الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل السادس ما هي القيمة العلمية لتفسير الصحابة
؟
سئل الإمام ابن تيمية رحمه الله عن أحسن طريق للتفسير؟
فأجاب: إن أصحّ الطرق في ذلك أن نفسّر القرآن بالقرآن، فما أجمل في مكان فإنه قد فسّر في موضع آخر، وما اختصر في مكان فقد بسط في موضع آخر، فإن أعياك ذلك فعليك بالسنّة فإنها شارحة للقرآن وموضّحة له، بل قد قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي:
كل ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مما فهمه من القرآن (1).
لكن إذا لم نجد في القرآن وفي السنة جوابا، فما العمل؟
العمل: أن نعود إلى تلكم الطائفة التي نقلت لنا القرآن والسنة، بكل أمانة ودقّة، وهم الصحابة الأكارم.
ونظرا لأهمية ذلك الجهد العظيم الذي قام به الصحابة رضي الله عنهم، فقد نقل المفسّرون في تفسيراتهم كثيرا من آراء الصحابة واجتهاداتهم، مثال ذلك ما أورده الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسير قول الله تعالى:(اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ)(2).
(اختلفت عبارات المفسرين من السلف والخلف في تفسير الصراط، وإن كان يرجع حاصلها إلى شيء واحد، وهو المتابعة لله
(1) مقدمة في أصول التفسير: 93.
(2)
الفاتحة: 6.
وللرسول، فروي أنه كتاب الله، قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة حدثني يحيى بن يمان عن حمزة الزيات عن سعيد، وهو ابن المختار الطائي عن ابن أخي الحارث الأعور عن الحارث الأعور عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) كتاب الله.
وروى الإمام أحمد والترمذي من رواية الحارث الأعور عن عليّ مرفوعا: (هو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم).
وقد روي موقوفا عن علي رضي الله عنه، وهو أشبه، والله أعلم.
وقال الثوري عن منصور عن أبي وائل عن عبد الله قال: الصراط المستقيم: كتاب الله، وقيل: هو الإسلام.
قال الضحّاك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال جبريل لمحمد عليهما السلام: (قل يا محمد: اهدنا الصراط المستقيم).
يقول: ألهمنا الطريق الهادي، وهو دين الله الذي لا اعوجاج فيه.
وقال ميمون بن مهران عن ابن عباس في قوله تعالى: (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) قال: ذاك الإسلام.
وقال عبد الله بن عقيل عن جابر رضي الله عنه: (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) قال: هو الإسلام أوسع مما بين السماء والأرض.
وقال ابن الحنفية في قوله تعالى: (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) قال: هو دين الله الذي لا يقبل من العباد غيره.
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) قال: هو الإسلام، وفي هذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده حيث قال:
حدثنا الحسن بن سوار أو العلاء، حدثنا ليث- يعني ابن سعد- عن
معاوية بن صالح أن عبد الرحمن بن جبير بن نفير حدثه عن أبيه عن النواس بن سمعان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«ضرب الله مثلا صراطا مستقيما، وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس! ادخلوا الصراط ولا تعوجوا، وداع يدعو من فوق الصراط، فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئا من تلك الأبواب، قال:
ويحك لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه، فالصراط الإسلام، والسوران: حدود الله، والأبواب المفتحة: محارم الله، وذلك الداعي على رأس الصراط: كتاب الله، والداعي فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم».
وهكذا رواه ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث الليث بن سعد، ورواه الترمذي والنسائي جميعا عن علي بن حجر عن بقية بن بجير بن سعد عن خالد بن معدان عن جبير بن النواس بن سمعان به، وهو إسناد حسن صحيح، والله أعلم) (1).
لكن هذا لا يعني أبدا أن نأخذ أقوالهم- أي: الصحابة- على الإطلاق دون أن نزنها بميزان القرآن والسنة!!
لقد صرّح المفسرون بكل وضوح بأنه لا عبرة بقول الصحابي، وذلك إذا خالف قوله قول القرآن أو السنة، لأن الأساس والأصل هو:
كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم.
مثال ذلك:
في قوله تعالى: (حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى)(2).
ذكر كتّاب السنّة أحاديث صحيحة تدل على أن المقصود بها هو
(1) تفسير القرآن العظيم: 1/ 27 - 28.
(2)
البقرة: 238.
صلاة العصر (1) لكن بعض الصحابة الكرام، نقل عنهم غير ذاك التفسير، مما جعل بعض المفسّرين يرفضون أقوالهم في ذلك، مبررين الرفض بأنه يخالف الأصول، ولا يلتفت إلى كل ما يخالف الأصول، حتى لو كان ذلك قول أحد كبار الصحابة!!
(وأما ما روي عن علي وابن عباس رضي الله عنهما قالا: إن الصلاة الوسطى هي صلاة الصبح، كما أخرجه مالك في الموطأ عنهما (2).
وأخرجه ابن جرير عن ابن عباس، وكذلك غيره عن ابن عمرو وأبي أمامة، فكل ذلك من أقوالهم، وليس فيها شيء من المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولا تقوم بمثل ذلك حجة لا سيما إذا عارض ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ثبوتا يمكن أن يدعى فيه التواتر، وإذا لم تقم الحجة بأقوال الصحابة لم تقم بأقوال من بعد، من التابعين وتابعيهم بالأولى.
وهكذا لا اعتبار بما روي عن ابن عمر من قوله: إنها الظهر، وكذلك ما يروى عن عائشة وأبي سعيد الخدري وغيرهم، فلا حجّة في قول أحد مع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (3).
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: (والغرض أنك تطلب تفسير القرآن من القرآن، فإن لم تجده فمن السنّة، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن:«فيم تحكم؟» قال: بكتاب الله، قال:«فإن لم تجد؟» قال: بسنة رسول الله، قال:«فإن لم تجد؟» قال: أجتهد رأيي، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدره وقال:«الحمد لله الذي وفّق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله» وهذا الحديث في المسند والسنن بإسناد جيد كما هو مقرر في موضعه.
(1) يراجع: صحيح البخاري 4/ 80، صحيح مسلم: 1/ 436، سنن ابن ماجة:
1/ 224.
(2)
الموطأ: 344.
(3)
فتح البيان لصدّيق خان: 1/ 396.
وحينئذ إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوا من القرائن والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح والعمل الصالح لا سيما علماءهم وكبراءهم، كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين، والأئمة المهتدين المهديين، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم (1).
وما أكثر ما استشهد العلماء بأقوال الصحابة، خاصة في: معرفة المكي والمدني، وبيان معنى الآيات، ومعرفة القراءات والأحكام، ومعرفة أسباب النزول، ونحو ذلك (2).
(1) تفسير القرآن العظيم: 1/ 7 - 8.
(2)
للتوسع يراجع كتاب: علوم القرآن الكريم؛ للمؤلف: 365 - 392.