الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة النور
بسم الله الرحمن الرحيم
[سورة النور (24) : آية 35]
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (35)
قال أبي بن كعب «1» : مثل نوره في قلب المسلم. وهذا هو النور الذي أودعه الله في قلب عبده من معرفته ومحبته والإيمان به وذكره. وهو نوره الذي أنزله إليهم فأحياهم به، وجعلهم يمشون به بين الناس. وأصله في قلوبهم، ثم تقوى مادته فتتزايد حتى تظهر على وجوههم وجوارحهم وأبدانهم، بل وثيابهم ودورهم، يبصره من هو من جنسهم، وإن كان سائر الخلق له منكر فإذا كان يوم القيامة برز ذلك النور، وصار بأيمانهم يسعى بين أيديهم في ظلمة
(1) أبي بن كعب: أخد الأربعة الذين جمعوا القرآن توفي سنة إثنين وعشرين للهجرة.
الجسر حتى يقطعوه وهم فيه على حسب قوته وضعفه في قلوبهم في الدنيا.
منهم من نوره كالشمس، وآخر كالقمر، وآخر كالنجوم، وآخر كالسراج، وآخر يعطي نورا على إبهام قدمه يضيء مرة ويطفأ أخرى، إذ كانت هذه حال نوره في الدنيا، فأعطي على الجسر بمقدار ذلك، بل هو نفس نوره ظهر له عيانا ولما لم يكن للمنافق نور ثابت في الدنيا، بل كان نوره ظاهرا لا باطنا أعطى نورا ظاهرا ماله؟؟؟ إلى الظلمة والذهاب.
وضرب الله عز وجل لهذا النور ومحله وحامله ومادته مثلا بالمشكاة وهي الكوّة في الحائط فهي مثل الصدر، وفي تلك المشكاة زجاجة من أصفى الزجاج حتى شبهت بالكوكب الدري في بياضه وصفائه. وهي مثل القلب وشبه بالزجاجة لأنها جمعت أوصافا هي في قلب المؤمن، وهي الصفاء والرقة والصلابة فيرى الحق والهدى بصفائه وتحصل منه الرأفة والرحمة والشفقة برقته، ويجاهد أعداء الله تعالى ويغلظ عليهم ويشتد في الحق، ويصلب فيه بصلابته، ولا تبطل صفة منه صفة اخرى ولا تعارضها بل تساعدها وتعاضدها 48: 29 أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ وقال تعالى: 3: 159 فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ، وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ وقال تعالى: 66: 9 يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ.
وفي أثر «القلوب آنية الله تعالى في أرضه، فأحبها إليه أرقها وأصلبها وأصفاها» .
وبإزاء هذا القلب قلبان مذمومان على طرفي نقيض.
أحدهما: قلب حجري قاس، لا رحمة فيه، ولا إحسان ولا بر، ولا له صفاء يرى به الحق، بل جبار جاهل، لا علم له بالحق ولا رحمة فيه للخلق.
وبإزائه قلب ضعيف مائي لا قوة ولا استمساك، بل يقبل كل صورة وليس له قوة حفظ تلك الصور، ولا قوة التأثير في غيره. وكل ما خالطه أثر فيه من قوي وضعيف، وطيب وخبيث.
وفي الزجاجة مصباح، وهو النور الذي في الفتيلة، وهي حاملته.
ولذلك النور مادة وهو زيت قد عصر من زيتونة في أعدل الأماكن تصيبها الشمس أول النهار وآخره، فزيتها من أصفى الزيت وأبعده من الكدر، حتى أنه ليكاد من صفائه يضيء بلا نار.
فهذه مادة نور المصباح. وكذلك مادة نور المصباح الذي في قلب المؤمن: هو من شجرة الوحي التي هي أعظم الأشياء بركة، وأبعدها عن الانحراف، بل هي أوسط الأمور وأعدلها وأفضلها، لم تنحرف انحراف النصرانية، ولا انحراف اليهودية بل هي وسط بين الطرفين المذمومين في كل شيء.
