الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إِذًا أَبَدًا، وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا، سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا، وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا، وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا، قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا، وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا} [الآيات من 9-27] .
بين يدي قصص سورة الكهف:
قبل البدء بعرض قصة أصحاب الكهف والتعليق عليها يحسن بنا أن نذكر بعض المزايا للقصص القرآني عامة ولقصص سورة الكهف خاصة.
1-
القصص القرآني تربوي في المقام الأول، يعالج المشاكل والأفكار والمواقع علاجًا معينًا على ضوء المبادئ الإسلامية والأحكام الشرعية في قالب فني جمالي، لتعميق المفاهيم التي يراد غرسها في النفس الإنسانية. أو لاجتثاث جذور الأفكار السيئة التي يريد الإسلام تزكية النفس منها.
- فمثلًا عندما تعرض قضية الطاعة والامتثال والتضحية من خلال قصة إسماعيل وإبراهيم عليهما السلام، تكون أوقع في النفس وأشد أثرًا.
- وكذلك آداب طلب العلم من خلال قصة موسى والخضر عليهما السلام في سورة الكهف.
- وعندما تعالج قضية الشح والبخل في النفس من خلال قصة أصحاب
الجنة في سورة "ن"، تكون أوعى للاعتبار والاتعاظ. وكذلك مرض الغرور والبطر من خلال قصة صاحب الجنتين في سورة الكهف ولم يترك القرآن الكريم جانبًا من جوانب الحياة الإنسانية إلا وأورد فيه القصص التربوي على طريقته الخاصة ومن الزوايا الإنسانية العامة.
فساق نماذج بشرية تمثل الفطرة المهتدية، وأخرى تمثل الفطرة المنحرفة، وحتى الجانب الذي قد يخطر لنا أن القرآن لم يتعرض له وهو جانب "الحب والمرأة" فقد تناولها القرآن الكريم، ولكن -كما قلنا- على طريقته التربوية الخاصة.
يعرض القرآن نماذج إنسانية منحرفة في سلوكها ومعتقداتها، إلا أن الأسلوب القرآني في ذلك يجعل هذه الانحرافات في حجمها الطبيعي ولا يجعل منها أبطالًا، ويعرض انحرافاتها بشكل خاطف بعد أن يقدم لها بما يحقر من شأن أصحابها، ثم يعقب عليها بإبراز الهدايات الربانية في ذلك مما يحجم الانحراف ويزيل أثره من ذهن القارئ مباشرة، وخير نموذج لمثل هذا قصة امرأة العزيز ومراودتها ليوسف عليه السلام، هذا هو الأسلوب القرآني في عرض هذه النماذج البشرية.
أما الأساليب الجاهلية المعاصرة فإنها تعرض سيرة هذه النماذج بتفصيل كامل وفي صور مشرقة زاهية وتجعل منها أبطالًا تسلط عليهم الأضواء حتى إذا حفرت في النفس أخاديد من آثارها وتعلقت النفوس بسيرتهم، جاءت التعقيبات الهزيلة، فلا تغير من الأثر شيئًا، ولا تزيل من المعالم والبصمات إلا أخفها.
هذا الجانب التربوي كما هو ملاحظ في القصص التاريخي، فإنه ملاحظ أيضًا في القصص الواقعي "الحاضر".
ونقصد به القصص التي عاشها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، أو القصص التي تعرض أحداثًا تتعلق بالحالة التي كانت فيها الفئة المؤمنة.
والغرض التربوي منها تقديم المسيرة، وتوضيح الرؤية أمام الجماعة المؤمنة خلال سير الحياة ونشر الدعوة إلى الله، هذا من جانب، ومن جانب آخر التسلية والتخفيف عما يعتور الدعاة إلى الله ويحدث لهم أثناء المسيرة الجهادية في
حياتهم: إن أحداث قصة بدر في سورة الأنفال، وأحد من آل عمران والخندق في الأحزاب، والإفك في النور، والحديبية في الفتح، وحنين في التوبة
…
معالم بارزة في حياة الدعاة إلى الله لأخذ العظات والعبر إلى يوم القيامة.
2-
القصص القرآني يهمل عن قصد في حالات كثيرة؛ الناحية الزمنية، والمكانية، وأحيانًا أسماء الأشخاص -أبطال القصة.
كما نجد ذلك في قصة أصحاب الكهف، وقصة صاحب الجنتين، وقصة ذي القرنين وذلك لأن الهدف الهام من سوق القصة أخذ العبرة والعظة وترسيخ الفكرة المعينة من خلال أحداث القصة، فينبغي أن يركز الفكر وتثار المشاعر وتوجه العواطف حول الغرض منها.
وصرف الاهتمامات إلى أي عنصر آخر في القصة تبديد للطاقات العقلية والملكات النفسية وصرفها عن التفاعل مع الغرض الأساسي الذي سيقت القصة من أجله.
3-
القصص القرآني كلها حقائق وقعت أحداثها؛ ولئن عجز الجهد البشري عن إدراك تفصيلات هذه الوقائع، وتحديد زمانها ومكانها أو أشخاصها بوسائله القاصرة من كتابات وآثار
…
فليس ذلك حجة لمن يزعم أنها قصص تمثيلي أو تخييلي.
وسواء ذكرت هذه القصص في كتب أهل الكتاب أو لم ترد، فلا تأثير لكل ذلك على الحقائق والأحداث التي ذكرها القرآن الكريم.
فلو عجز علم الآثار عن تحديد موقع الكهف أو المناطق التي تغلب عليها ذو القرنين وأخضعها لحكم الله أو عجز عن التعرف على مكان إيقاد النار على إبراهيم عليه السلام، فلا يؤثر ذلك على الحقيقة شيئًا.
وقد جعل القرآن الكريم سرد هذه القصص دليلًا على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعوته {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} [هود: 49] .
كما جعله وسيلة لتثبيت قلب رسوله ومن ورائه الدعاة إلى الله خلال العصور {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [هود: 120] .
4-
يهدف القرآن الكريم أن يقدم للفئة المؤمنة -من خلال قصصه- تجارب البشرية وخبرتها من خلال عرض هذه النماذج المختلفة من السمو الفكري والروحي والصفات الخلقية النبيلة.
والتعرف على سنن الله في الدعوات والحضارات والابتلاء والمحن والاعتبار بمصير النماذج المنحطة المسفة.
إن قصة فرعون وقارون والسامري تعطي صورًا منفرة من طريقة تفكيرهم وأسلوب تعاملهم مع غيرهم، وموقف الكفر والجحود الذي وقفوه من خالفهم ورازقهم، ثم المصير التعيس البئيس الذي صاروا إليه.
أما قصة إبراهيم وإسماعيل وموسى وأصحاب الكهف وذي القرنين فكلها قصص مشرفة تزكي في النفوس الرغبة في الخير، والتضحية من أجل المثل العليا، والخشوع والتضرع لخالق السماوات والأرض.
إن القصص القرآني عرض بأساليب معينة ووزع على السور توزيعًا خاصًا بين إيجاز وإطناب، وكل منها منسجم مع أهداف السورة الأساسية ولا ينفصل أسلوب القصة عن أجواء السورة وأغراضها، ومن هنا كانت الحكمة في عدم تكرار القضية الواحدة في السورة الواحدة.
لذا ينبغي دراسة القصة حسب أسلوب العرض في السورة، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا في القسم المنهجي من التفسير الموضوعي.