الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْبَاب السَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ
فِيمَا تسْقط بِهِ فَرِيضَة الاحتساب
وَهُوَ أَن يكون عَاجِزا عَن إِقَامَته قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ائْتَمرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهوا عَن الْمُنكر فَإِذا رَأَيْت الدُّنْيَا مُؤثرَة وشحا مُطَاعًا وَإِعْجَاب كل ذِي رَأْي بِرَأْيهِ فَعَلَيْك نَفسك فَإِن من بعدكم أَيَّام الصَّبْر والتمسك يَوْمئِذٍ بِمثل الَّذِي انتم عَلَيْهِ كَأَجر خمسين عَاملا قَالُوا يَا رَسُول الله كَأَجر خمسين عَاملا مِنْهُم قَالَ لَا بل كَأَجر خمسين عَاملا مِنْكُم
وَعَن مَسْرُوق فِي قَوْله تَعَالَى إِن أرضي وَاسِعَة قَالَ إِذا رَأَيْتُمْ الْفَاجِر فَلم تستطيعوا أَن تغيرُوا فانفروا فِي وَجهه
وَعَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنه أَنه قَالَ من فر من أثنين فقد فر وَمن فر من ثَلَاثَة لم يفر قَالَ سُفْيَان رحمه الله سَمِعت ابْن شبْرمَة يَقُول وَهَكَذَا الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَانَا رجلَيْنِ أَمر وَإِن كَانُوا ثَلَاثَة فخافهم فَهُوَ فِي سَعَة من
تَركهم وَقَالَ صلى الله عليه وسلم إِذا رَأَيْت الْمُنكر فَلم تستطع لَهُ تغييرا فحسبك أَن تعلم أَنَّك تنكره بقلبك وَعَن أبي أُمَامَة عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم إِذا رَأَيْتُمْ أمرا لَا تَسْتَطِيعُونَ تَغْيِيره فَاصْبِرُوا حَتَّى يكون الله تَعَالَى هُوَ مغيره قَالَ العَبْد وَهَذَا إِذا لم يسْأَله عَن شَيْء فَإِن سُئِلَ فَلَا يحل لَهُ أَن يُجيب إِلَّا بِالْحَقِّ قيل إِنَّه لما دخل أَبُو إِسْحَاق الفرازي على هَارُون الرشيد بالمعصية كتب إِلَيْهِ يُوسُف بن إسباط أَنَّك قد دخلت على هَذَا الرجل فَلم تَأمره وَلم تَنْهَهُ وَقد رَأَيْت مَا أظهر من الْحَرِير والديباج فَكتب أَبُو إِسْحَاق أَنَّك لم تذكر فِي الْإِسْلَام إِلَّا الْحَرِير والديباح فَأَيْنَ الدِّمَاء والفروج وَالْأَمْوَال وَأَنه كَانَ يُقَال إِذا خَافَ الْعَالم فَهُوَ فِي سَعَة مَا لم يسْأَل وَإِنِّي لم أسأَل عَن شَيْء
رجل يَدعُوهُ الْأَمِير فيسأله عَن أَشْيَاء فَإِن تكلم بِمَا يُوَافق الْحق يَنَالهُ
الْمَكْرُوه فَلَا يَنْبَغِي أَن يتَكَلَّم بِخِلَاف الْحق وَهَذَا إِذا لم يخف الْقَتْل أَو تلف بعض جسده أَو أَخذ مَاله فَإِن خَافَ ذَلِك فَلَا بَأْس بِهِ وَالدَّلِيل على أَن الْعَاجِز عَن إِقَامَة الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر إِذا سكت عَن ذَلِك وَكره الْمعْصِيَة بِقَلْبِه يعْذر فِيهِ
