الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بالبعث وإنكارهم له. والعجب: تغير النّفس واندهاشها حين رؤية ما يستبعد في العادة. {أَإِذا كُنّا تُراباً أَإِنّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} هذا استفهام إنكاري، ينكرون فيه إمكان إعادة الخلق بالبعث، وفاتهم أن القادر على إنشاء الخلق وما تقدم على غير مثال قادر على إعادتهم.
{الْأَغْلالُ} جمع غل: وهو طوق حديدي تشد به اليدان إلى العنق. {بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ} بالعذاب قبل السّلامة. {الْمَثُلاتُ} جمع مثلة بوزن سمرة: وهي العقوبة، أي مضت عقوبات أمثالهم من المكذبين، فما لهم لم يعتبروا بها، فلا يستهزءوا. وسميت مثلة لما بين العقاب والجريمة من المماثلة، كما قال تعالى:{وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها} [الشّورى 40/ 42] ومنه سمي عقاب القاتل قصاصا، لما فيه من المماثلة. {مَغْفِرَةٍ} الغفر والمغفرة: السّتر، بالإمهال وتأخير العقاب إلى الآخرة. {عَلى ظُلْمِهِمْ} أي مع ظلمهم، وإلا لم يترك على ظهرها دابة. {لَشَدِيدُ الْعِقابِ} لمن عصاه.
{لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ} هلا أنزل على محمد. {آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ} آية حسية كقلب عصا موسى حية، وجعل يده بيضاء مشعة كالشمس، وناقة صالح. {مُنْذِرٌ} مخوف الكافرين، وليس عليك إتيان الآيات، والإنذار: التخويف. {وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ} الهادي: الذي يرشد النّاس إلى الخير والحق والصواب كالأنبياء والحكماء والعلماء، أي لكل قوم نبي يدعوهم إلى ربهم بما يعطيه إياهم من الآيات، لا بما يقترحون، وهو مدعم عادة بمعجزة من جنس ما هو الغالب عليهم.
المناسبة:
أقام الله تعالى في الآيات السّابقة الأدلة السّماوية والأرضية على قدرته، ليثبت للناس أن من كانت قدرته وافية بهذه الأشياء العظيمة، كيف لا تكون وافية بإعادة الإنسان بعد موته، لأن القادر على الأقوى الأكمل، فإنه قادر بالأولى على الأقل الأضعف:{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى} [الأحقاف 33/ 46].
ثم حكى هنا إنكار المشركين للبعث والقيامة، وأتبعه بحكاية حماقة أخرى وهي استعجالهم العذاب، وأردفه بطلباتهم إنزال آيات حسية للتعجيز.
التفسير والبيان:
وإن تعجب أيها الرّسول من تكذيب هؤلاء المشركين لك، وعبادتهم
ما لا يضر وما لا ينفع من الأصنام، مع ما يشاهدونه من آيات الله تعالى ودلائله في خلقه على أنه القادر على ما يشاء، ومع اعترافهم من أنه ابتدأ خلق الأشياء، فكونها بعد أن لم تكن شيئا مذكورا، إن تعجب من ذلك، فالأعجب منه والأغرب تكذيبهم بالبعث والقيامة، وقولهم: هل تمكن الإعادة بعد الفناء والبلى والصيرورة ترابا؟ وقد تكرر منهم هذا الاستفهام الإنكاري في أحد عشر موضعا، في تسع سور من القرآن: في الرعد، والإسراء، والمؤمنون، والنّحل، والعنكبوت، والسّجدة، والصافات، والواقعة، والنّازعات.
مع أن كل عالم وعاقل يعلم أن خلق السّموات والأرض أكبر من خلق النّاس، وأن من بدأ الخلق فالإعادة عليه أسهل، كما قال تعالى:{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ، وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى، بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الأحقاف 33/ 46].
ثم حكم الله تعالى حكمه عليهم بأحكام ثلاثة بقوله: {أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ} أي أولئك الكافرون الذين جحدوا بربهم، وكذبوا رسوله، وتمادوا في عنادهم وضلالهم؛ لأن إنكار قدرة الله تعالى إنكار له. وهذا يدل على أن كل من أنكر البعث والقيامة، فهو كافر.
