المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌أولا: الألوهية والفطرة - مباحث في التفسير الموضوعي

[مصطفى مسلم]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة:

- ‌التفسير الموضوعي: "تعريفه- نشأته- تطوره- ألوانه- أهميته

- ‌تمهيد:

- ‌نبذة تاريخية عن نشوء علم التفسير وتطوره ومكانة التفسير الموضوعي:

- ‌تعريف التفسير الموضوعي:

- ‌نشأة التفسير الموضوعي:

- ‌ألوان التفسير الموضوعي:

- ‌اللون الأول:

- ‌اللون الثاني:

- ‌اللون الثالث

- ‌أهمية التفسير الموضوعي:

- ‌مناهج البحث في التفسير الموضوعي:

- ‌أولًا: منهج البحث في موضوع من خلال القرآن الكريم:

- ‌ثانيًا: منهج البحث في التفسير الموضوعي لسورة واحدة

- ‌ثالثا: التفسير الموضوعي لسورة قرآنية

- ‌تحديد محور السورة

- ‌الهدف في السورة القصيرة والسورة الطويلة:

- ‌الإطناب والإيجاز في قضايا عرضتها السورة:

- ‌صلة التفسير الموضوعي بالأنواع الأخرى من التفسير:

- ‌علم المناسبات والتفسير الموضوعي

- ‌مدخل

- ‌أولًا- تعريف علم المناسبات:

- ‌ثانيا: أهمية علم المناسبات وأقوال العلماء فيه

- ‌مدخل

- ‌القسم الأول: المناسبات في السورة الواحدة

- ‌مدخل

- ‌أنواع المناسبات في السورة الواحدة:

- ‌القسم الثاني: المناسبات بين السور

- ‌مدخل

- ‌أنواع المناسبات بين كل سورتين متجاورتين:

- ‌مثال تطبيقي على موضوع من خلال القرآن الكريم" الألوهية من خلال آيات القرآن الكريم

- ‌مقدمات بين يدي الموضوع

- ‌أولا: الألوهية والفطرة

- ‌ثانيًا: اهتمام القرآن الكريم بالتوحيد أكثر من الاهتمام بإثبات وجود الخالق

- ‌ثالثًا: منهج القرآن في إثبات التوحيد منهج فطري

- ‌رابعًا: ربط قضايا العقيدة بمصالح العباد في حياتهم المعاشية

- ‌خامسًا: مجالات الاستدلال على قضية الألوهية

- ‌أبرز أنواع الأدلة على توحيد الله جل جلاله في القرآن الكريم

- ‌مدخل

- ‌أولًا: أدلة الخلق والإبداع

- ‌ثانيًا: أدلة العناية

- ‌ثالثًا: أدلة الفطرة

- ‌رابعًا: البراهين العقلية

- ‌خامسًا: أدلة التوحيد من خلال إثبات صفات الكمال لله سبحانه وتعالى وتنزيهه عن صفات النقص

- ‌الخاتمة:

- ‌مثال تطبيقي في تفسير سورة تفسيرًا موضوعيًّا: "القيم في ضوء سورة الكهف

- ‌تمهيد:

- ‌بين يدي سورة الكهف:

- ‌اسمها وعدد آياتها:

- ‌خصائص سورة الكهف:

- ‌وقت نزولها وسببه:

- ‌أهداف سورة الكهف:

- ‌المناسبات في سورة الكهف

- ‌أولا: المناسبة بين اسم السورة وموضوعاتها

- ‌ثانيًا: المناسبة بين افتتاحية السورة وخاتمتها

- ‌ثالثًا: المناسبة بين مقاطع السورة وهدفها

- ‌افتتاحية سورة الكهف

- ‌الموضوعات الأساسية في الافتتاحية

- ‌المقطع الأول: قصة الفتية المؤمنين

- ‌مدخل

- ‌بين يدي قصص سورة الكهف:

- ‌العرض الإجمالي لقصة الفتية المؤمنين:

- ‌العرض التحليلي للقصة:

- ‌تعقيب واستطراد وتعليل:

- ‌عظات وعبر:

- ‌المقطع الثاني: مفارقات ومواقف في بواعث العزة

- ‌مدخل

- ‌المناسبة بين المقطع الأول والثاني:

- ‌العرض العام للمقطع الثاني:

- ‌عظات وعبر:

- ‌المقطع الثالث: وقفة تأمل في المال والمصير

- ‌مدخل

- ‌المناسبات بين المقطع الثالث وما قبله:

- ‌العرض الإجمالي للمقطع الثالث:

- ‌الفوائد والعظات والعبر في المقطع الثالث:

- ‌المقطع الرابع: الرحلة في طلب العلم

- ‌مدخل

- ‌المناسبات بين المقطع الرابع وما قبله:

