الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العرض الإجمالي لقصة الفتية المؤمنين:
تمثل هذه القصة جانبًا من الحياة البشرية ومشهدًا يتكرر عند وجود العقيدة الصحيحة في مجتمع ما، مهما كان وضع هذه العقيدة قوة أوضعفًا، ففي حال قوتها يكون السواد الأعظم من الناس يتحلون بها، ولا توجد مظاهر تلفت النظر.
أما في حال ضعف أصحاب العقيدة الصحيحة وقلتهم، فإن هذا النموذج يبرز، ولعل أبسط صورة لها ما ورد في قصة هؤلاء الفتية.
- إن المجتمع جاهلي وثني، ولا يتعرف إلا على القوة والثورة والمتع والشهوات والحكم الجائز يفرض نفسه، وقد ألقى بثقله على الناس، فلا يستطيعون النظر إلا من خلاله، ولا التنفس إلا برئتيه، ولا الإطعام إلا من يديه.
تحف المظاهر الكاذبة بأبهة السلطة، والمنافقون المتزلفون يرتعون في الملذات من خلال تزيين الباطل للحاكم المستبد.
فالناس الماديون أصحاب المصالح ينظرون من خلال الواقع، والواقع يصور أمامهم كما يلي:
- لا شبع من غير طعام، ولا طعام من غير مال، ولا مال إلا عند الدولة.
- ولا شرف ولا سمعة ولا جاه إلا بالوظيفة، ولا وظيفة إلا عند الدولة.
- ولا هدوء ولا سلامة إلا بمسايرة الناس وموافقة المجتمع، ولا موافقة إلا باتباع العقيدة السائدة والرأي العام المسيطر1.
هذه منطلقات الفلسفة المستندة على الأسباب والمسببات، وهي القيم التي يحتكمون إليها.
ولكن شعلة الإيمان إذا اتقدت في النفوس، وبدأت تنير القلب والفكر والجوارح، وتقطع أواصر الثقل الأرضي وتسمو بالروح وتبلغ الشفافية بالمؤمن أن
1 انظر تأملات في سورة الكهف لأبي الحسن الندوي: 52 بتصرف واختصار.
ينظر بنور الله إلى ما وراء الأسباب، وأن يدرك أن هذه الأسباب قد وضعها خالق الكون ومدبره، وأن مصير الأشياء بيديه وأنه يقول للشيء كن فيكون.
إن جذوة ايمان هذه لها منطلقات خاصة ولها حساباتها المتفردة وتطلعاتها المستقلة، إنه يترفع عن متع الدنيا وشهواتها، وينظر إليها بعين الازدراء والاحتقار، وتسمو نفسه وروحه إلى الدار الباقية فهو لا يرضى الخنوع والاستسلام لجبروت السلطة مهما كان طغيانها، ولا لضغوط المجتمع وفلسفته مهما بلغ ثقلها، يقوم في وجه الظلم ليعلن كلمة التوحيد وأن لا إله إلا الله الذي خلق السماوات والأرض الذي بيده الأمر وإليه المرجع والمآب، وأن لا حكم إلا لمدبر الكون وواضع سننه وأقواته وخواصه ولا طاعة لمن تنكب شرعه ودستوره في الحياة.
والمؤمن بقيامه هذا في وجه الطغيان يلتزم العقل والحكمة، فيدعو الناس إلى التدبر والتفكر فيما حولهم من الكائنات ليتعرفوا على الخالق المعبود بحق، ويدعو الخصوم إلى مقارعة الحجة بالحجة وإلى التحاكم إلى البرهان وإلى العقل والمنطق {هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} .
لقد حقق هؤلاء من جانبهم مقومات تنزل النصر عليهم والاستجابة لدعائهم {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِم} والفتوة والقوة الجسدية مطلوبة في الصراع مع الباطل ومقارعة أهله.
والإيمان هو السلاح الماضي الذي يصول به الداعية ويجول، ويلقي به على الباطل فإذا هو زاهق.
إن سنة الله في نصر الدعوات تكمن في كون منطلقات حاملها، سليمة، وأن يكونوا فئة متميزة تسموا إلى أفق الدعوة وتضحي في سبيلها بغض النظر عن العدد والكثرة.
وهذا ما جرى للفتية المؤمنين فقد قابل رب السماوات والأرض صنعهم بفضل منه ورحمة عظيمتين، فربط على قلوبهم فأخرج منها الخوف والحيرة والاضطراب، وملأها شجاعة وسكينة وقوة ويقينًا وانشراحًا وسرورًا وزادهم إيمانًا على إيمانهم
ورضى وتسليمًا بقضاء الله وقدره {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً، وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ} .
وإذا توافرت هذه المقومات في الإنسان: الفتوة والإيمان ورباطه الجأش ومضاء العزيمة، لا يستقر لهذا الإنسان قرار بل لا بد من مصارعة الباطل، والوقوف في وجهه، وهذا ما كان من أمر الفتية {إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا، هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} وفي خضم هذه المشاعر النبيلة والعواطف المتأججة بنور الإيمان، يهتدون إلى رأي، أن يخرجوا مجتمعين إلى الغار، ليعتزلوا المجتمع الجاهلي ماديًا بعد أن اعتزلوه شعوريًا، وليفكروا بروية في الأسلوب الأنجح لمقارعة الباطل فإن لم يستطيعوا مقارعته وجهًا لوجه، فبإمكانهم أن يضربوا في أرض الله الواسعة ويهاجروا في سبيل الله {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً} [النساء: 100] .
إذ العزلة الشعورية واجبة دائمًا فلا يجوز مطلقًا موادة من حاد الله ورسوله مهما كانت درجة قرابته ومكانته. ولا يجوز مهادنة الجاهلية وأهلها سواء كانت الغلبة لهم أو لنا.
أما العزلة المادية الجسدية فإن لها شروطًا ولعل من أهمها كما ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن لا يجد المرء على الحق أعوانًا، وأن يرى شحًا مطاعًا وهوى متبعًا وإعجاب كل ذي رأي برأيه1، وأن لا تكون للمسلمين جماعة، عندئذ جازت العزلة الجسدية والانصراف إلى خويصة النفس وترك أمر العامة.
روى البخاري من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يوشك أن يكون خير مال المسلم غنمًا يتبع به شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن"2.
1 من حديث رواه الترمذي في كتاب التفسير 4/ 323، وقال عنه: هذا حديث حسن غريب.
2 انظر صحيح البخاري كتاب الإيمان 1/ 10.