الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وسبب ذلك التدبير الخفي أن يوسف ما كان يتمكن من أخذ أخيه في حكم ملك مصر الذي لا يبيح استرقاق السارق، ولكن قيض الله له أن التزم له إخوته بما التزموه وهو أن يستعبد السارق، وهو كان يعلم ذلك من شريعتهم، ولهذا مدحه الله تعالى بقوله:{نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ} بالعلم، كما قال تعالى:
{يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ} [المجادلة 11/ 58].
وقوله: {إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ} استثناء من أعم الأحوال أي ما كان ليأخذ أخاه في نظام الملك في حال من الأحوال إلا في حال مشيئة الله، فإنه فعل ذلك بإذن الله ووحيه، مما يدل على أن تلك الحيلة بإقرار الشرع، ووحي الله تعالى.
{وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} أي فوق كل عالم من هو أعلم منه، قال الحسن البصري: ليس عالم إلا فوقه عالم حتى ينتهي إلى الله عز وجل. فإذا كان إخوة يوسف علماء فإن يوسف كان أعلم منهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
1 -
كانت فرحة غامرة من أفراح العمر لقاء الأخوين: يوسف وبنيامين، فضم يوسف أخاه إليه، وتعرّف عليه بعد فراق دام أكثر من ربع قرن، وتواطأ معه على خطة إبقائه لديه.
2 -
دل قول يوسف لأخيه {فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ} على التحلي بصفة العفو والتسامح، وإظهار الحب والود لإخوته، ونسيان الماضي وتجاوز أخطائهم معه في مقتبل العمر.
3 -
كان وضع الصواع في رحل بنيامين بأمر يوسف عليه السلام تعليما
وإلهاما ووحيا من الله، وكان إبقاء أخيه لديه عملا بشريعة إبراهيم ويعقوب، وإلزاما لإخوته بما حكموا به.
4 -
لم يكن وصف أولاد يعقوب بأنهم سارقون كذبا من يوسف عليه السلام، وإنما المراد أيتها العير حالكم حال السّرّاق، والمعنى: إن شيئا لغيركم صار عندكم من غير رضا الملك ولا علمه. أو أن ذلك كان حيلة لاجتماع شمله بأخيه، وفصله عنهم إليه، أو أنهم سارقون باعتبار ما كان منهم حينما أخذوا يوسف من أبيه، فألقوه في الجبّ.
5 -
دل قوله: {وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ} على جواز الجعالة
(1)
وضمان الجعل قبل إنجاز العمل أو قبل إتمامه. وقد أجيز للضرورة، فجاز فيه من الجهالة ما لا يجوز في غيره، وهو من العقود الجائزة التي يجوز لأحدهما فسخه، إلا أن المجعول له يجوز أن يفسخه قبل الشروع بالعمل وبعده، إذا رضي بإسقاط حقه، وليس للجاعل أن يفسخه إذا شرع المجعول له في العمل. ولا يشترط في عقد الجعالة حضور المتعاقدين، كسائر العقود؛ لقوله تعالى:{وَلِمَنْ جاءَ بِهِ.} . وبهذا كله قال الشافعي، وكذا المالكية والحنابلة، ولم يجز الحنفية الجعالة للجهالة.
ولم يكن قوله {حِمْلُ بَعِيرٍ} ضمان المجهول، لأن حمل البعير كان معينا معلوما عندهم كالوسق (60 صاعا) فصح ضمانه، غير أنه كان بدل مال عن المسروق، وهو كفالة بما لم يجب، لأنه لا يحل للسارق أن يأخذ شيئا على رد السرقة، فلعله كان يصح في شرعهم، أو كان هذا جعالة.
(1)
الجعالة: التزام بعوض على شيء معلوم أو مجهول، وهو تصرف بإرادة منفردة، مثل الإعلان عن مكافأة أو جعل لمن يجد شيئا ضائعا، أو يكتشف علاجا لمرض معين، أو لمن يتفوق في قضية علمية أو اكتشاف علمي.
6 -
دل قوله: {وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} على جواز الكفالة بنوعيها: الكفالة بالمال والكفالة بالنفس، وهذا مطابق للحديث النبوي الذي أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه ابن حسان وصححه عن أبي أمامة الباهلي وغيره:«الزعيم غارم» وهو رأي المذاهب الأربعة، ولم يجز بعضهم الكفالة بالنفس لعجز الكفيل عن إحضار المكفول بنفسه.