- ‌العرض الإجمالي للمقطع الرابع:

- ‌الانطلاق والبحث عن العبد الصالح:

- ‌العظات والعبر من فقرة الانطلاق والبحث عن العبد الصالح:

- ‌اللقاء والحوار:

- ‌العظات والعبر من فقرة اللقاء والحوار:

- ‌الصحبة الكريمة والأحداث العجيبة

- ‌مدخل

- ‌أولها: الجانب النفسي لموسى عليه السلام

- ‌ثانيها: صدمة المفاجأة وهول الحادث

- ‌ثالثها: مبادئ شريعة التوراة

- ‌الفراق بعد تأويل التصرفات الغريبة:

- ‌العظات والعبر من فقرة الصحبة الكريمة والأحداث العجيبة

- ‌مدخل

- ‌تعقيبات وتعليقات:

- ‌المقطع الخامس: قصة ذي القرنين الرجل الطواف

- ‌مدخل

- ‌المناسبات:

- ‌العرض الإجمالي للمقطع الخامس:

- ‌وقفات لابد منها

- ‌الوقفة الأولى: مع ذي القرنين

- ‌الوقفة الثانية: مع السد وموقعه

- ‌الوقفة الثالثة: مع يأجوج ومأجوج؛ حقيقتهم ومصيرهم

- ‌القيم في قصة ذي القرنين:

- ‌العظات والعبر في المقطع الخامس قصة ذي القرنين:

- ‌خاتمة السورة:

- ‌الخاتمة:

- ‌الفهارس

- ‌ فهرس الآيات الكريمة

- ‌ فهرس الأحاديث والآثار:

- ‌ فهرس الأعلام:

- ‌ فهرس المراجع:

- ‌ محتوى الكتاب:

الفصل: ‌أولا: الألوهية والفطرة

‌مثال تطبيقي على موضوع من خلال القرآن الكريم" الألوهية من خلال آيات القرآن الكريم

"

‌مقدمات بين يدي الموضوع

‌أولا: الألوهية والفطرة

مثال تطبيقي على موضوع من خلال القرآن الكريم

مقدمات بين يدي الموضوع:

أولًا: الألوهية والفطرة

إن قضية الإيمان بخالق للإنسان والكون والحياة، قضية راسخة في الفطرة الإنسانية عميقة الجذور، عمق الشعور بالذات البشرية واحتياجاتها وعجزها وافتقارها إلى الملجأ والملاذ.

فكما يشعر الإنسان بعمق غرائز الأبوة وحب البقاء وحب التملك. في كيانه ويشعر بالقلق والاضطراب في حياته إن لم يشبعها بالطريقة السليمة.

فكذلك شعوره بالاضطراب والقلق إن لم تشبع غريزة التدين فيه بإشباع الأشواق الروحية وتوجيهها الوجهة السليمة للمعبود الحق.

وقبل حلول الروح الإنسانية في هذا الجسد المادي، في عالم الذر، كان هذا الغرس وكان هذا الميثاق {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ، أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ، وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الأعراف: 172-174] .

وفي الصحيحين من حديث شعبة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتديًا به؟ قال: فيقول: نعم، فيقول: قد أردت منك أهون من ذلك قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئًا فأبيت إلا أن تشرك بي"1.

1 صحيح البخاري في كتاب الرقاق: 7/ 198؛ وصحيح مسلم في صفات المنافقين: 8/ 134.

ص: 95

إن الأصل في النفس الإنسانية الفطرة التي فطر الله الناس عليها فالميل إلى الحق والأخذ به، والتوجه إلى الخالق بالخضوع والطاعة هي الأصل وهي الفطرة، إلا أن البيئة والمجتمع ابتداء بالمجتمع الضيق الأسرة، وانتهاء بالتيارات الاجتماعية في المجتمع الواسع هي التي تحدد مسار هذه الفطرة في السنوات الأولى من حياة الطفل.

وإلى هذا يشير الرسول صلى الله عليه وسلم: "وكل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه، هل تنتج البهيمة إلا بهيمة جمعاء هل تحس منها من جدعاء" 1 رواه الشيخان من حديث أبي هريرة

والمنهج القرآني في تقرير عقيدة الألوهية يعتمد الفطرة الإنسانية السليمة نقطة انطلاق في البحث والتقرير وأسلوب العرض وإقرار النتائج.

وفي الصفحات التالية نتعرف على أبرز السمات في المنهج القرآني في تقرير عقيدة الألوهية.

البشرية خلقت مهتدية مؤمنة:

يبين القرآن الكريم أن الإنسان الذي كرمه من بين مخلوقاته "خَلْقًا وخُلُقًا واستعدادًا وطاقات" وحملة الأمانة التي عجزت عنها السماوات والأرض والجبال، لم يكن خلقه عبثًا ولم يكن ليتركه سدى، بل خلقه لاستخلافه في الأرض وعبادته فهيا. {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30] .

