الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وإسحاق ويعقوب، فألقوه على وجه أبي فور وصولكم إليه، يأت مبصرا (ذا بصر) كما كان، فإن الغشاوة التي ألمت به تزول بالفرح والبشرى، وذلك بفضل الله وكرمه، وأتوني بجميع أهليكم من الرجال والنساء والأولاد، روي أن أهله كانوا سبعين رجلا وامرأة وولدا.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
1 -
جواز الشكوى عند الضّرّ، أي الجوع، بل يجب على الإنسان إذا خاف على نفسه الضر من الفقر وغيره، أن يبدي حالته إلى من يرجو منه النفع، كما يجب عليه أن يشكو ما به من الألم إلى الطبيب ليعالجه، ولا يكون ذلك معارضا التوكل:
وهذا ما لم يكن التشكي على سبيل التسخط. ويظل الصبر والتجلّد في النوائب أحسن، والتعفف عن المسألة أفضل، وأحسن الكلام في الشكوى سؤال المولى زوال البلوى، كما قال يعقوب:{إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ، وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ} أي من جميل صنعه، وغريب لطفه، وعائدته على عباده.
أما الشكوى لمن لا يؤمل منه إزالتها فهو عبث وسفه، إلا أن يكون على وجه البثّ والتسلي.
2 -
جواز طلب الزيادة على الحق على سبيل الصدقة، والصدقة كما ذكر مجاهد لم تحرم إلا على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
وروى ابن جرير أن سفيان بن عيينة سئل: هل حرمت الصدقة على أحد من الأنبياء قبل النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ألم تسمع قوله: {فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ، وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا، إِنَّ اللهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ} .
3 -
استدل مالك وغيره من العلماء على أن أجرة الكيال على البائع: لأن إخوة يوسف قالوا له: {فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ} فكان يوسف هو الذي يكيل.
وكذلك الوزّان والعدّاد وغيرهم، لأن على البائع تسليم المبيع وتمييزه عما عداه، إلا إذا باع شيئا معينا أو ما لا يحتاج إلى الكيل أو الوزن أو العدد، ولأن البائع لا يستحق الثمن إلا بعد إيفاء الحق بالكيل أو الوزن.
وكذلك أجرة النقد (فحص الدراهم التي هي الثمن) على البائع أيضا، لأنه هو الذي يدّعي الرداءة، ولأن النفع يقع له، فصار الأجر عليه.
ويكره للرجل أن يقول في دعائه: اللهم تصدق عليّ، لأن الصدقة إنما تكون ممن يبتغي الثواب، والله تعالى متفضل بالثواب بجميع النعم، لا رب غيره.
4 -
استنباط الأحكام من فحوى الكلام وما يصحبه من إشارات، فإن يوسف وجّه لإخوته استفهاما بمعنى التذكير والتوبيخ بقوله:{هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ؟} ففهموا منه أنه يوسف، فقالوا على سبيل استفهام التقرير والإثبات:{أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ؟} .
ودل قوله {إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ} على أنهم كانوا صغارا في وقت أخذهم ليوسف، وليسوا أنبياء، لأنه لا يوصف بالجهل إلا من كانت هذه صفته، ويدل على أنه حسنت حالهم الآن، أي فعلتم فعلكم إذ أنتم صغار جهال.
وتعرف إخوة يوسف عليه، فتجاوب معهم وعرفهم بنفسه قائلا:{أَنَا يُوسُفُ} أي أنا المظلوم.
قال ابن عباس: كتب يعقوب إلى يوسف بطلب ردّ ابنه، وفي الكتاب:
من يعقوب صفيّ الله ابن إسحاق ذبيح الله، ابن إبراهيم خليل الله إلى عزيز مصر:
أما بعد، فإنا أهل بيت بلاء ومحن، ابتلى الله جدّي إبراهيم بنمروذ وناره، ثم ابتلى أبي إسحاق بالذبح، ثم ابتلاني بولد كان لي أحبّ أولادي إلي، حتى كفّ بصري من البكاء، وإني لم أسرق ولم ألد سارقا، والسّلام.
