الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثمّ ردّ الله على اليهود الذين أنكروا رسالة النّبي صلى الله عليه وسلم بأنه شاهد له بالصّدق، وحسبه شهادة الله ومن آمن من أهل الكتاب.
التفسير والبيان:
إن أريناك يا محمد في حياتك بعض الذي نعد أعداءك المشركين وغيرهم من الخزي والنّكال في الدّنيا، أو نتوفينّك قبل أن نريك ذلك، فما عليك إلا تبليغ رسالة ربّك، وإنما أرسلناك لتبلّغهم رسالة الله، وقد فعلت ما أمرت به، وليس عليك التّوصل إلى صلاحهم، فإنما علينا حسابهم وجزاؤهم على الخير والشّرّ، كقوله تعالى:{فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ، إِلاّ مَنْ تَوَلّى وَكَفَرَ، فَيُعَذِّبُهُ اللهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ، إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ} [الغاشية 21/ 88 - 26].
{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ.} . أي أنسي هؤلاء المشركون في مكة أو شكّوا أنّا نأتي الأرض، فنفتحها لك أرضا بعد أرض، وتنتصر عليهم، وتمتد رقعة الإسلام، وتتقلّص رقعة الكفر، ويدخل النّاس في دين الله أفواجا، كقوله تعالى:{أَفَلا يَرَوْنَ أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها، أَفَهُمُ الْغالِبُونَ} [الأنبياء 44/ 21].
وتدلّ الآية في نطاق العلم الحديث على كون الأرض مفلطحة بيضاوية، ليست كرة تامّة التّدوير، بل هي ناقصة الأطراف.
وأما في الماضي فيراد بالآية كما أوضحت ظهور الإسلام على الشّرك قرية بعد قرية، كقوله تعالى:{وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى} [الأحقاف 27/ 46].
وقال ابن عباس: المراد موت أشرافها وكبرائها وعلمائها وذهاب الصّلحاء والأخيار. ولكن اللائق الرّأي الأول، كما قال الواحدي.
{وَاللهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ} أي والله يقضي القضاء المبرم، ولا يرد حكمه
النّافذ، فلا رادّ لقضائه، ولا يستطيع أحد أن يطعن فيه أو يبطله أو ينقضه، ومن حكم الله تعالى أن الأرض يرثها عباده الصّالحون بالعدل والإصلاح والعمران.
{وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ} أي والله محاسب عباده قريبا في الآخرة، وعقابه آت لا محالة، فلا تستعجل عقابهم، فإن الله معذّبهم في الآخرة بعد أن عذّبهم في الدّنيا بالقتل والأسر والخزي والذّل والنّكال.
{وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ.} . هذا تسلية للنّبي صلى الله عليه وسلم على مكائد قومه، وتصبير له على أذاهم، فإن النّصر له في النّهاية حتما، أي لقد مكر الكفار السابقون برسلهم، وأرادوا إخراجهم من بلادهم، وعذّبوهم، كما فعل النّمرود بإبراهيم، وفرعون بموسى، واليهود بعيسى، وكما فعلت عاد وثمود وإخوان لوط، فمكر الله بهم، وجعل العاقبة للمتّقين، أي دبّر لهم ما أوقعهم في الهلاك بسبب ظلمهم وفسادهم.
{فَلِلّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً} أي لا يؤبه بتدبير دون تدبيره، ولا يضرّ مكر الماكرين إلا بإذنه تعالى، ولا يؤثر إلا بمشيئته وتقديره، فلا خوف إلا منه.
وهذا كقوله تعالى في مكر المشركين بالنّبي صلى الله عليه وسلم قبيل الهجرة: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ، وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ، وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ} [الأنفال 30/ 8]، وقوله سبحانه:{وَمَكَرُوا مَكْراً، وَمَكَرْنا مَكْراً، وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ. فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ، فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا} [النّمل 50/ 27 - 52].
{يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ} أي أنه تعالى عالم بجميع السّرائر والضّمائر، وسيجزي كلّ عامل بعمله، فينصر أولياءه، ويعاقب الماكرين.
وهذا وعيد شديد وتهديد لكلّ كافر ماكر، وتسلية للنّبي صلى الله عليه وسلم وأمان له من مكرهم.
{وَسَيَعْلَمُ الْكُفّارُ.} . أي وسيتحقق الكفار يوم القيامة لمن العاقبة المحمودة من الفريقين: المؤمنين والكافرين، حيث تكون العاقبة لأتباع الرّسل في الدّنيا والآخرة، ففي الدّنيا النّصر، وفي الآخرة الجنّة.
ثمّ ردّ الله على منكري نبوّة النّبي صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى:{وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا.} . أي يقول الكافرون الجاحدون نبوّتك: لست رسولا مرسلا من عند الله، تدعو النّاس إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وتنقذهم من الظّلمات إلى النّور، ومن عبادة الأصنام والأوثان، إلى عبادة الله الواحد الأحد، ومن الظّلم والفساد إلى العدل والصّلاح.
أخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أسقف من اليمن، فقال له عليه الصلاة والسلام:«هل تجدون في الإنجيل رسولا؟» ، قال: لا، فأنزل الله تعالى:{وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا:}
{لَسْتَ مُرْسَلاً} الآية.
{قُلْ: كَفى بِاللهِ.} . قل يا محمد لهم: حسبي وكفايتي أن الله شاهد لي بصدق رسالتي، ومؤيّد دعوتي، بما أنزله عليّ من القرآن المعجز، ومن الآيات البيّنات الدّالّة على صدقي، كما قال تعالى:{هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً} [الفتح 28/ 48].
وكفاني أيضا بعد شهادة الله شهادة علماء أهل الكتاب الذين آمنوا من اليهود والنّصارى، بما وجدوه لديهم في التّوراة والإنجيل من بشارة برسالتي، وعلامات لا تنطبق على من سواي، وهم عبد الله بن سلام-اليهودي الأصل-وأصحابه.
أخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال: كان من أهل الكتاب قوم