الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أدى هذا الاتجاه إلى كثرة الجرائم، حتى إنه في كل ثانية يقع في بريطانيا مثلا خمس عشرة ألف جريمة، وأما في أمريكا فأكثر من ذلك.
{أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ} أولئك الكفار الموصوفون بتلك الصفات السابقة في ضلال بعيد كل البعد عن الحق، وفي جهل سحيق، لا يرجى لهم -والحالة هذه-صلاح ولا فلاح.
وبعد أن بين تعالى مقاصد القرآن وأثره في الهداية، بيّن أنه سبيل ميسر للاهتداء به، لكونه بلغة قوم الرسول، فقال:{وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ.} .
هذا من لطفه تعالى أنه يرسل إليهم رسلا منهم بلغاتهم، ليفهموا عنهم ما يريدون، وما أرسلوا به إليهم، كما قال تعالى:{وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا: لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ} [فصلت 44/ 41]
وأخرج الإمام أحمد عن أبي ذر قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لم يبعث الله عز وجل نبيا إلا بلغة قومه» .
{فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ.} . أي أنه بعد البيان وإقامة الحجة على الناس يكون الناس فريقين: فريق يضله الله عن وجه الهدى، لإيغاله في الكفر واجتراحه السيئات والآثام، وعناده، وفريق يهديه الله إلى الحق، ويشرح صدره للإسلام، فيتبع سبيل الرشاد. وهذا كلام مستأنف وليس بمعطوف على {لِيُبَيِّنَ} لأن الإرسال إنما وقع للتبيين، لا للإضلال.
{وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} والله سبحانه القوي الذي لا يغلب، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، والحكيم في صنعه وأفعاله، فيضل من يستحق الإضلال، ويهدي من هو أهل لذلك، فلا يفعل شيئا إلا على وفق الحكمة والعلم.
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيات ما يأتي:
1 -
قوله تعالى: {كِتابٌ أَنْزَلْناهُ} دليل على أن القرآن منزل من عند الله
تعالى، وأن مهمته إخراج الناس من ظلمات الكفر والضلالة والجهل إلى نور الإيمان والهدى والعلم، وذلك بتوفيق الله إياهم ولطفه بهم. وفيه إنعام على الرسول بتفويضه هذا المنصب العظيم، وعلى الناس لإرساله لهم من خلصهم من ظلمات الكفر، وأرشدهم إلى نور الإيمان.
2 -
قال المعتزلة: في هذه الآية دلالة على إبطال القول بالجبر من جهات ثلاث:
أحدها-إخراج الكفر من الكافر بالكتاب.
وثانيها-أنه أضاف الإخراج من الظلمات إلى النور إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.
وثالثها-الإخراج من الكفر بالكتاب بتلاوته عليهم ليتدبروه وينظروا فيه، فيتوصلوا إلى كونه تعالى عالما قادرا حكيما، وإلى أن القرآن معجزة صدق الرسول صلى الله عليه وسلم، فيقبلوا منه كل ما أداه إليهم من الشرائع، باختيارهم.
قال أهل السنة: إن المؤثر الأول في صدور الفعل من العبد وترجيح جانب الوجود على جانب العدم هو الله تعالى.
وفعل العبد مخلوق لله تعالى؛ لقوله سبحانه: {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} أي بمشيئته وتخليقه.
3 -
طرق الكفر والجهل والبدعة كثيرة، وطريق الخير واحد؛ لأنه تعالى قال:{لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ} فعبر عن الجهل والكفر بالظلمات وهو جمع، وعبر عن الإيمان والهداية بالنور، وهو لفظ مفرد.
4 -
قدم ذكر العزيز على الحميد؛ لأن الواجب أولا في العلم بالله: العلم بكونه تعالى قادرا، ثم العلم بكونه عالما، ثم العلم بكونه غنيا عن الحاجات، والعزيز: هو القادر، والحميد: هو العالم الغني.
