الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القائل: قلبي غلاف، وقلوب المؤمنين العالمين غلف، أي أوعية للعلم.
والغلاف قد يكون وعاء للجيد والرديء. فلا يلزم من كون القلب غلافا أن يكون داخله العلم والحكمة. وهذا ظاهر جدا.
فإن قيل: فالإضراب: «بل» على هذا القول الذي قويتموه، ما معناه؟.
أما على القول الآخر فظاهر، أي ليست قلوبكم محلا للعلم والحكمة، بل مطبوع عليها.
قيل: وجه الإضراب في غاية الظهور. وهو انهم احتجوا بأن الله لم يفتح لهم الطريق إلى فهم ما جاء به الرسول ومعرفته، بل جعل قلوبهم داخلة في غلف فلا تفقهه. فكيف تقوم به عليهم الحجة؟ وكأنهم ادعوا أنّ قلوبهم خلقت في غلف، فهم معذورون في عدم الإيمان. فأكذبهم الله وقال: بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ وفي الآية الأخرى: 4: 154 بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فأخبر سبحانه أن الطبع والإبعاد عن توفيقه وفضله إنما كان بكفرهم الذي اختاروه لأنفسهم، وآثروه على الإيمان. فعاقبهم عليه بالطبع واللعنة.
والمعنى: لم يخلق قلوبهم غلفا لا تعي ولا تفقه، ثم أمرهم بالإيمان، وهم لا يفقهونه، بل اكتسبوا أعمالا عاقبناهم عليها بالطبع على القلوب والختم عليها.
[سورة البقرة (2) : آية 94]
قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (94)
هذه الآية فيها للناس كلام معروف.
قالوا: إنها معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم، أعجز بها اليهود، ودعاهم إلى تمني الموت، وأخبر أنهم لا يتمنونه أبدا. وهذا علم من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم، إذ لا
يمكن الاطلاع على بواطنهم إلا بإخبار عالم الغيب، ولن ينطق الله ألسنتهم بتمنيه أبدا.
وقالت طائفة: لما ادعت اليهود أن لهم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس. وأنهم أبناؤه وأحباؤه وأهل كرامته. كذبهم الله في دعواهم.
وقال: إن كنتم صادقين فتمنوا الموت، لتصلوا إلى الجنة دار النعيم. فإن الحبيب يتمنى لقاء حبيبه. ثم أخبر سبحانه أنهم لا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم من الأوزار والذنوب الحائلة بينهم وبين ما قالوه. فقال: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ.
وقالت طائفة، منهم محمد بن إسحاق «1» وغيره: هذه من جنس آية المباهلة. وأنهم لما عاندوا، ودفعوا الهدى عيانا، وكتموا الحق دعاهم إلى أمر يحكم بينهم وبينه. وهو أن يدعوا بالموت على الكاذب المفتري، والتمني: سؤال ودعاء، فتمنوا الموت: أي سلوه، وادعوا به على المبطل الكاذب المفتري.
وعلى هذا: فليس المراد تمنوه لأنفسكم خاصة، كما قاله أصحاب القولين الأولين بل ادعوا بالموت وتمنوه للمبطل. وهذا أبلغ في إقامة الحجة، وبرهان الصدق، وأسلم من أن يعارضوا بقولهم: فتمنوه
(1) هو محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي مولاهم المدني صاحب السيرة رأى أنسا وسمع الكثير من المقبري والأعرج وهذه الطبقة وكان بحرا من بحور العلم ذكيا حافظا طلابة للعلم أخباريا نسابة علامة. قال شعبة: هو أمير المؤمنين في الحديث. قال ابن معين:
هو ثقة وليس بحجة وقال أحمد بن حنبل هو حسن الحديث وقال ابن الأهدل: لا تجهل أمانته ووثقه الأكثرون في الحديث ولم يخرج له البخاري شيئا وخرج له مسلم حديثا واحدا من أجل طعن مالك فيه وإنما طعن فيه مالك لأنه بلغه أنه قال: هاتوا حيث مالك فأنا طبيب بعلله، ومن كتب ابن إسحاق أخذ عبد الملك بن هشام وكل من تكلم في السير فعليه اعتماده، توفي ببغداد سنة إحدى وخمسين ومائة. (انظر شذرات الذهب) . [.....]