وأولئك المقيدون بالسلاسل والأغلال يسحبون بها، قال أبو حيان:
والظاهر أن الأغلال تكون حقيقية في أعناقهم كالأغلال
(1)
، كما قال:{إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ، وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ} [غافر 71/ 40] وهذا حقيقة، وحمل الكلام على الحقيقة أولى.
وهم أصحاب النّار الخالدون فيها في الآخرة بقوله: {وَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ.} .
(1)
البحر المحيط: 366/ 5
أي وأولئك أهل النّار الملازمون لها، المستحقون دخولها، الماكثون فيها أبدا لا يحولون عنها ولا يزولون بسبب كفرهم وإنكارهم البعث وتكذيبهم الرسول:{كَلاّ، بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين 14/ 83] والمراد بذلك التهديد بالعذاب المخلد المؤبد. وهذا يدل على أن العذاب المخلد ليس إلا للكفار بهذه الآية.
ولم يقتصر تكذيبهم الرسول على إنكار عذاب الآخرة، وإنما أنكروا أيضا عذاب الدّنيا، فقال تعالى:{وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ} أي ويستعجلك هؤلاء المكذبون بالعقوبة قبل السّلامة منها والعافية من بلائها، كما قال تعالى:{سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ} [المعارج 1/ 70] وقال: {وَإِذْ قالُوا: اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ، فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ} [الأنفال 32/ 8] وقال:
{وَقالُوا: رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ} [ص 16/ 38] أي عجّل لنا عقابنا وحسابنا.
{وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ} أي قد أوقعنا نقمنا بالأمم الخالية وجعلناهم عبرة وعظة لمن اتعظ بهم، وبعبارة أخرى: ويستعجلونك بالعقاب مستهزئين بإنذارك، والحال أنه قد مضت العقوبات النّازلة على أمثالهم من المكذبين، كالرجفة والخسف والطوفان ونحوها.
{وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ.} . أي إنه تعالى ذو عفو وصفح وستر للناس على ذنوبهم، مع أنهم يظلمون، ويخطئون باللّيل والنّهار، ولولا حلمه وعفوه لعجل لهم العذاب فور ارتكاب الذنب، كما قال:{وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا، ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ} [فاطر 45/ 35] وقال: {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ، لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا، لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ، بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً} [الكهف 58/ 18].
والخلاصة: إن الله يغفر للنّاس مع ظلمهم أنفسهم باكتساب الذنوب، أي ظالمين أنفسهم، قال ابن عباس: ليس في القرآن آية أرجى من هذه.
{وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ} أي وإنه تعالى شديد العقاب للعصاة.
ويلاحظ أنه تعالى قرن حكم المغفرة والرحمة بأنه شديد العقاب، كما هو شأن القرآن كثيرا، ليعتدل الرجاء والخوف، وليكون الإنسان بين الأمل والحذر، كما قال تعالى:{فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ: رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ، وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} [الأنعام 147/ 6] وقال: {نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ} [الحجر 49/ 15 - 50] وقال: {إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأعراف 167/ 7] ونحو ذلك من الآيات التي تجمع بين الرجاء والخوف.
روى ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيّب قال: لما نزلت هذه الآية: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ} الآية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«لولا عفو الله ورحمته وتجاوزه، ما هنأ أحدا العيش، ولولا وعيده وعقابه لاتّكل كل أحد» .
ثم ذكر الله تعالى ما طالب به المشركون النّبي صلى الله عليه وسلم من معجزة حسية كالأنبياء السّابقين بقصد التعجيز والإصرار على الكفر والطعن في النّبوة والتشكيك في صحتها فقال: {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا.} . أي يقول المشركون كفرا وعنادا:
لولا يأتينا بآية من ربه كما أرسل الأولون، مثل عصا موسى، وناقة صالح، ومائدة عيسى، فيجعل لنا الصفا ذهبا، وأن يزيح عنا الجبال، ويجعل مكانها مروجا وأنهارا.
فرد الله عليهم الشّبهة بآية أخرى: {وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ} [الإسراء 59/ 17] أي نخشى تطبيق العقاب على المكذبين، فإن