الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عزة. وهي كمال القدرة، وعن حكمة، وهي كمال العلم. فمن غفر عن عجز وجهل بجرم الجاني [لا يكون قادرا حكيما عليما. فلا يكون ذلك إلا عجزا] فأنت لا تغفر إلا عن قدرة تامة وعلم تام وحكمة تضع بها الأشياء مواضعها فهذا. أحسن من ذكر الغفور الرحيم في هذا الموضع، الدال ذكره على التعريض بطلب المغفرة في غير حينها وقد فاتت. فإنه لو قال: وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم. كان في هذا من الاستعطاف والتعريض بطلب المغفرة لمن لا يستحقها ما نزه عنه منصب المسيح عليه السلام، لا سيما والموقف موقف عظمة وجلال، وموقف انتقام ممن جعل لله ولدا، أو اتخذ إلها من دونه. فذكر العزة والحكمة فيه أليق من ذكر الرحمة والمغفرة.
وهذا بخلاف قول الخليل عليه السلام: 14: 35 و 36 وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ. رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ. فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي، وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ولم يقل: فإنك عزيز حكيم. لأن المقام مقام استعطاف وتعريض بالدعاء، أي إن تغفر له وترحمه، بأن توفقه للرجوع من الشرك إلى التوحيد، ومن المعصية إلى الطاعة كما
في الحديث: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» .
وفي هذا أظهر الدلالة على أن أسماء الرب تعالى مشتقة من أوصاف ومعان قامت به، وأن كل اسم يناسب ما ذكر معه، واقترن به، من فعله وأمره. والله الموفق للصواب.
فصل
في مراتب الهداية الخاصة والعامة وهي عشر مراتب المرتبة الأولى: مرتبة تكليم الله عز وجل لعبده يقظة بلا واسطة، بل منه إليه. وهذه أعلى مراتبها، كما كلم موسى بن عمران صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه. قال الله تعالى: 4: 164 وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً
فذكر في أول الآية وحيه إلى نوح والنبيين من بعده، ثم خص موسى من بينهم بالإخبار بأنه كلمه. وهذا يدل على أن التكليم الذي حصل له أخص من مطلق الوحي الذي ذكر في أول الآية. ثم أكده بالمصدر الحقيقي الذي هو مصدر «كلم» وهو «تكليم» رفعا لما توهمه المعطلة والجهمية والمعتزلة وغيرهم من أنه إلهام، أو إشارة، أو تعريف للمعنى النفسي بشيء غير التكليم. فأكده بالمصدر المفيد تحقيق النسبة ورفع توهم المجاز. قال الفراء: العرب تسمي ما يوصل إلى الإنسان كلاما بأي طريق وصل. ولكن ما تحققه بالمصدر، فإذا حققته بالمصدر لم يكن إلا حقيقة الكلام، كالإرادة يقال: فلان أراد إرادة، يريدون حقيقة إرادة. ويقال: أراد الجدار، ولا يقال: إرادة. لأنه مجاز غير حقيقة. هذا كلامه. وقال تعالى: 7: 143 وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ وهذا التكليم غير التكليم الأول الذي أرسله به إلى فرعون. وفي هذا التكليم الثاني سأل النظر، لا في الأول، وفيه أعطى الألواح. وكان عن مواعدة من الله له. والتكليم الأول لم يكن عن مواعدة. وفيه قال الله له: 7: 144 يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي أي بتكلمي لك بإجماع السلف.
وقد أخبر سبحانه في كتابه أنه ناداه وناجاه. فالنداء من بعد والنجاء من قرب. تقول العرب: إذا كبرت الحلقة فهو نداء أو نجاء وقال له أبوه آدم في محاجته «أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه، وخط لك التوراة بيده» . وكذلك يقول له أهل الموقف إذا طلبوا منه الشفاعة إلى ربه. وكذلك في حديث الإسراء في رؤية موسى في السماء السادسة أو السابعة، على اختلاف الرواية. قال «وذلك بتفضيله بكلام الله» ولو كان التكليم الذي حصل له من جنس ما حصل لغيره من الأنبياء لم يكن هذا التخصيص به في هذه الأحاديث معنى. ولا كان يسمى «كليم الرحمن» وقال تعالى: 42:
51 وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً، أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ، أَوْ يُرْسِلَ