5 -
لله ما في السموات وما في الأرض ملكا وعبيدا واختراعا وخلقا، وهذا يدل على أنه تعالى غير مختص بجهة العلو البتة؛ لأن كل ما سماك وعلاك فهو سماء، وبما أن كل ما في السموات فهو ملكه، فهو منزه عن الحصول في جهة فوقية. وأما قوله تعالى:{أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ} [الملك 16/ 67] فالمراد به سلطانه وقدرته.
وتدل الآية أيضا على الحصر، أي كل ما في السموات والأرض له، لا لغيره، وهو يدل على أنه لا مالك إلا الله، ولا حاكم إلا الله عز وجل.
ولهذا عطف عليه وعيد الكفار بقوله: {وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ} لأنهم تركوا عبادة الله تعالى الذي هو مالك السموات والأرض وما فيهما، إلى عبادة ما لا يملك ضرا ولا نفعا، ويخلق ولا يخلق، ولا إدراك لها ولا فعل.
6 -
استحقاق الكافرين الهلاك والعذاب في نار جهنم لصفات ثلاث: هي تفضيلهم أو إيثارهم الدنيا على الآخرة، ومنعهم الناس من الوصول إلى سبيل الله ودينه، وهو المنهج القويم والطريق المستقيم، وطلبهم لسبيل الله زيغا وميلا واعوجاجا، لموافقة أهوائهم، وقضاء حاجاتهم وأغراضهم، فهم في ضلال بعيد عن الحق.
7 -
من فضل الله وتيسيره الاهتداء بهدايته إرسال كل رسول إلى قومه بلغتهم، ليبين لهم أمر دينهم، وليفهموا منه شرائع الله، ويفقهوها عنه بيسر وسرعة، ثم ينقلوها لغيرهم.
وإرسال جميع الرسل بلغة قومهم يقتضي تقدم حصول اللغات على إرسال الرسل، وهو يدل على أن اللغات حاصلة بالاصطلاح، وليست توقيفية، كما ذكر الرازي.
8 -
قوله: {فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ، وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ} رد على القدرية في
نفوذ المشيئة، وإخبار بأن الضلال والهداية من الله تعالى، فهو تعالى يضل من يشاء إضلاله، ويهدي من يشاء هدايته حسبما يعلم من استعداد العبد واختياره، وليس على ذلك الرسول غير التبليغ والتبيين، ولم يكلف أن يهدي، بل الهدى بيد الله على ما سبق قضاؤه.
وقال الزمخشري على طريقة الاعتزال: والمراد بالإضلال: التخلية ومنع الألطاف، وبالهداية: التوفيق واللطف، وكان ذلك كناية عن الكفر والإيمان
(1)
.
ويؤكد الرأي الأول لأهل السنة
ما روي: أن أبا بكر وعمر أقبلا في جماعة من الناس، وقد ارتفعت أصواتهما، فقال صلى الله عليه وسلم:«ما هذا؟» فقال بعضهم:
يا رسول الله، يقول أبو بكر: الحسنات من الله، والسيئات من أنفسنا، ويقول عمر: كلاهما من الله، وتبع بعضهم أبا بكر، وبعضهم عمر، فتعرف الرسول صلى الله عليه وسلم ما قاله أبو بكر، وأعرض عنه حتى عرف ذلك في وجهه، ثم أقبل على عمر، فتعرف ما قاله، وعرف البشر في وجهه. ثم قال:«أقضي بينكما كما قضى به إسرافيل بين جبريل وميكائيل، قال جبريل مثل مقالتك يا عمر، وقال ميكائيل مثل مقالتك يا أبا بكر، فقضاء إسرافيل: أن القدر كله خيره وشره من الله تعالى، وهذا قضائي بينكما»
(2)
.
ثم ذكر الرازي تأويلات ثلاثة للآية، بعد أن قال: لا يمكن حمل الآية على أنه تعالى يخلق الكفر في العبد
(3)
:
الأول-أن المراد بالإضلال: هو الحكم بكونه كافرا ضالا، كما يقال: فلان يكفّر فلانا ويضلله، أي يحكم بكونه كافرا ضالا.
(1)
الكشاف: 171/ 2
(2)
تفسير الرازي: 80/ 19
(3)
المرجع السابق 81