منها وهي باقية على حالها، لذلك جعلت محلًا لها وجاء التعبير بـ {فِيهَا} . أما الكل للإشارة أنها لا تبقى عند الأكل كما في السابق ولذلك جاء التعبير بـ {مِنْهَا تَأْكُلُونَ} وتقديم الجار والمجرور على متعلقه لبيان أن الأكل منها هو الأصل في الغذاء وهو المعتاد والمعتمد في المعاش، لأن الأكل مما عداها من الدجاج والبط وصيد البر والبحر من قبيل التفكه.
من أبي السعود بتصرف: 3/ 337.
وشبيه بهذا قوله تعالى: {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [النساء: 5] .
وقوله: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [النساء: 8] .
يقول سيد قطب: "إنها هذه الأنعام التي خلقها الله لهم وملكهم إياها، وذللها لهم يركبونها ويأكلون منها ويشربون ألبانها وينتفعون بها منافع شتى وكل ذلك من قدرة الله وتدبيره، ومن إبداعه ما أودع من الخصائص في الناس والأنعام فجعلهم قادرين على تذليلها واستخدامها والانتفاع بها.
وحين ينظر الإنسان إلى الأمر بهذه العين وفي هذا الضوء الذي يشيعه القرآن الكريم فإنه يحس لتوه إنه مغمور بفيض من نعم الله، فيض يتمثل في كل شيء حوله وتصبح كل مرة يركب فيها دابة أو يأكل فيها قطعة لحم أو يشرب جرعة من لبن، أو يتناول قطعة من سمن أو جبن، أو يلبس ثوبًا من شعر أو صوف أو وبر.
لمسة وجدانية تشعر قلبه بوجود الخالق ورحمته ونعمته ويطرد هذا في كل ما تمس يده من أشياء حوله. وكل ما يستخدمونه في حي أو جامد في هذا الكون الكبير، وتعود حياته كلها تسبيحًا لله وحمدًا وعبادة آناء الليل وأطراف النهار"1.
وآية أخرى في الأنعام هي هذا النماء وهذه البركة فيها من بين سائر البهائم فمما لا شك فيه أن ملايين من هذه البهائم تذبح يوميًا ومع ذلك فإن العدد الباقي يبقى متوافرًا ملبيًا لحاجة الاستهلاك البشري، علمًا أن تكاثرها تم عن توالدها، مولود في كل بطن على الغالب، ومن القليل أن تأتي التوائم في الحمل الواحد.
ونظرة إلى غيرها من الحيوانات من الكلاب والقطط والذئاب وغيرها من السباع فعلى الرغم من أنها لا تتعرض لعلمية الذبح والإفناء المتعمد من قبل الإنسان.
كما إن ولادتها وتكاثرها في الغالب أن يأتي مجموعة من الصغار بين 4-7 في الحمل الواحد، مع ذلك نجد أنها ليست بالكثرة التي نرى فيها الأنعام من الغنم والبقر والإبل.
إنها حكمة الله سبحانه وتعالى في التقدير والتسخير وتوفير الأقوات.
1 في ظلال القرآن: 5/ 2976.
أما وجوه الانتفاع الأخرى من حمل الأثقال، والانتفاع بالجلود والشعر وهذا المصنع الدقيق المنتج للألبان، فالحديث عنها يطول، ونكتفي بهذه الإشارات مما تقدم.
وفي النبات:
لقد أدهش أمر النبات العلماء ولا تزال العقول حائرة في فهم ألغاز النبات وطريقة نموه وغذائه وتكاثره، ولا تزال كثير من العمليات التي تقوم بها الوريقات الخضراء تعجز عنها كبريات المصانع والمعامل في العالم، إنه سر الحياة الذي خص الله سبحانه وتعالى به نفسه والذي يقف العلم أمامه مشدوهًا فاغرًا فاه.
يقول علماء النبات:
بالرغم من تقدم العلوم في شتى الميادين في الكيمياء والفيزياء والفضاء وعلوم الحيوان والنبات إلا أن هنالك بعض الأوليات التي يراها الإنسان في حياته ويلمسها من حوله لكنه عاجز عن فهمها حق الفهم، ومن هذه الأشياء قضية "التمثيل الضوئي" لم يستطع العلم بعد مئات السنين من التجارب والأبحاث، وبعد إنفاق الأموال الطائلة وبعد أن انقطع لهذه الأبحاث آلاف العلماء، لم يتمكنوا من الوصول إلى ما تقوم به ورقة خضراء في نبات حي.
فهذه الورقة تمتص أشعة الشمس وتخزنها وتبقي بها حياتها، وبالرغم من أن الإنسان يعتمد في حياته اعتمادًا كاملًا على الشمس التي تمده بالطاقة والتي تسبب كل مظاهر الحياة من حوله، والتي بدونها لا تقوم حياته، فهي أساس الحياة النامية في كل حقل وكل غابة وهي سبيل تكون الفحم والبترول وهي سبب المطر وأصل تساقط المياه. بالرغم من كل ذلك لم يستطع الإنسان أن يمتص أشعة الشمس ويخزنها لاستعماله في حاجته سواء كان هذا التخزين داخل جسمه كما تفعل الورقة الخضراء أو في مكان آخر، ويعترف العلم أن ذلك حلم صعب التحقيق إن لم يكن من المستحيل. يقول تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي
ذَلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 99] .
ويقول جل جلاله: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ} [يس: 80] .
إن شأن عالم النبات كشأن عالم الإنسان والحيوان عالم قائم بذاته في طريقة نموه وتكاثره وازدهاره واضمحلاله، وكل ذلك حسب سنن قائمة خلقها الله سبحانه وتعالى فيه بعنايته وسخرها لمصالح الإنسان {أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا، رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا، وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا، وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا، أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا، وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا، مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ} [النازعات: 27-33] .
وحيثما أجال الإنسان بصره رأى نعم الله تحيطه وعناية الله تكلؤه وآلاؤه تغمره {فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ، أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا، ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا، فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا، وَعِنَبًا وَقَضْبًا، وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا، وَحَدَائِقَ غُلْبًا، وَفَاكِهَةً وَأَبًّا، مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ} [عبس: 24-32] .
إننا حيث أجلنا النظر في أنحاء الكون الفسيح، وفي أصناف المخلوقات نلمس العناية الربانية بهذه المخلوقات، وإبداع الصنعة فيها ودقة النظام والتناسق والانسجام مع وظيفتها التي وجدت من أجلها، ومع غيرها التي تشاركها في المهمة والمصير وكلها تمجد من شأن الخالق المهيمن المدبر وتسبحه.