{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذرايات: 56-58] .

ولم ينزل أبو البشر إلى الأرض إلا والهدايات مرافقة له، قد حددت له المهمة

1 صحيح البخاري، كتاب الجنائز: 2/ 97؛ وصحيح مسلم في كتاب القدر: 8/ 52.

ص: 96

التي يسعى إليها وأسلوب التعامل الذي يتعامل به مع الكائنات الأخرى من بينه وغيرهم.

{قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 38] .

إن الأسرة الأولى في الاجتماع البشري تكونت في ظل الوحي الرباني، ومن يتلو قصة ابني آدم وهما عضوا الأسرة الأولى يجد في الحوار الذي دار بينهما أن القضايا الأساسية في العقيدة والسلوك البشري كانت واضحة المعالم في ذهنيهما يقول تعالى:

{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ، لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ، فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ، فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ} [المائدة: 27-31] .

عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقتل نفس ظلمًا إلا كان علي ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه كان أول من سن القتل" 1 رواه الإمام أحمد والجماعة سوى أبي داود. فالإيمان بالله سبحانه وتعالى، والتقرب إليه بصالح الأعمال ابتغاء مرضاته، وتقوى الله تعالى والالتزام بها مدعاة لقبول الأعمال، وخشية الله تعالى من سوء عاقبة الأعمال السيئة والآثام التي تؤدي بصاحبها إلى النار، والجزاء الأخروي للمحسنين وللمسيئين على ما اقترفوه في الحياة الدنيا. كل هذه أسس العقيدة الموحى بها في الشرائع السماوية جميعها، كانت واضحة المعالم في أذهان ابني آدم الأولين.

1 مسند الإمام أحمد: 1/ 383؛ صحيح البخاري، كتاب الجنائز: 2/ 79؛ وصحيح مسلم، كتاب القسامة: 5/ 106.

ص: 97

والمجتمعات التي تكاثرت بالتناسل وانتشرت في أطراف المعمورة، كلما أصاب الغبش تصورها في العقيدة، واختلطت أمامها السبل بالانحراف عن سبيل الله أرسل الله سبحانه وتعالى إليها رسلًا لإعادتها إلى الصراط المستقيم ولإزالة الغبش عن عقائدها وتصوراتها.

{وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر: 24] .

{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [البقرة: 213] .

من هنا ندرك انحراف المناهج التي سلكها علماء الاجتماع ومقارنة الأديان، عندما قصدوا الغابات ورءوس الجبال والمناطق المعزولة عن العالم المتحضر لدراسة عقائد سكان هذه المناطق ليصلوا من خلال دراساتهم هذه إلى أصل نشوء فكرة الأديان ومن ثم تطورها. وخطأ هذا المنهج يبدأ من اقتراضهم الخاطئ أن الإنسان هو الذي يكون عقيدته ويطورها حسب تطور ظروفه المعيشية وحياته الاجتماعية ومستواه الثقافي1.

والمنهج القرآني يلغي الافتراض من أساسه لأن عقيدة الإنسان الأول، وعقيدة الأسرة الأولى كانت عقيدة التوحيد والإيمان بالهدايات الربانية المنزلة -الوحي- والإيمان باليوم الآخر. وكان الناس أمة واحدة على هذه العقيدة، فلما ابتعدوا عن المنهج الرباني وبعد عهدهم بهذه الهدايات ووجدت الاختلافات بين الناس أرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ويعيدوهم إلى حظيرة التوحيد وإلى الالتزام بالمنهج الرباني مرة أخرى.

- والرسالات لم تنشأ في تلك المجتمعات المتخلفة أو البدائية، بل كان

1 نقلت بعض الصحف أن باحثه أميركية ذهبت إلى أدغال أستراليا وتزوجت زعيم إحدى القبائل المتخلفة حضاريًا، وذلك لتتعرف عن كثب على عقائد القبيلة وأعرافها الاجتماعية.

ص: 98

الرسل يرسلون لتبليغ دعوة الحق إلى من بأيديهم زمام الحكم والسلطة، وكان الصراع بين أتباع الحق -من الأنبياء وأتباعهم- وبين الطواغيت أهل الأهواء والمترفين من أهل الشهوات {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [النحل: 36] .

ومن يقرأ قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في القرآن الكريم يجد أن الرسالات السماوية برزت بين المجتمعات الراقية المتحضرة، وقصدت من بيدهم دفة القيادة والسيادة.

