الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لِأَنَّهُ يجوز أَن يُسمى الْأَبْيَض بالأسود وَالْأَعْمَى بالبصير على طَرِيق الْمجَاز فَكَذَلِك هَا هُنَا وَلكنه مترخص وَصَاحب الْعَزِيمَة وَهُوَ التارك لمثل هَذِه الْكَلِمَات هُوَ الْأَفْضَل وَالدُّخُول فِي أَمر السلاطين فِي زَمَاننَا هَذَا مَعَ التَّحَرُّز عَن مثل هَذِه الجرائم غير مُمكن فالأسلم ترك الخطابة والاشتغال بالتقوى المستطابة فَإِن جاه الْأُخْرَى أبقى وزخارف الدُّنْيَا لَا يطمئن بهَا إِلَّا الأشقى وَالْعِيَاذ بِاللَّه تَعَالَى وَالله أعلم
الْبَاب الْحَادِي وَالْعشْرُونَ
فِي الاحتساب فِي الْخُصُومَة الْوَاقِعَة بَين الْجِيرَان
رجل هدم بَيته فَلم يبن وَالْجِيرَان يتضررون بِهِ كَانَ لَهُم جبره على الْبناء إِذا كَانَ قَادِرًا لِأَن لَهُم ولَايَة دفع الضَّرَر هَكَذَا ذكر هُنَا وَالْمُخْتَار أَنه لَيْسَ لَهُم ذَلِك لِأَن الْمَرْء لَا يجْبر على بِنَاء ملكه
رجل لَهُ دَار أَن يرفع بناءه ويمنعه الْجَار أَن مَنعه لِأَنَّهُ يسد عَلَيْهِ الضَّوْء فَلهُ الْمَنْع لِأَن الضَّوْء من الْحَوَائِج الْأَصْلِيَّة فَإِن مَنعه لِأَنَّهُ يسد عَلَيْهِ الشَّمْس وَالرِّيح فَلَيْسَ لَهُ ذَلِك لِأَنَّهُمَا من الْحَوَائِج الزَّائِدَة وَالْأَصْل أَن من تصرف فِي ملكه تَصرفا يضر بجاره ضَرَرا بَينا يمْنَع منع وَإِلَّا فَلَا وَعَلِيهِ الْفَتْوَى وَاصل آخر فِي الْعُلُوّ والسفل أَن تصرف صَاحب الْعُلُوّ إِن كَانَ يضر بالسفل بِيَقِين أَو شكّ أَنه يضر أَو لَا يملك صَاحب الْعُلُوّ ذَلِك بِغَيْر إِذن صَاحب السّفل بِلَا خلاف وَأما إِذا علم بِيَقِين أَنه لَا يضر اخْتلفُوا فِيهِ وَالْمُخْتَار أَنه
يملك وأصل آخر أَن من تصرف فِي ملكه تَصرفا يَزُول بِهِ نفع جَاره بِملك الْمُتَصَرف لَا يمْنَع من ذَلِك وَإِن سخط جَاره كَمَا لَو كَانَ لرجل شَجَرَة يستظل بهَا جَاره أَرَادَ الْمَالِك قلعهَا لَا يمْنَع الْمَالِك عَن ذَلِك وكما مر من مَسْأَلَة بِنَاء الْجِدَار فِي أول الْبَاب وأصل آخر أَن الِانْتِفَاع بِملك الْغَيْر إِنَّمَا يجوز إِذا لم يمنعهُ الْمَالِك فَإِن مَنعه لَا يجوز والهواء ملك لمن هُوَ مَالك الأَرْض وَالْبناء وَالْوَارِث وَالْمُشْتَرِي قائمان مقَام أَصلهمَا كَمَا لَو اشْترى رجل ضَيْعَة وفيهَا أَغْصَان متدلية من شَجَرَة ضَيْعَة بجنبها أَو ورثهَا فللوارث وَالْمُشْتَرِي أَن يَأْمر الْجَار بتفريغ هَوَاء ضيعته
