الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
اغمض، أي لا تستقص. كأنك لا تبصر. وحقيقته: من إغماض الجفن، فكأن الرائي لكراهته له لا يملأ عينه منه بل يغمض من بصره ويغمض عنه بعض نظره بغضا، ومنه قول الشاعر:
لم يفتنا بالوتر قوم وللضي
…
م رجال يرضون بالإغماض
وفيه معنيان:
أحدهما: كيف تبذلون لله وتهدون له ما لا ترضون ببذله لكم ولا يرضى أحدكم من صاحبه أن يهديه له؟ والله أحق من يختار له خيار الأشياء وأنفسها.
والثاني: كيف تجعلون له ما تكرهون لأنفسكم، وهو سبحانه طيب لا يقبل إلا طيبا؟.
ثم ختم الآيتين بصفتين يقتضيهما سياقهما، فقال: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ فغناه وحمده يأبيان قبوله الرديء، فإن قابل الرديء الخبيث إما أن يقبله لحاجته إليه، وإما أن نفسه لا تأباه لعدم كمالها وشرفها، وأما الغني عنه الشريف القدر الكامل الأوصاف فإنه لا يقبله.
[سورة البقرة (2) : آية 268]
الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (268)
هذه الآية تتضمن الحض على الإنفاق والحث عليه بأبلغ الألفاظ وأحسن المعاني. فإنها اشتملت على بيان الداعي إلى البخل، والداعي إلى البذل والإنفاق وبيان ما يدعو إليه داعي البخل، وما يدعو إليه داعي الإنفاق، وبيان ما يدعو به داعي الأمرين.
فأخبر سبحانه أن الذي يدعوهم إلى البخل والشح هو الشيطان وأخبر أن دعوته هي بما يعدهم به ويخوفهم من الفقر إن أنفقوا أموالهم. وهذا هو الداعي الغالب على الخلق. فإن أحدهم يهم بالصدقة والبذل فيجد في قلبه
داعيا يقول له: متى أخرجت هذا دعتك الحاجة إليه، وافتقرت إليه بعد إخراجه، وإمساكه خير لك، حتى لا تبقى مثل الفقير، فغناك خير لك من غناه. فإذا صور له هذه الصورة أمره بالفحشاء وهي البخل الذي هو من أقبح الفواحش. وهذا إجماع من المفسرين: أن الفحشاء، هنا البخل. فهذا وعده وهذا أمره. وهو الكاذب في وعده، الغار الفاجر في أمره. فالمستجيب لدعوته مغرور مخدوع مغبون. فإنه يدلي من يدعوه بغروره. ثم يورده شر الموارد، كما قيل:
دلاهم بغرور، ثم أوردهم
…
إن الخبيث لمن والاه غرار
هذا وإن وعده له الفقر ليس شفقة عليه، ولا نصيحة له، كما ينصح الرجل أخاه ولا محبة في بقائه غنيا، بل لا شيء إليه من فقره وحاجته. وإنما وعده له بالفقر وأمره إياه بالبخل ليسيء ظنه بربه، ويترك ما يحبه من الإنفاق لوجهه، فستوجب منه الحرمان.
وأما الله سبحانه إنه يعد عبده مغفرة منه لذنوبه، وفضلا بأن يخلف عليه أكثر مما أنفق وأضعافه أما في الدنيا أو في الدنيا والآخرة.
فهذا وعد، الله وذاك وعد الشيطان. فلينظر البخيل والمنفق أيّ الوعدين هو أوثق؟ وإلى أيهما يطمئن قلبه وتسكن نفسه؟ والله يوفق من يشاء ويخذل من يشاء. وهو الواسع العليم.
وتأمل كيف ختم هذه الآية بهذين الأسمين وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ فإنه واسع العطاء عليم بمن يستحق فضله ومن يستحق عدله، فيعطي هذا بفضله، ويمنع هذا بعدله. وهو بكل شيء عليم.
فتأمل هذه الآيات ولا تستطل بسط الكلام فيها فإن لها شأنا لا يعقله إلا من عقل عن الله خطابه وفهم مراده 29: 43 وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ.
وتأمل ختم هذه السورة، التي هي سنام القرآن بأحكام الأموال وأقسام الأغنياء وأحوالهم. وكيف قسمهم إلى ثلاثة أقسام: محسن، وهم المتصدقون. فذكر جزاءهم ومضاعفته، ومالهم في قرض أموالهم للمليء الوفي سبحانه، ثم حذرهم مما يبطل ثواب صدقاتهم ويحرقها بعد استوائها وكمالها من المن والأذى، وحذرهم مما يمنع ترتب أثرها عليها ابتداء من الرياء. ثم أمرهم أن يتقربوا إليه بأطيبها، ولا يتيمموا أردأها وخبيثها. ثم حذرهم من الاستجابة لداعي البخل والفحش، وأخبر أن استجابتهم لدعوته سبحانه وثقتهم بوعده أولي بهم. وأخبر أن هذا من حكمته التي يؤتيها من يشاء من عباده، وأن من أوتيها فقد أوتى خيرا كثيرا: أوتي ما هو خير وأفضل من الدنيا كلها، لأنه سبحانه وصف الدنيا بالقلة، فقال تعالى: قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وقال تعالى: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً فدل على أن ما يؤتيه الله عبده من حكمته خير له من الدنيا وما عليها، ولا يعقل هذا كل أحد، بل لا يعقله إلا من له لب وعقل زكي. فقال تعالى:
وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ.
ثم أخبر أن كل ما أنفقوه من نفقة أو تقربوا به إليه من نذر فإنه يعلمه، فلا يضيع لديه، بل يعلم ما كان منه لوجهه فيتولى هو سبحانه مجازاته من واسع فضله ويكل جزاء من عمل لغيره إلى من عمل له فإنه ظالم لنفسه وما له من نصير.
ثم أخبر سبحانه عن أحوال المتصدقين لوجهه في صدقاتهم، وأنه يثيبهم عليها، إن أبدوها أو كتموها بعد أن تكون خالصة، لوجهه فقال:
إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ أي فنعم شيء هي، وهذا مدح لها موصوفة بكونها ظاهرة بادية، فلا يتوهم مبديها بطلان أثره وثوابه، فيمنعه ذلك من إخراجها، وينتظر بها الإخفاء، فتفوت أو تعترضه الموانع ويحال بينه وبين قلبه، أو بينه وبين إخراجها. فلا يؤخر صدقته العلانية بعد حضور وقتها إلى