ففي قصة نوح عليه السلام نجد التبليغ والصراع بينه وبين الملأ من قومه وكلمة الملأ في اللغة تدل على القوم الذين يملئون العين بوفرة عددهم وقوتهم وغناهم. وأحداث قصة إبراهيم عليه السلام جرت مع نمروذ الذي قيل إنه أحد الكافرين اللذين حكما العالم القديم تارة ومع ملك مصر تارة أخرى.

- ومثل ذلك في قصة موسى عليه السلام مع فرعون ومثله.

- وقصة عيسى وزكريا ويحيى عليهم السلام مع السلطة الرومانية من جهة، ومع أهل النفوذ والمكر والحيلة من اليهود من جهة أخرى.

ويحدد القرآن الكريم عاقبة المكذبين في أحد الأمور التالية:

1-

إنزال العذاب المستأصل عندما يكذبون بالآيات التي يطلبونها تحديًا أو معاجزة {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ، فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ، فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ، وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} [القمر: 9-12] .

{كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ، فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ، أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ، سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ، إِنَّا مُرْسِلُو الْنَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ، وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ، فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ، فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ، إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ} [القمر: 23-31] .

ص: 99

2-

أو الخذلان والتشرد في الأرض على يد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أو أتباعهم:

{إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [غافر: 51] .

3-

وإن بقي المكذبون برسالة الرسول فترة فهي فترة محدودة ريثما يستكمل أهل الإيمان مقومات استحقاق النصر في نفوسهم، والعاقبة للمتقين فمآل هذه الحالة إلى إحدى الحالتين السابقتين أو الدخول في دعوة الخير والفلاح.

وتهمنا الحالة الثانية حالة التشرد والتمزق بعد انتصار دعوة الحق، فكثيرًا ما يفر المعاندون الصادون عن دعوة الحق فيلحقون شعاف الجبال وبطون الأودية والغابات النائية هربًا من سيف الحق، وعلى مر الأيام والسنين يطرد الضياع وتتباين الأهواء ويشتد التمزق في نفوسهم بين إلحاح الفطرة التي تعرض إبراز الخضوع والتدين في حياتهم، وبين النزوات الضالة المنحرفة فتوجد هذه المظاهر التعبدية المنحرفة من عبادة الآباء والأشجار والظواهر الطبيعية.

فليست الفطرة بحال من الأحوال هي الداعية إلى هذه الأشكال المنحرفة، بل البيئة والظروف والتأثر بالمنحرفين هي التي توجد الاتجاهات الضالة، وخير مثل في ذلك قصة عمرو بن لحي الذي أدخل عبادة الأصنام في جزيرة العرب حيث لم يكن الناس قبله يفكرون بمثل هذه الضلالة.

فإذن حالة الشرك والوثنية والانحراف حالة طارئة وهي الحالة الناشئة عن التخلف والعزلة ونتيجة لفرار من نور الحق.

هذا هو منهج القرآن في بيان هذه الحقيقة التي انحرف عنها الماديون المعاصرون، الذين ظنوا أن الإنسان هو الذي يوجد معتقده ويطوره حسب مراحل حياته الاجتماعية وحسب وسائله المدنية التي يستخدمها في حياته المعاشية.

إن هناك تباينًا تامًا بين الإدراك العقلي المستهدي بنور الوحي الإلهي، وبين المدركات العقلية المستمدة من الأهواء البشرية.

ص: 100

ولا علاقة لنوعي المدركات هذا بوسائل المعيشة أو الوسائل المدنية والمستوى المعاشي للإنسان فإن الإدراك العقلي الصحيح المبني على نور الوحي الإلهي يكون في أرقى المجتمعات المتمدنة. ويمكن أن يكون في نفس الوقت في مجتمع آخر لا يملك من وسائل المدنية إلا أقلها.

كما أن الجاهلية المنحرفة عن هدى الله سبحانه وتعالى -ونقصد بالجاهلية الحالة النفسية التي ينحرف فيها الإنسان عن المنهج الرباني، كما عرفها محمد قطب في جاهلية القرن العشرين- تكون لدى سكان الغابات وبطون الأودية وشواهق الجبال وتظهر في صور شتى من صور الشعائر التعبدية عندهم في عبادة الطواطم والحجر والشجر وظواهر الطبيعة من رعد وبرق وشمس وقمر. تكون موجودة في نفس الوقت عند سكان ناطحات السحاب ورواد الفضاء، ومكتشفي الذرة والعقول الإلكترونية، وتظهر أيضًا في صور شتى من مظاهر العبودية، من تقديس للمال والإنتاج والعلم والطبيعة والحزب والحرية والعقول المتحررة التي تشرع فتحل وتحرم، وكلها مظاهر جاهلية مبنية على الهوى.

فلا علاقة بين الهداية والحالة المادية للإنسان، كما لا علاقة بين الجاهلية والمستوى المعاشي للفرد والجماعة.

ص: 101