فلما قرأ يوسف الكتاب ارتعدت مفاصله، واقشعرّ جلده، وأرخى عينيه بالبكاء، وعيل صبره، فباح بالسرّ.
وأعلن يوسف عن مزيد فضل الله عليه بقوله: {قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا} أي بالاجتماع بعد الفرقة، وبالعز بعد الذل، وبالنجاة والملك.
5 -
إن من اتقى الله بالتزام ما أمر واجتناب ما نهى، وصبر على المصائب وعن المعاصي، فإن الله يدخر له ثواب إحسانه العمل، ولا يضيع منه شيئا.
6 -
الاعتراف بالذنب أو الخطأ سبيل الحظوة بالعفو والصفح، فإن قول إخوة يوسف:{وَإِنْ كُنّا لَخاطِئِينَ} أي مذنبين، متضمن سؤال العفو، وقد ظفروا به.
ولا مانع من العفو عن الخطأ وإن كان عمديا، فهو تجاوز للحق، أيا كانت صفته، وكل من اقترف ذنبا متجاوز لمنهاج الحق، واقع في الشبهة والمعصية.
7 -
شهد الله تعالى لنبيه يوسف عليه السلام بصفات المتقين الصابرين المحسنين، وكفى بشهادة الحق فخرا، وهذا تعليم وتدريب ومثل عملي لنا.
8 -
كانت عبارة يوسف: {لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ} مثلا رائعا في السماحة والعفو والصفح، فهو عفو لا لوم فيه ولا تعيير، وهو صفح في حال المقدرة على العقاب، وهو تنازل عن أي حق دون أي حقد أو كراهية، وأضيف إليه الدعاء بالمغفرة على الذنب والستر، والرحمة في عالم الآخرة بين يدي أرحم الراحمين. وهو لا يكون إلا عن وحي، فكان مرد الفضل في النهاية إلى الله تعالى.
واحتذى نبينا عليه الصلاة والسلام حذو أخيه يوسف عليه السلام في هذا القول العظيم يوم فتح مكة بإعلان العفو عن قريش،
روى ابن مردويه عن ابن عباس، والبيهقي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بعضادتي الباب يوم فتح مكة، وقد لاذ الناس بالبيت فقال: «الحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثم قال: ماذا تظنون يا معشر قريش؟ قالوا:
خيرا، أخ كريم، وابن أخ كريم، وقد قدرت، قال: وأنا أقول كما قال أخي يوسف: {لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ} فخرجوا كأنما نشروا من القبور».
وقال عطاء الخراساني: طلب الحوائج من الشباب أسهل منه من الشيوخ، ألم تر قول يوسف:{لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ، يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ} وقال يعقوب:
{سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي} .
9 -
حدثت الفرحة الصغرى بعودة البصر إلى يعقوب حينما ألقي عليه قميص يوسف. وهو-في القول الأصح
المروي مرفوعا عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيما ذكر القشيري- قميص إبراهيم الذي ألبسه الله أثناء إلقائه في النار من حرير الجنة، وكان كساه إسحاق، وكان إسحاق كساه يعقوب، ويعقوب علقه في عنق يوسف، لما كان يخاف عليه من العين، وأخبره جبريل بأن أرسل قميصك فإن فيه ريح الجنة، وإن ريح الجنة لا يقع على سقيم ولا مبتلى إلا عوفي. وهذا بإعلام الله يوسف به. وقيل: إنه قميص يوسف الذي خلعه من على بدنه، فإنه إذا ألقي على أبيه انشرح صدره، وحصل في قلبه الفرح الشديد، والفرح يقوي الروح، ويزيل الضعف عن القوى الحسية، فيقوى بصره، ويزول عنه ما غشيه بسبب البكاء، والطب يؤيد ذلك.
10 -
تمت الفرحة الكبرى بطلب يوسف عليه السلام من إخوته إحضار جميع أسرته إلى مصر لاتخاذها دارا، وكان عددهم سبعين أو ثلاثة وتسعين، ما بين رجل وامرأة.