الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثم أنذر الله كفار قريش وأمثالهم بالعقاب والعذاب إن لم يؤمنوا، فإن سنّة لله في عباده واحدة أنهم إن لم يؤمنوا، حلّ بهم العذاب.
ثم ذكر تعالى أن قصة يوسف عليه السلام مع أبيه وإخوته عبرة لذوي العقول والأفكار.
التّفسير والبيان:
ختمت سورة يوسف بهذه الخاتمة الدّالّة على وجوب الاتّعاظ والاعتبار بقصته المؤثرة الحادثة بين كنعان ومصر، وفي ألوان متعددة، تبتدئ بإلقائه في الجبّ، ثم صيرورته في بيت العزيز، ثم في السّجن، ثم في أعلى مناصب الحكم، وصف فيها كيد الإخوة وحسدهم، ومكر النّساء وكيدهنّ، وصبر يوسف عليه السلام وحكمته ومهارته في إدارة الحكم، وأخلاقه وتسامحه مع إخوته، وتعظيمه أبويه.
والمعنى: وما أرسلنا يا محمّد من قبلك رسلا إلا رجالا، لا ملائكة ولا إناثا، وكانوا من أهل المدن لا من البوادي، وكنّا ننزل عليهم الوحي والتّشريع.
وهذا يدلّ على أن الله أرسل الرّسل من الرّجال، لا من النّساء، فلم تكن امرأة قط نبيّا ولا رسولا، وعلى اختيار الرّسل من أهل المدينة، فلم يبعث الله رسولا من أهل البادية، لتتبعهم المدن الأخرى، ولأن أهل البادية فيهم الجهل والجفاء، وأن أهلا لمدن أرق طباعا وألطف من أهل البوادي، ولهذا قال تعالى:
{الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً} [التّوبة 97/ 9].
قال ابن كثير: وزعم بعضهم أن سارّة امرأة الخليل، وأم موسى، ومريم بنت عمران أم عيسى نبيّات، واحتجّوا بأن الملائكة بشّرت سارّة بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، وبقوله:{وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ} [القصص 7/ 28] وبأنّ الملك جاء إلى مريم فبشّرها بعيسى عليه السلام، وبقوله تعالى: {وَإذْ
قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ} [آل عمران 3/ 42 - 43] وهذا القدر حاصل لهن، ولكن لا يلزم من هذا أن يكنّ نبيّات بذلك
(1)
.
ثم هدد الله المشركين على تكذيبهم بالرّسول صلى الله عليه وسلم فقال متعجّبا: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ.} . أي أفلم يسر هؤلاء المكذّبون لك يا محمّد في الأرض، فينظروا ويروا كيف كان مصير الأمم المكذّبة للرّسل، كيف دمّر الله عليهم، كقوم نوح وهود وصالح ولوط، وللكافرين أمثالها، فإن عاقبة الكافرين الهلاك، وعاقبة المؤمنين النّجاة.
ثم حضّ الله تعالى على العمل لدار الآخرة والاستعداد لها واتّقاء المهلكات فقال: {وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا} أي إن الدّار الآخرة خير للذين خافوا الله فلم يشركوا به ولم يعصوه، فهي أفضل من هذه الدّار للمشركين المكذّبين بالرّسل، أي وكما نجّينا المؤمنين في الدّنيا، كذلك كتبنا لهم النّجاة في الدّار الآخرة، وهي خير لهم من الدّنيا بكثير؛ فإن نعيم الآخرة أكمل من نعيم الدّنيا، وأبقى وأخلد.
{أَفَلا تَعْقِلُونَ} أي أجهلتم؟ فلا تعقلون أيها المكذّبون بالآخرة، فإنكم لو عقلتم ذلك لآمنتم.