قَالَ العَبْد فعلى قِيَاس هَذَا إِذا مَال الْحَائِط إِلَى دَار الْجَار بِحَيْثُ يشغل من هَوَاء دَار جَارة شَيْئا فَلهُ أَن يَأْمُرهُ بتفريغ هوائه وَنقض حَائِطه وَإِن كَانَ لَا يخَاف على وُقُوعه وعَلى قِيَاس هَذَا لَا يجوز لأحد أَن يَبْنِي فَوق الْقُبُور بَيْتا أَو مَسْجِدا لِأَن مَوضِع الْقَبْر حق للمقبور وَلِهَذَا لَا يجوز نبشه إِذا كَانَ الْقَبْر فِي ملكه وَملكه بعد فِي قَبره بَاقٍ لاحتياجه إِلَيْهِ فَلَا يجوز لأحد من ورثته أَو جِيرَانه التَّصَرُّف على هَوَاء قَبره ثمَّ فِي مَسْأَلَة الشَّجَرَة إِذا لم يقطع صَاحب الشَّجَرَة غُصْن شجرته وَلَا يفرغ هواءه هَل للْجَار أَن يقطع غُصْن الشَّجَرَة وَجَوَابه أَنه يقطع بِغَيْر إِذن الْجَار روى ذَلِك عَن مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى قَالُوا وَهَذِه الْمَسْأَلَة على وَجْهَيْن
أَحدهمَا إِنَّه إِن أمكنه أَن يفرغ هواءه بِغَيْر الْقطع بِأَن يسحب غصنه
بِحَبل لَا يقطع فَإِن لم يفعل يَأْمُرهُ الْحَاكِم بذلك وَإِن لم يُمكنهُ فَالْأولى أَن يسْتَأْذن الْمَالِك فِي قطعه فَإِن أذن قطع وَإِن لم يَأْذَن يرفع الْأَمر إِلَى الْحَاكِم حَتَّى يَأْذَن لَهُ وَإِن قطعه بِنَفسِهِ فَهَذَا على وَجْهَيْن
إِن قطعه فِي مَوضِع لَا يكون الْقطع فِي مَوضِع آخر أَنْفَع لَا يضمن وَإِن كَانَ الْقطع فِي مَوضِع آخر أَعلَى مِنْهُ أَو أَسْفَل أَنْفَع ضمن وَإِن كَانَ الْقطع من جَانب صَاحب الشَّجَرَة أقل ضَرَرا لَيْسَ للْجَار أَن يقطعهُ من جَانب نَفسه وَلَكِن يرفع الْأَمر إِلَى القَاضِي ليأمره بِالْقطعِ فَإِن لج وَأبي بعث القَاضِي أَمينا جتى يقطعهُ من جَانب صَاحب الشَّجَرَة وَمَا أنْفق الْجَار فِي الْقطع فَهُوَ مُتَبَرّع
دَار فِي سكَّة غير نَافِذَة لرجل وَاشْترى بجنبها بَيْتا ظَهره فِي هَذِه السِّكَّة وبابه فِي سكَّة أُخْرَى وَأَرَادَ أَن يفتح لهَذَا الْبَيْت بَابا فِي هَذِه السِّكَّة لَيْسَ لَهُ ذَلِك وَلأَهل السِّكَّة أَن يمنعوه عَن ذَلِك وَقيل لَهُ ذَلِك وَلَو أَرَادَ أَن يفتح بَابا لهَذَا الْبَيْت فِي دَاره ليدْخل من الْبَيْت فِي دَاره ويتطرق من دَاره إِلَى السِّكَّة فَإِنَّهُ لَا يكون لأهل السِّكَّة أَن يمْنَعُونَ عَن ذَلِك إِلَّا إِذا آجر الْبَيْت من رجل وَترك الدَّار لنَفسِهِ ليدْخل الْمُسْتَأْجر الْبَيْت من طَرِيق السِّكَّة فِي الدَّار فَيدْخل من الدَّار فِي الْبَيْت الْمُسْتَأْجر فَيمْنَع من ذَلِك وَأَن أجر الْبَيْت وَالدَّار لَا يمْنَع لِأَن الْمُسْتَأْجر يقوم مقَام الْأجر فِي الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة لِأَن الْمَار وَاحِد وَفِي الأولى اثْنَان فَيكون لَهُم حق الْمَنْع
دَار فِي سكَّة غير نَافِذَة بَين وَرَثَة فاقتسموها بَينهم فَأَرَادَ أَن يفتح كل وَاحِد
