الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْعالَمِينَ
ومعلوم أنهم لم يسوهم برب العالمين في الخلق والربوبية، وإنما سووهم به في المحبة والتعظيم.
هذا حال قلب المؤمن: توحيد الله وذكر رسوله مكتوبان فيه، لا يتطرق إليهما محو ولا إزالة. ولما كانت كثرة ذكر الشيء موجبة لدوام محبته، ونسيانه سببا لزوال محبته أو ضعفه. وكان الله سبحانه هو المستحق من عباده نهاية الحب مع نهاية التعظيم، بل الشرك الذي لا يغفره الله لعبده: هو أن يشرك به في الحب والتعظيم، فيحب غيره ويعظم من المخلوقات غيره كما يحب الله تعالى ويعظمه قال تعالى: 2: 165 وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ، وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ فأخبر سبحانه أن المشرك يحب الند كما يحب الله تعالى، وأن المؤمن أشد حبا لله من كل شيء. وقال أهل النار في النار: 26: 97، 98 تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ، إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ ومن المعلوم: أنهم إنما سووهم به سبحانه في الحب والتأليه والعبادة، وإلا فلم يقل أحد قط: إن الصنم أو غيره من الأنداد مساو لرب العالمين في صفاته وفي أفعاله، وفي خلق السموات والأرض، وفي خلق عابده أيضا. وإنما كانت التسوية في المحبة والعبادة.
وأيضا من هؤلاء وأسوأ حالا من سوّى كل شيء بالله سبحانه في الوجود، وجعله وجود كل موجود، كامل أو ناقص، فإذا كان الله قد حكم بالضلال والشقاء لمن سوّى بينه وبين الأصنام في الحب، مع اعتقاد تفاوت ما بين الله وبين خلقه في الذات والأوصاف والأفعال، فكيف بمن سوّى الله بالموجودات في جميع ذلك، بل كيف بمن جعل ربه كل هذه الموجودات؟
وزعم أن من عبد حجرا أو شجرا، أو حيوانا فما عبد غير الله في كل معبود.
[سورة البقرة (2) : آية 171]
وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَاّ دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ (171)
تضمن هذا المثل: ناعقا، أي مصوتا بالغنم وغيرها، ومنعوقا به.
وهو الدواب.
فقيل: الناعق العابد، وهو الداعي للصنم، والصنم: هو المنعوق به المدعو، وأن حال الكافر في دعائه كحال من ينعق بما لا يسمعه. هذا قول طائفة. منهم عبد الرحمن بن زيد «1» وغيره.
واستشكل صاحب الكشاف وجماعة معه هذا القول، وقالوا قوله:
إِلَّا دُعاءً وَنِداءً لا يساعد عليه. لأن الأصنام لا تسمع دعاء ولا نداء.
وقد أجيب عن هذا الاستشكال بثلاثة أجوبة.
أحدها: أن «إلّا» زائدة. والمعنى بما لا يسمع دعاء ونداء.
قالوا: وقد ذكر ذلك الأصمعي في قول الشاعر:
حراجيج ما تنفك إلا مناخة
أي ما تنفك مناخة. وهذا جواب فاسد. فإن «إلا» لا تزاد في الكلام المثبت.
الجواب الثاني: أن التشبيه وقع في مطلق الدعاء، لا في خصوصيات المدعو.
الجواب الثالث: أن المعنى: أن مثل هؤلاء في دعائهم آلهتهم التي لا تفقه دعاءهم كمثل الناعق بغنمه فلا ينتفع من نعيقه بشيء، غير أنه هو في دعاء ونداء. وكذلك المشرك ليس من دعائه وعبادته وليه الميت إلا العناء.
وقيل: المعنى: ومثل الذين كفروا كالبهائم التي لا تفقه مما يقول الراعي أكثر من الصوت. فإن الراعي هو داعي الكفار، والكفار هم البهائم المنعوق بها.
(1) هو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدوي العمري مولاهم المدني روي عن أبيه وجماعة وهو ضعيف كثير الحديث توفي سنة اثنتين وثمانية ومائة. (انظر شذرات الذهب) .