ثم بشر الله نبيّه بالنّصر بإخباره أن نصره تعالى ينزل على رسله عليهم السلام عند ضيق الحال واشتداد الأزمة وانتظار الفرج من الله تعالى في أحرج الأوقات إليه، فقال:{حَتّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ.} . فيه محذوف، أي وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم، فبلغوا أقوامهم رسالتهم الدّاعية إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له، فكذّبوهم وتمادى أقوامهم في الطغيان والكفر والعناد،
(1)
تفسير ابن كثير: 496/ 2
فتراخى نصرهم، حتى أيس الرّسل من إيمانهم أو من النّصر عليهم، لانهماكهم في الكفر، وظنّت (أيقنت) الأمم أن الرّسل أخلفوا فيما وعدوهم به من النّصر، وكذّبوهم فيما أخبروهم به عن الله من وعد النّصر، فجاءهم نصرنا، أي أتاهم نصر الله فجأة، فنجّي من نشاء وهم النّبي والمؤمنون، وحلّ العقاب بالمكذّبين الكافرين، ولا يردّ بأسنا، أي لا يمنع عقاب الله وبطشه عن القوم الذين أجرموا، فكفروا بالله وكذّبوا رسله.
والمعنى على قراءة {كُذِبُوا} بالتّشديد: وظنّ الرّسل أن القوم قد كذّبوهم تكذيبا لا إيمان بعده فيما أو عدوهم.
وهذا تهديد ووعيد لكفار قريش وأمثالهم لعدم إيمانهم بالنّبي صلى الله عليه وسلم.
وللآية نظائر كثيرة في القرآن الكريم منها ما اشتمل على وعد الله الرّسل بالنّصر: {إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا} [غافر 51/ 40]، وقوله تعالى:{كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي، إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [المجادلة 21/ 58]، ومنها استنجاز النّصر:{وَزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ، مَتى نَصْرُ اللهِ، أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ} [البقرة 214/ 2].
ومنها بيان سبب العقاب وهو الظّلم والكفر: {أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ، أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ، فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ، وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [التّوبة 70/ 9].
ومنها تقرير سنّة الله الواحدة في عباده وإلحاق النّظائر والأشباه بأمثالها، وأنه لا ظلم فيها ولا محاباة، فكفار قريش مثل الكفار السّابقين في استحقاقهم العذاب لارتكابهم سببه وهو الكفر:{أَكُفّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ، أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ} [القمر 43/ 54].
ونقل تفسير الآية على قراءة التّشديد: {كُذِبُوا} على النّحو السّابق عن
عائشة، روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لابن أختها عروة بن الزّبير، وهو يسألها عن قول الله تعالى:{حَتّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ} الآية:
«معاذ الله لم تكن الرّسل تظنّ ذلك بربّها، هم أتباع الرّسل الذين آمنوا بربّهم وصدّقوهم، فطال عليهم البلاء، واستأخر عنهم النّصر، حتى إذا استيأس الرّسل ممن كذّبهم من قومهم، وظنّت الرّسل أنّ أتباعهم قد كذّبوهم، جاءهم نصر الله عند ذلك» . وأنكرت عائشة المعنى على قراءة التّخفيف. وقال الرّازي عن تأويل عائشة: وهو أحسن الوجوه المذكورة في الآية.
ونقل تفسير الآية على قراءة التّخفيف {كُذِبُوا} عن ابن عباس وابن مسعود، قال ابن عباس:«لما أيست الرّسل أن يستجيب لهم قومهم، وظنّ قومهم أن الرّسل قد كذبوهم، جاءهم النّصر على ذلك» ، وقال ابن مسعود في آية:{حَتّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ} : من إيمان قومهم أن يؤمنوا بهم، وظن قومهم حين أبطأ الأمر أنهم قد كذبوا، بالتخفيف. وهذا هو المشهور عن الجمهور
(1)
.
والخلاصة: على قراءة التّخفيف، الضمير في {وَظَنُّوا} عائد على المرسل إليهم، لتقدّمهم في الذّكر في قوله تعالى:{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} فيكون الضّمير عائدا إلى الذين من قبلهم من مكذّبي الرّسل، والظّن هاهنا بمعنى التّوهم والحسبان. والمعنى: وظنّ المرسل إليهم أنهم قد كذبهم الرّسل فيما ادّعوه من النّبوة وفيما يوعدون به من لم يؤمن بهم من العذاب، وهذا مشهور قول ابن عباس وتأويل عبد الله بن مسعود وسعيد بن جبير ومجاهد. ولا يجوز أن تكون الضّمائر في هذه القراءة على الرّسل؛ لأنهم
(1)
تفسير ابن كثير: 497/ 2 - 498، تفسير القرطبي: 275/ 9
معصومون، فلا يمكن أن يظنّ أحد منهم أنه قد كذبه من جاءه بالوحي عن الله
(1)
.