وَلَا تعم بلية بالعصاة قصَّة الْقرْيَة الَّتِي كَانَت حَاضِرَة الْبَحْر عَن عِكْرِمَة أَنه قَالَ أتيت ابْن عَبَّاس رضي الله عنه وَهُوَ يقْرَأ فِي الْمُصحف ويبكي فدنوت مِنْهُ حَتَّى أخذت بلوح الْمُصحف قلت مَا يبكيك قَالَ يبكيني هَذِه الورقات وَهُوَ يقْرَأ سُورَة الْأَعْرَاف وَقَالَ هَل تعرف تَأْوِيله قلت نعم أَن الله تَعَالَى أسكنها قوما من الْيَهُود وابتلاهم بحيتان حرمهَا عَلَيْهِم يَوْم السبت وأحلها لَهُم فِي سَائِر الْأَيَّام فَإِذا كَانَ يَوْم السبت خرجت عَلَيْهِم الْحيتَان وَإِذا ذهب السبت غاصت فِي الْبَحْر حَتَّى يغوص لَهَا الطالبون فَإِن الْقَوْم اجْتَمعُوا وَاخْتلفُوا فِيهَا فَقَالَ فريق أَن الله تَعَالَى حرم عَلَيْكُم يَوْم السبت أكلهَا فصيدوها فِي السبت وكلوها فِي سَائِر الْأَيَّام وَقَالَ الْآخرُونَ بل حرم عَلَيْكُم أَن تصيدوها أَو تنفروها أَو تؤذوها وَالثَّالِث سَاكِت فَكَانَت ثَلَاث فرق فرقة على أَيْمَانهم وَفرْقَة على شمائلهم وَفرْقَة وَسطهمْ فَقَامَتْ الْفرْقَة الْيُمْنَى فَجعلت تنهاهم فِي يَوْم السبت وَجعلت تَقول الله يحذركم وَأما الْفرْقَة الْيُسْرَى فَأَمْسَكت أيديها وكفت ألسنتها وَأما الْوُسْطَى فَوَثَبت على السّمك فَأَخَذته وَجعلت الْفرْقَة
الْأُخْرَى الَّتِي كفت أيديها وَلم تَتَكَلَّم تَقول لم تعظون قوما الله مهلكهم أَو معذبهم قَالُوا أَي الَّذين ينهون معذرة إِلَى رَبهم ولعلهم يَتَّقُونَ فَدخل الَّذين أَصَابُوا السّمك الْمَدِينَة وَأبي الْآخرُونَ أَن يدخلُوا مَعَهم الْمَدِينَة فَجعلُوا ينادون من فِيهَا فَلم يجبهم أحد فَقَالُوا لَعَلَّ الله خسف بهم أَو رموا بِالْحِجَارَةِ فأرسلوا رجلا ينظر فحملوا رجلا على سلم فَأَشْرَف عَلَيْهِم فَإِذا هم قردة يتعاوون لَهُم أَذْنَاب قد غير الله من صورهم فصاح أَن الْقَوْم قد صَارُوا قردة فكسروا الْأَبْوَاب ودخلوا مَنَازِلهمْ فَجعلُوا لَا يعْرفُونَ لسانهم وَيَقُولُونَ ألم ننهكم عَن مصية الله تَعَالَى ونوصيكم فيشيرون برؤوسهم أَي بلَى ودموعهم تسيل على خدودهم فَأخْبر الله تَعَالَى أَنه أنجى الَّذين ينهون عَن السوء وَأخذ الَّذين ظلمُوا ثمَّ اخْتلف النَّاس أَنهم كم كَانُوا من الْفرق قَالَ بَعضهم كَانُوا فرْقَتَيْن ناهية وعاصية فنجت الناهية وَهَلَكت العاصية وَقَالَ قوم كَانُوا أَربع فرق صنف يَأْخُذُونَ السّمك وصنف يداهنون وصنف يسكتون ويبغضون وصنف ينهون فنجت الفرقتان الساكتة والناهية وَهَلَكت الفرقتان المداهنة والعاصية كُله من تَفْسِير الْفَقِيه أبي اللَّيْث