فهذه مادة مصباح الإيمان في قلب المؤمن.
ولما كان ذلك الزيت قد اشتد صفاؤه حتى كاد أن يضيء بنفسه، ثم خالط النار فاشتدت بها إضاءته وقويت مادة ضوء النارية فيه كان ذلك نورا على نور.
وهكذا المؤمن: قلبه مضيء يكاد يعرف الحق بفطرته وعقله، ولكن لا مادة له من نفسه، فجاءت مادة الوحي فباشرت قلبه. وخالطت بشاشته فازداد نورا بالوحي على نوره الذي فطره الله تعالى عليه. فاجتمع له نور الوحي إلى نور الفطرة. نور على نور، فيكاد ينطق بالحق، وإن لم يسمع فيه أثرا، ثم يسمع الأثر مطابقا لما شهدت به فطرته، فيكون نورا على نور.
فهذا شأن المؤمن يدرك الحق بفطرته مجملا، ثم يسمع الأثر جاء به مفصلا، فينشأ إيمانه عن شهادة الوحي وعن شهادة الفطرة.
فليتأمل اللبيب هذه الآية العظيمة ومطابقتها لهذه المعاني الشريفة فقد ذكر سبحانه وتعالى نوره في السموات والأرض، ونوره في قلب عباده المؤمنين: النور المعقول المشهور بالبصائر والقلوب، والنور المحسوس المشهود بالأبصار الذي استنارت به أقطار العالم العلوي والسفلي. فهما نوران عظيمان، وأحدهما أعظم من الآخر.
وكما أنه إذا فقد أحدهما من مكان أو موضع لم يعش فيه آدمي ولا غيره، لأن الحيوان إنما يكون حيث يكون النور، ومواضع الظلمة التي لا يشرق عليها نور لا يعيش فيها حيوان ولا يكون البتة، فكذلك أمة فقد فيها نور الوحي والايمان ميتة ولا بد، وقلب فقد منه هذا النور: ميت ولا بد، لا حياة له البتة، كما لا حياة للحيوان في مكان لا نور فيه.
24: 35 اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ، الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ، لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ، يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ. نُورٌ عَلى نُورٍ، يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ. وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ. وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
وقد فسر قوله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بكونه منور السموات والأرض، وهادي أهل السموات والأرض، فبنوره اهتدي أهل السموات والأرض.
وهذا إنما هو فعله، وإلا فالنور الذي هو من أوصافه قائم به. ومنه اشتق له اسم النور، الذي هو أحد الأسماء الحسنى.
والنور يضاف إليه سبحانه على أحد وجهين: إضافة صفة إلى موصوفها، وإضافة مفعول إلى فاعله.
فالأول كقوله عز وجل: 39: 69 وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها فهذا إشراقها يوم القيامة بنوره تعالى، إذا جاء لفصل القضاء.
ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء المشهور «أعوذ بنور وجهك الكريم: أن تضلّني. لا إله إلا أنت» .
وفي الأثر الآخر «أعوذ بوجهك، أو بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات» .
فأخبر صلى الله عليه وسلم: أن الظلمات أشرقت لنور وجه الله، كما أخبر تعالى: أن الأرض تشرق يوم القيامة بنوره.
وفي معجم الطبراني والسنة له، وكتاب عثمان بن سعيد الدرامي وغيرها: عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال «ليس عند ربكم ليل ولا نهار، نور السموات والأرض من نور وجهه» .
وهذا الذي قاله ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أقرب إلى تفسيره الآية من قول من فسرها بأنه هادي أهل السموات والأرض.
وأما من فسرها بأنه منوّر السموات والأرض فلا يتنافى بينه وبين قول ابن مسعود.
والحق أنه نور السموات والأرض بهذه الاعتبارات كلها.
وفي صحيح مسلم وغيره من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال «قام بيننا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات، فقال: إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» .
وفي صحيح مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل رأيت ربك؟ قال: نور. أنّي أراه» .