الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(يقاتل للذّكر) أي: ليذكر بين النّاس ويوصف بالشجاعة.
* * *
[باب في فضل الشهادة]
(جعل الله أرواحهم في جوف طير خضر) قال القرطبي في التذكرة: في حديث كعب: "نسمة المومن طائر"، وهو يدلّ على أنّها نفسها تكون طائرًا أي على صورته لا أنّها تكون فيه، ويكون الطائر ظرفًا لها. وكذا في رواية ابن مسعود عند (ابن ماجه) (1) "أرواح الشهداء عند الله كطير خضر" وفي لفظ عن ابن عباس:"تحوّل في طير خضر"، ولفظ ابن عمرو: "في
(1) في أ: "ابن حبّان".
صور طير بيض"، وفي لفظ عن كعب بن مالك: "أرواح الشّهداء طير خضر"، قال القرطبي: وهذا كلّه أصحّ من رواية ة في جوف طير خضر"، (قاله) (1) ابن عبد البر في الاستذكار. وقال القابسي (2) أنكر العلماء رواية:"في حواصل طير خضر" لأنّها حينئذٍ تكون محصورة مضيّقًا عليها، وردّ بأن الرواية ثابتة والتأويل محتمل بأن تجعل "في" بمعنى "على"، والمعنى أرواحهم على جوف طير خضر، كقوله تعالى:{وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} أي على جذوع، وجائز أن يسمّى الطير جوفًا إذ هو محيط به ومشتمل عليه، قاله عبد الحق. قال القرطبي:"وهو حسن جدًّا"، وقال غيره: لا مانع من أن تكون في الأجواف حقيقة ويوسعها الله لها حتى تكون أوسع من الفضاء. وقال الشّيخ عزّ الدّين بن عبد السلام في أماليه في قوله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ} : فإن قيل الأموات كلّهم كذلك فكيف خصّص هؤلاء؟ فالجواب: إنّ الكلّ ليس كذلك لأنّ الموت عبارة عن أن تنزع الروح من الأجساد كقوله تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا} ، أي: يأخذها وافية من الأجساد، والمجاهد تنقل روحه إلى طير أخضر، فقد انتقل من جسد إلى آخر بخلاف غيره فإن أرواحهم تبقى في الأجساد. انتهى.
وقال التوربشتي: أراد بقوله: "جعل الله أرواحهم في جوف طير خضر" أنّ الروح الإنسانية (المتميزة المخصوصة)(3) بالإدراكات بعد مفارقتها البدن، يهيّأ لها طير أخضر، فتنتقل إلى جوفه ليعلق ذلك الطير من ثمر الجنة، فتجد الروح بواسطته ريح الجنة ولذّتها والبهجة والسرور، ولعلّ الروح يحصل لها تلك الهيئة إذا تشكلت وتمثلت بأمر الله تعالى طيرًا أخضر كتمثّل الملك بشرًا، وعلى أيّة حالة كانت، فالتسليم واجب علينا لورود البيان الواضح على ما أخبر عنه الكتاب والسنة ورودًا صريحًا ولا سبيل إلى خلافه.
(1) في أ: "قال".
(2)
في ج: "القاضي".
(3)
في ج: "المخصوصة المتميّزة".
وأقول: إذا فسّرنا الحديث بأنّ الروح تتشكّل (طائرًا)(1)، فالأشبه أنّ ذلك في القدرة على الطيران فقط لا في صورة الخلقة، لأنّ شكل الإنسان أفضل الأشكال، وقد قال السهيلي في حديث الترمذي أنّ جعفر بن أبي طالب أعطي جناحين يطير بهما في السماء مع الملائكة: يتبادر من ذكر الجناحين والطيران أتهما كجناحي الطائر، لهما ريش، وليس كذلك فإنّ الصورة الآدميّة أشرف الصّور وأكملها، فالمراد بهما صفة ملكية وقوّة روحانية أعطيها جعفر، وقد قال العلماء في أجنحة الملائكة أتها صفات ملكية لا تفهم إلّا بالمعاينة، فقد ثبت أنّ لجبريل ستمائة جناح ولا يعهد للطير ثلاثة أجنحة فضلًا عن أكثر من ذلك، وإذا لم يثبت خبر في كيفيتها فنؤمن بها من غير بحث عن حقيقتها. انتهى.
وقال الشيخ وليّ الدّين: وصفه الطير بالخضر يحتمل أن يريد به أنّ لونها كذلك، ويحتمل أن يريد به أنّها غضّة ناعمة. وفي الطبقات الكبرى للقاضي تاج الدّين السبكي: سمعت والدي يقول سمعت أبا زكريا يحيى بن علي يقول: كنّا حاضرين في الدّرس عند قاضي القضاة صدر الدّين بن بنت الأعزّ وهو يلقي في حديث أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر، فحضر الشيخ علم الدّين العراقي فلمّا استقرّ جالسًا قال على وجه السؤال: لا يخلو إمّا أن يحصل للطير الحياة بتلك الرّوح أو لا؟ والأوّل عين ما تقوله التناسخيّة، والثاني مجرّد حبس الأرواح وسجنها. قال السبكي: والجواب عن هذا أنّا نلتزم الثّاني، ولا يلزم كونه مجرّد حبس وسجن لجواز أن يقدّر الله تعالى في تلك الحواصل من السّرور والنعم ما لا يجده في الفضاء الواسع. انتهى.
(لئلّا ينكلوا)(2) بضمّ الكاف، أي: يجبنوا.
(1) في ب: "طيرا".
(2)
في سنن أبي داود المطبوع: "ولا ينكلوا".