وَفِي تَفْسِير الإِمَام نَاصِر الدّين البستي قَالَ ابْن عَبَّاس رضي الله عنه لَيْت شعري مَا فعل الله تَعَالَى بالذين قَالُوا لم تعظون قوما الله مهلكم قَالَ عِكْرِمَة قلت جعلني الله فدَاك نجت أَلا تراهم كَيفَ كَرهُوا ذَلِك وخافوا عَلَيْهِم قَالَ عِكْرِمَة فكساني ابْن عَبَّاس وَقَالَ يمَان بن زياب نجت الناهية والكارهة وَهَلَكت الْخَاطِئَة وَذكر فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّة وَغَيرهَا رجل يقْرَأ الْقُرْآن جَهرا ويلحن فِيهِ وَيسمع غَيره يلحنه فَهَل لَهُ أَن ينهاه على لحنه قيل أَن علم أَنه يَنْفَعهُ ذَلِك يَأْمُرهُ بِهِ وَإِن علم أَنه يعاديه بذلك رخص تَركه لِأَن الْمَقْصُود مِنْهُ الائتمار فَإِذا فَاتَ ذَلِك لَا يجب الْأَمر والعزيمة أَن يَأْمُرهُ وَإِن لحق بِهِ ضَرَر لِأَنَّهُ عساه مرَارًا أَن يفتح عَلَيْهِ بَاب التَّوْبَة وَكَذَا إِذا أمره مرَارًا وأدبه وَلم يتأدب بِهِ إِن تَركه فَهُوَ رخصَة وَإِن أمره فَهُوَ عَزِيمَة لِأَن الْإِنْسَان لَا يعرف مَتى يَتُوب عَن الْعِصْيَان
ذكر فِي الْكِفَايَة الشعبية رُوِيَ أَن أَبَا محجن الثَّقَفِيّ كَانَ يدمن شرب الْخمر فحده عمر رضي الله عنه مرّة فَلم ينزجر عَن ذَلِك فَأَقَامَ عَلَيْهِ الْحَد ثَانِيًا فَلم ينزجر فوكله عمر رضي الله عنه إِلَى سعد بن أبي وَقاص رَضِي الله عَنهُ
وَكَانَ لسعد صَاحب فِي الْجَيْش فَأمره أَن يحملهُ أَيْنَمَا ذهب فقيده صَاحِبَة وَكَانَ يحملهُ من منزل إِلَى آخر حَتَّى بلغُوا قرب الْقَادِسِيَّة وَكَانَ سعد يخرج كل يَوْم للمحاربة والمبارزة وَكَانَ الْعَدو قدمُوا ثلثمِائة وَسبعين ميلًا بَين يَدي الْمُسلمين فَمَرض سعد يَوْمًا وَلم يسْتَطع أَن يحارب فَصَعدَ السَّطْح وَجعل ينظر من بعيد إِلَى محاربتهم وَكَانَ يرى الْهَزِيمَة على الْمُسلمين فضجر بذلك وَكَانَ يَقُول فِي نَفسه لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم وَكَانَ أَبُو محجن فِي ذَلِك الْبَيْت فَسمع ذَلِك وَقَالَ لَا مرأة سعد بن أبي وَقاص عَليّ عهد الله تَعَالَى وميثاقه أَن أَذِنت لي حَتَّى أخرج وأحارب عَدو الله تَعَالَى وأعود ثَانِيًا فخلت سَبيله فَقَالَ لَهَا أَبُو محجن أَعْطِنِي فرسا وسلاحا فَأَعْطَتْهُ رمكة بلقاء وَكَانَ مركب سعد رضي الله عنه وَدفعت إِلَيْهِ درعه وَرمحه ومغفرة فجَاء وَحَارب محاربة شَدِيدَة حَتَّى انهزم الْعَدو ثمَّ رَجَعَ وَقيد نَفسه فَنزل سعد من السَّطْح وَقَالَ كَانَت الْهَزِيمَة على الْمُسلمين إِلَّا أَن الله تَعَالَى أظهر رجل على رمكه بلقاء مثل رمكتي هَذِه وَمَعَهُ رمح مثل رُمْحِي وَدرع مثل دِرْعِي فقاتل حَتَّى انهزم الْعَدو ثمَّ رَجَعَ فَقَالَت امْرَأَته ذَلِك الرجل أَبَا محجن فَإِنَّهُ لما سمع الْهَزِيمَة على الْمُسلمين حلف بِاللَّه تَعَالَى ليقاتلن ثمَّ ليرجعن فخليت سَبيله وأعطيته مركبك وسلاحك فَبكى سعد وَكتب إِلَى عمر رضي الله عنه مَا صنع أَبُو محجن فَكتب عمر رضي الله عنه
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم من عبد الله عمر إِلَى أبي محجن اتَّقِ الله يَا أَبَا