مِنْهُم بَابا فِي هَذِه السِّكَّة فَلهم ذَلِك وَلَا يكون لأهل السِّكَّة أَن يمنعوهم عَن ذَلِك دَار لرجل بَابهَا فِي سكَّة نَافِذَة وَقد كَانَت فِي الْقَدِيم بَابهَا فِي سكَّة غير نَافِذَة فَبَاعَهَا من رجل فَأَرَادَ المُشْتَرِي أَن يفتح بَابا فِي غير تِلْكَ السِّكَّة فَإِن أقرّ أهل السِّكَّة كلهم بذلك فَلهُ ذَلِك لِأَن المُشْتَرِي قَائِم مقَام البَائِع وَإِن أَنْكَرُوا يحلف وَاحِد فَإِن حلف سقط حفه إِلَّا بِبَيِّنَة وَإِن نكل وَاحِد يحلف وَاحِد وَاحِد إِلَى أَن ينكل الْكل فَإِن نكل الْكل ثَبت حَقه فَلهُ فتح الْبَاب فِيهَا
أهل السِّكَّة إِذا أَرَادوا أَن يجْعَلُوا دربا أَو يسدوا رَأس السِّكَّة لَيْسَ لَهُم ذَلِك لِأَن مثل هَذِه السِّكَّة وَإِن كَانَت ملكا لأَهْلهَا ظَاهرا لَكِن للعامة فِيهَا نوع من الْحق أَيْضا وَهُوَ أَنه إِذا ازْدحم النَّاس فِي الطَّرِيق كَانَ لَهُم أَن يدخلُوا حَتَّى يخف الازدحام وَلِهَذَا لَا يكون لَهُم أَن يبيعوها وَلَا أَن يقتسموها بَينهم قَالَ أَبُو حنيفَة الطَّرِيق إِذا كَانَت غير نَافِذَة فلاصحابه أَن يضعوا فِيهِ الْخشب ويربطوا الدَّوَابّ وَأَن يتوضأوا فِيهِ فَإِن عطب إِنْسَان بِمَاء الْوضُوء والخشبة وَالدَّابَّة فَلَا ضَمَان على الرابط والمتوضئ والواضع وَلكُل صَاحب دَار الِانْتِفَاع بِفنَاء دَاره مَا لَيْسَ لغيره من القاء الثَّلج والطين والحطب وربط الدَّوَابّ وَالْقعُود وَبِنَاء الدّكان والتنور وَلَكِن بِشَرْط السَّلامَة قَالُوا وَبِنَاء الدّكان والتنور يجوز فِي الْعَامَّة وَأما فِي الْخَاصَّة فَلَيْسَ لَهُم ذَلِك إِلَّا بِإِذن جَمِيع أهل السِّكَّة وَلَيْسَ الْأَهْل السِّكَّة أَن يحفروا فِيهَا بِئْرا لصب المَاء وَإِن اجْتَمعُوا على ذَلِك كلهم
وَفِي فَتَاوَى الفضلي لأهل السِّكَّة ربط الدَّوَابّ بِفنَاء دَاره وَلَيْسَ لَهُ بِنَاء الْآجر وَأَن فعل وَاحِد مِنْهُم فَلِكُل وَاحِد مِنْهُم أَن يَأْخُذ بِنَقْض الْآجر لِأَنَّهُ مُشْتَرك وَالِانْتِفَاع بِالْبَيْتِ الْمُشْتَرك جَائِز والربط انْتِفَاع وَلَيْسَ لأحد الشُّرَكَاء الْبناء فِيهِ
وَإِذا أَرَادَ الرجل أَن يتَّخذ طينا فِي زقاق غير نَافِذَة أَن ترك من الطَّرِيق قدر مُرُور النَّاس وَيَرْفَعهُ سَرِيعا ويتخذ فِي الْأَحَايِين مرّة لم يمْنَع من ذَلِك
دَار فِي محلّة عامرة أَرَادَ صَاحبهَا أَن يخربها لَهُ ذَلِك فِي الْقيَاس وَفِي الِاسْتِحْسَان لَيْسَ لَهُ ذَلِك وَعَلِيهِ فَتْوَى أبي الْحسن الْكَرْخِي وعَلى الْقيَاس فَتْوَى الصَّدْر الشهديد حسام الدّين رحمه الله وَالضَّرَر الْبَين مثل أَن يوهن دوران الرَّحَى للطحان جِدَار الْجَار أَو ريح دورانه فَلَو أَرَادَ وَاحِد أَن يتَّخذ فِي دَاره خراسا فللجار مَنعه لما ذكرنَا وَمِنْهَا مَا رُوِيَ عَن أبي يُوسُف فِيمَن يتَّخذ فِي دَاره حَماما ويتأذى مِنْهُ الْجِيرَان من دخانها فَلهم مَنعه إِلَّا أَن يكون دُخان الْحمام مثل دخانهم وَمِنْهَا مَا لَو اتخذ الْمسكن الْقَدِيم اصطبلا وَيجْعَل حوافر الدَّوَابّ غلى جدارالجار يمْنَع من ذَلِك لِأَنَّهُ يوهن الْبناء وَلَو خرب الْجِدَار بذلك قيل لَا يضمن لِأَن فعل الدَّابَّة جَبَّار وَلَو ضمن إِنَّمَا يضمن لإدخال الدَّابَّة فِي الْمسكن وَأَنه لَيْسَ بمتعد فِيهِ