وعلى قراءة التّشديد وجهان:
الأول-أنّ الظنّ بمعنى اليقين، أي وأيقنوا أن الأمم كذبوهم تكذيبا لا يصدر منهم الإيمان بعد ذلك، فحينئذ دعوا عليهم، فهنالك أنزل الله سبحانه عليهم عذاب الاستئصال، وورود الظنّ بمعنى العلم كثير في القرآن الكريم، قال تعالى:{الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ} [البقرة 46/ 2]، أي يتيقنون ذلك.
والثاني-أن يكون الظنّ بمعنى الحسبان، والتّقدير: حتى إذا استيأس الرّسل من إيمان قومهم، فظنّ الرّسل أن الذين آمنوا بهم كذبوهم، وهذا التّأويل منقول عن عائشة رضي الله عنها، قال الرّازي: وهو أحسن الوجوه المذكورة في الآية
(2)
.
وقال الزّمخشري في قراءة التّخفيف: {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا} أي كذبتهم أنفسهم حين حدثتهم بأنهم ينصرون، أو وظنّوا أنهم قد كذبهم رجاؤهم كقولهم:
رجاء صادق ورجاء كاذب، والمعنى أن مدّة التّكذيب والعداوة من الكفار، وانتظار النّصر من الله وتأميله قد تطاولت عليهم، وتمادت، حتى استشعروا القنوط، وتوهّموا أن لا نصر لهم في الدّنيا، فجاءهم نصرنا فجأة من غير احتساب
(3)
.
ثم ذكر الله تعالى الهدف العام من قصص القرآن، فقال:{لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ} أي لقد كان في سرد أخبار الأنبياء المرسلين مع قومهم، وكيف
(1)
البحر المحيط: 354/ 5
(2)
تفسير الرّازي: 226/ 18 وما بعدها.
(3)
الكشّاف: 157/ 2
نجّينا المؤمنين، وأهلكنا الكافرين عبرة وعظة وذكرى لأولي العقول والأفكار الصّحيحة. والاعتبار والعبرة: الانتقال والعبور من جهة إلى جهة. أما المهملون عقولهم فلا ينظرون في الأحداث ولا يستفيدون من دروس التّاريخ، فلا يفيدهم النّصح.
ثم ذكر الله تعالى مشتملات القرآن فقال: {ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى} أي ما كان هذا القرآن الشّامل للقصة وغيرها، أو ما كان هذا القصص والحديث الذي اشتمل عليه القرآن حديثا يختلق ويكذب من دون الله، لأنه كلام أعجز رواة الأخبار وحملة الحديث، وإنما هو كلام الله من طريق الوحي والتّنزيل وتصديق ما تقدّمه من الكتب السّماوية كالتّوراة والإنجيل والزّبور، أي تصديق ما جاء فيها من الصّحيح والحقّ، ونفي ما وقع فيها من تحريف وتبديل وتغيير، فهو مصدّق أصولها الصّحيحة، لا كلّ ما جاء فيها بعد من حكايات وأساطير لا يتقبّلها العقل السّليم، وهو أيضا مهيمن عليها وحارس لها.
والقرآن أيضا فيه تفصيل كلّ شيء من الحلال والحرام والمحبوب والمكروه، والأمر والنّهي، والوعد والوعيد، وصفات الله الحسنى، وقصص الأنبياء على النّحو الثابت الواقع الذي لا تحريف فيه ولا تزويق. ونظير الآية قوله تعالى:
{ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام 38/ 6].
والقرآن أيضا هدى للعالمين، ويهدي النّاس إلى طريق الاستقامة والسّداد، فيخرجهم من الظّلمات إلى النّور، وينقلهم من الغيّ إلى الرّشاد، ومن الضّلال إلى السّداد، ويرشدهم إلى الحقّ والخير والصّلاح في الدّنيا والدّين.
وهو كذلك رحمة عامّة من ربّ العالمين للمؤمنين في الدّنيا والآخرة.