الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المفردات اللغوية:
{أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي} أجعله خالصا لنفسي دون شريك. {فَلَمّا كَلَّمَهُ} أي فلما أتوا به فكلّمه، وشاهد منه الرّشد والدّهاء. {مَكِينٌ} ذو مكانة ومنزلة. {أَمِينٌ} مؤتمن على كلّ شيء.
{خَزائِنِ الْأَرْضِ} أرض مصر. {إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} ذو حفظ وعلم بأمرها، وقيل: كاتب حاسب.
{وَكَذلِكَ} أي كإنعامنا عليه بالخلاص من السّجن. {فِي الْأَرْضِ} أرض مصر. {يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ} ينزل من بلاد مصر أي مكان أراد، فصار صاحب الأمر والحكم بعد الضّيق والحبس. وفي القصّة كما يقول السّيوطي: أن الملك توّجه وختّمه وولاه مكان العزيز، وعزله، ومات بعد، فزوّجه امرأته، فوجدها عذراء، وولدت له ولدين، وأقام العدل بمصر، ودانت له الرّقاب.
{نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ} في الدّنيا والآخرة. {وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} بل نوفّي أجورهم عاجلا وآجلا. {وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ} من أجر الدّنيا. {وَكانُوا يَتَّقُونَ} الشّرك والفواحش، لعظمه ودوامه.
المناسبة:
بعد أن تحقق الملك الأكبر من أمر النّسوة بناء على طلب يوسف عليه السلام، وظهرت له براءته وعفّته، طلب إحضاره إليه من السّجن، ليصطفيه لنفسه، فلما سمع منه تعبير رؤياه، أعجب به وبعلمه وحسن أدبه، وأعزّه وأنزله لديه مكانة عالية، وآمنه على نفسه، وائتمنه على كلّ شيء، وسلّمه مقاليد الحكم والسّلطة، وفوّض إليه تصريف وإدارة الأمور السياسيّة والماليّة في جميع أنحاء مصر.
التفسير والبيان:
المراد بالملك هنا: الملك الأكبر، وليس العزيز على الرّأي الرّاجح، لطلب يوسف منه أن يجعله على خزائن الأرض، ولأنه كان قبل ذلك خالصا للعزيز، والآن يريد الملك الأكبر (الرّيان بن الوليد) استخلاصه لنفسه.
والمعنى: وقال الملك: أحضروه إليّ من سجنه، أجعله من خاصّتي وأهل مشورتي وموضع ثقتي، فلما خاطبه الملك وتعرّف عليه، ورأى فضله وعلمه وبراعته، وحسن أدبه، وسموّ أخلاقه، قال له: إنك عندنا اليوم وما بعده أصبحت ذا مكانة وعزّة وأمانة تؤتمن على كلّ شيء في أمور الحكم، وصاحب التّصرف التّام في شؤون البلاد.
روي أن يوسف لما خرج من السّجن اغتسل وتنظّف ولبس ثيابا جددا، فلما دخل على الملك قال: اللهم إني أسألك من خيره، وأعوذ بعزّتك وقدرتك من شرّه، ثم سلّم عليه بالعربيّة، فقال الملك: ما هذا اللسان؟ فقال: لسان عمي إسماعيل، ودعا له بالعبريّة، فقال: ما هذا اللسان؟ قال: لسان آبائي.
وكان إبراهيم وأولاده وحفدته من العرب القحطانيين، وكان ملوك مصر من العرب الذين يسمون بالرّعاة (الهكسوس).
قال يوسف: اجعلني أيها الملك على خزائن الأرض: وهي الخزن التي تخزن فيها الغلال، وهي الأهرام التي يجمع فيها الغلاّت لما يستقبلونه من السّنين التي أخبرهم بشأنها، أي ولّني عليها، لأشرف عليها، وأتصرّف فيها حتى أجعل توازنا اقتصاديا بين سنوات الخصب وسني القحط، فأنقذ البلاد من المجاعة التي تهدد أهلها، بحسب الرؤيا التي رأيت؛ لأني حفيظ عليم، أي خازن أمين، ذو علم وبصيرة بما يتولاه. وفي هذا إيماء لأهمية التّخطيط والتّنظيم المالي وإقامة التوازن بين الموارد الماليّة والنفقات.
فأجابه الملك إلى طلبه، وجعله وزير المال والخزانة، وأطلق له سلطة التّصرف في شؤون الحكم، لما لمس لديه من رجاحة عقل، وخبرة وضبط وسياسة، وحسن تصرّف، وقدرة على إحكام النّظام.
{وَكَذلِكَ مَكَّنّا.} . أي ومثل هذا الإنعام الذي أنعمنا على يوسف في
تقريبه إلى قلب الملك، وإنجائه من السّجن، مكّنّا له في الأرض، أي أقدرناه على ما يريد، وجعلنا له مكانة ومنزلة في أرض مصر، فانتقل من كونه مملوكا إلى أن أصبح مالكا آمرا ناهيا، ذا نفوذ وسلطة، مطاعا بعد أن كان تابعا لغيره مطواعا، حرّا طليقا بعد أن كان سجينا أسيرا، وذلك لما تحلّى به من صبر، وإطاعة لله عز وجل، وعفّة وخلق وعقل حكيم، فإنه صبر على أذى إخوته، وفي الحبس بسبب امرأة العزيز، وعفّ عن السّوء والفحشاء، وامتنع من اقتراف المنكر، فأعقبه الله النّصر والتّأييد، وأصبح في منصب سيّده السّابق الذي اشتراه من مصر، العزيز زوج التي راودته، قال مجاهد: وأسلم الملك على يدي يوسف عليه السلام.
وما أضاعه ربّه ورحمه وصانه، والله تعالى يخصّ برحمته من يشاء ورحمته وسعت كل شيء، فيعطي الملك والغنى والصّحة ونحوها من يريد من عباده.
وقوله تعالى: {بِرَحْمَتِنا} أي بإحساننا، والرّحمة: النّعمة والإحسان.
{وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} أي لا نضيع ثواب الذين يحسنون أعمالهم، فنمنحهم في الدّنيا سعادة وعزّا ومكانة، وفي الآخرة خلودا في الجنان.
{وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ.} . أي إنّ ثواب الآخرة للمؤمنين الأتقياء، وهو التّنعم في الجنان خير وأعظم وأكثر من خير الدّنيا وما فيها من متاع العزّ والسّلطان، والجاه والملك، والمال والزّينة ونحو ذلك.
والله تعالى يخبر بهذا أن ما ادّخره لنبيّه يوسف عليه السلام في الدّار الآخرة أعظم وأكثر وأجلّ مما أنعم عليه من التّصرّف والنّفوذ في الدّنيا، كقوله في حقّ سليمان عليه السلام:{هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ. وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ} [ص 39/ 38 - 40].
ومن جمع له الله السّعادتين في الدّنيا والآخرة، كان فضل الله عليهم أكثر،