وَمِنْهَا رجل لَهُ شَجَرَة فرصاد قد بَاعَ أَغْصَانهَا فَإِذا ارتقاها المُشْتَرِي اطلع على عورات الْجَار قَالَ يرفع الْجَار إِلَى القَاضِي حَتَّى يمنعهُ من ذَلِك قَالَ الصَّدْر الشَّهِيد فِي واقعاته الْمُخْتَار أَن المُشْتَرِي يُخْبِرهُمْ فِي وَقت الارتقاء مرّة أَو مرَّتَيْنِ حَتَّى يستروا أنفسهم لِأَن هَذَا جمع بَين الْحَقَّيْنِ وَأَن لم يفعل يرفع الْجَار إِلَى القَاضِي فَإِن رأى القَاضِي الْمَنْع كَانَ لَهُ ذَلِك
وَمِنْهَا أَنه لَو فتح كوَّة فِي جِدَاره حَتَّى وَقع نظره مِنْهَا إِلَى نسَاء جَاره على رِوَايَة كتاب الْقِسْمَة لَا يمْنَع وَالْفَتْوَى على أَنه يمْنَع
وَفِي الْمُلْتَقط الناصري أَن خبازا أَتَّخِذ حانوتا فِي وسط البزازين يمْنَع من ذَلِك وَكَذَا كل ضَرَر عَام وَبِه أفتى أَبُو الْقَاسِم قَالَ العَبْد وَلذَلِك كنت أمنع الجصاصين من اتِّخَاذ مطبخ الجص بَين سوق نوهته
وَفِي شرب الْمُلْتَقط جِدَار بَين رجلَيْنِ وَبَيت أَحدهمَا أَعلَى بِذِرَاع أَو
بذراعين فعلَيْهِمَا جَمِيعًا بِنَاؤُه الْأَسْفَل إِلَى الْأَعْلَى وَإِن كَانَ بَيت احدهما أَعلَى بأَرْبعَة أَذْرع أَو نَحْو ذَلِك بِقدر مَا يُمكن أَن يتَّخذ بِنَاء فإصلاحه على صَاحب السّفل حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى مَوضِع الْبَيْت الآخر لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة حائطين سفل وعلو يَعْنِي إِذا لم يكن هَذَا التَّفَاوُت مخوفا
وَفِي الْفَتَاوَى النسفية أهل الذِّمَّة إِذا جعلُوا دُورهمْ بَين مصر الْمُسلمين مَقْبرَة لَا يمْنَعُونَ عَنهُ لِأَنَّهُ تصرف فِي ملكهم وَتَمَامه فِي بَاب الاحتساب على أهل الذِّمَّة وَفِي الْفَتَاوَى النسفية أَيْضا سُئِلَ عَن دارين لجارين سطح أَحدهمَا أَعلَى من الْأُخْرَى وسيل مَاؤُهَا على الْأُخْرَى فَأَرَادَ صَاحب السُّفْلى أَن يرفع سطحه أَو يَبْنِي على سطحه علوا هَل يحل لَهُ ذَلِك قَالَ نعم لِأَنَّهُ يتَصَرَّف فِي ملكه قيل هَل لجاره أَن يمنعهُ من ذَلِك لما فِيهِ من الْعَجز من مسيل مَاء سطحه إِلَى دَار قَالَ لَا وَلَكِن لَهُ أَن يُطَالِبهُ أَن يُوَجه مَاءَهُ بِأَن سطحه يسيله إِلَى طرف مِنْهُ بميزاب يَجعله إِلَى دَاره أَو فِي بنائِهِ قيل أَن انْتقض بِنَاء هَذِه الدَّار الَّتِي إِلَيْهَا المسيل بِغَيْر صنع صَاحبه أَو بثقب صَاحبه هَل لصَاحب المسيل تَكْلِيف جَاره إِعَادَة الْبناء والعمارة لإسالة الماي فِي دَاره قَالَ لَا وَله أَن يبنيه ويعمره بِنَفسِهِ بِمَالِه ثمَّ يمْنَع صَاحبه عَن الِانْتِفَاع بِهِ إِلَى أَن يُعْطِيهِ مَا أنْفق فِيهِ