وهل يلزم الكفيل بالنفس ضمان المال أو لا؟ قال الحنفية: لا يلزمه إن مات المكفول بنفسه: لأنه إنما تكفل بالنفس ولم يتكفل بالمال، فمحال أن يلزمه ما لم يتكفل به. وقال المالكية والليث والأوزاعي: يغرم المال، ويرجع به على المطلوب؛ لأن الكفيل يعلم أن المضمون بنفسه إنما يطلب بمال، فإذا ضمن إحضاره ولم يأته به، فكأنه فوّته عليه، فلزمه المال.
وإذا انعقدت الكفالة جاز في رأي الجمهور للدائن المكفول له أن يطالب بالمال أو الدين من شاء من المدين الأصيل أو الكفيل. ورأي مالك الأخير: ألا يطالب الكفيل إلا أن يفلس الغريم (المدين) أو يغيب؛ لأن البدء بمطالبة من عليه الحق أولى؛ إلا أن يكون معدما، فيؤخذ الدين من الكفيل، لأنه معذور في أخذه في هذه الحالة.
والكفالة لا تصح إلا في الحقوق التي تجوز النيابة فيها، مما يتعلق بالذمة من الأموال، وكان الدين ثابتا مستقرا، أي لازما. فلا تصح الكفالة بنجوم (أقساط) الكتابة؛ لأنها ليست بدين لازم أو ثابت مستقر. وأما الحقوق التي لا يمكن لأحد القيام بها عن أحد كالحدود فلا كفالة فيها عند الأكثرين؛ لأن درء هذه الحدود مطلوب ما أمكن، ويسجن المدعى عليه الحد، حتى ينظر في أمره.
وأجاز أبو يوسف ومحمد الكفالة في الحدود والقصاص، لجواز الكفالة بالنفس.
وأجاز الشافعية كفالة تسليم النفس في الحدود الخالصة للآدمي كقصاص وحد قذف وتعزير؛ لأنها حق لآدمي، فصحت الكفالة، كسائر حقوق الآدميين المالية.
7 -
كان استرقاق أو استعباد السارقين دين يعقوب عليه السلام وحكمه، وقد فهم هذا من جواب أولاده:{جَزاؤُهُ: مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ، فَهُوَ جَزاؤُهُ} وفي الجملة معنى التوكيد، كما تقول: جزاء من سرق القطع، فهذا جزاؤه؛ لأنهم التزموا استرقاق من وجد في رحله.
وكان حكم السارق عند أهل مصر أن يغرم ضعفي ما أخذ.
وأما قطع يد السارق في شريعتنا فهو ناسخ لما تقدم من الشرائع، أو لما كان في شرع يعقوب من استرقاق السارق.
8 -
يجوز التوصل إلى الأغراض أو الحقوق المشروعة إذا لم تخالف شريعة، ولا هدمت أصلا. وأجاز الحنفية والشافعية الحيلة إلى المباح، واستخراج الحقوق، لفعل يوسف بوضع الصواع في رحل أخيه، ولفعل أيوب مع امرأته:
{وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ} [ص 44/ 38] ولأمر النبي صلى الله عليه وسلم ببيع التمر الرديء بالدراهم، ثم شراء التمر الجيد (الجنيب) بالدراهم.
واجمع العلماء على أن للرجل قبل حلول الحول التصرف في ماله بالبيع والهبة إذا لم ينو الفرار من الصدقة، فإذا حال الحول لا يحل له التحيل ولا النقصان، ولا أن يفرّق بين مجتمع، ولا أن يجمع بين متفرق.
وقال مالك: إذا فوّت من ماله شيئا ينوي به الفرار من الزكاة قبل الحول بشهر أو نحوه، لزمته الزكاة عند الحول، أخذا منه
بقوله صلى الله عليه وسلم: «خشية الصدقة» .
وقال أبو حنيفة: إن نوى بتفريقه الفرار من الزكاة قبل الحول بيوم لا يضرّه؛ لأن الزكاة لا تلزم إلا بتمام الحول، ولا يتوجه إليه معنى
الحديث السابق: «خشية الصدقة»
(1)
إلا حينئذ.
(1)
نص الحديث الذي أخرجه البخاري عن أنس: «ولا يجمع بين متفرّق ولا يفرّق بين مجتمع خشية الصدقة» (سبل السلام 591/ 3، ط بيروت).