الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
علم المتأخر منهما فهو مذهبه، ويكون الأول منسوخا، وإلا حكي عنه القولان من غير أن نحكم على أحدهما بالرجوع. قوله:"وأقوال الشافعي كذلك" هي إشارة إلى الحالين المتقدمين؛ أي: وقع منه التنصيص عليهما في موضع واحد من غير ترجيح البتة، منحصر في سبع عشرة مسألة، على ما نقله الشيخ أبو إسحاق الشيرازي عن الشيخ أبي حامد. وقوله:"وهو دليل" أي: وقوع القولين من الشافعي على الوجهين المتقدمين دليل على علو شأنه في العلم والدين، فأما الحال الأول، وهو وقوع القولين في موضع واحد، فوجه دلالته على علو شأنه في العلم أن كل من كان أغوص نظرا وأتم وقوفا على شرائط الأدلة، كانت الإشكالات الموجبة للتوقف عنده أكثر، وأما في الدين فلأنه لما لم يظهر له وجه الرجحان صرح بعجزه عما هو عاجز فيه، ولم يستنكف من الاعتراف بعدم العلم به، وقد نقل الاعتراف بذلك عن عمر أيضا وعده المسلمون من مناقبه، وأما النوع الثاني وهو تنصيصه على القولين في موضعين، فوجه دلالته على علو شأنه في العلم أنه يعرف به أنه كان طول عمره مشتغلا بالطلب والبحث، وأما في الدين فلأنه لا يدل على أنه متى لاح له في الدين شيء أظهره، وأنه لم يكن يتعصب لترويج مذهبه. "فرع" قال في المحصول: إذا لم نعرف القول المنسوب إلى الشافعي في القولين المطلقين، وعرفنا قوله في نظير تلك المسألة، فإن كان بين المسألتين فرق يجوز أن يذهب إليه ذاهب لم نحكم بأن قوله في المسألة كقوله في نظيرها؛ لجواز أن يكون قد ذهب إلى الفرق، وإن لم يكن بينهما فرق البتة، فالظاهر أن يكون قوله في إحدى المسألتين قولا له في الأخرى، وهذه المسألة هي المعروفة بأن لازم المذهب هل هو مذهب أم لا؟ .
الباب الثاني: في الأحكام الكلية للتراجيح
قال: "الباب الثاني: في الأحكام الكلية للتراجيح، والترجيح: تقوية إحدى الأمارتين على الأخرى ليعمل بها، كما رجحت الصحابة خبر عائشة رضي الله عنها في التقاء الختانين، على قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الماء من الماء" 1. مسألة: لا ترجيح في القطعيات؛ إذ لا تعارض بينها، وإلا ارتفع النقيضان أو اجتمعا". أقول: عقد المصنف هذا الباب للأحكام الكلية للتراجيح، وهي الأمور العامة لأنواعها، بحيث لا تخص فردا من أفراد الأدلة، وجعله مشتملا على مقدمة مبينة لماهية الترجيح ولمشروعيته، وعلى أربع مسائل. إذا علمت ذلك فنقول: الترجيح في اللغة هو التمييل والتغليب، من قولهم: رجح الميزان، وفي الاصطلاح ما ذكره المصنف، وإنما خص الترجيح بالأمارتين أي: بالدليلين الظنيين؛ لأن الترجيح لا يجري بين القطعيات، ولا بين القطعي والظني كما ستعرفه. وقوله: ليعمل بها، احتراز عن تقوية إحدى الأمارتين على الأخرى لا ليعمل بها، بل لبيان إحداهما أفصح من الأخرى، فإنه ليس من الترجيح المصطلح عليه، وقال ابن الحاجب: هو
1 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحيض "81" والإمام أحمد في مسنده "3/ 47".
اقتران الأمارة بما تقوى به على معارضتها، وذكر الآمدي نحوه أيضا، وفيه نظر؛ فإن هذا حد للرجحان أو الترجيح، لا للترجيح من أفعال الشخص بخلاف الاقتران، ثم استدل المصنف على اعتبار الترجيح ووجوب العمل بالراجح بإجماع الصحابة رضي الله عنهم على ذلك، فإنهم رجحوا خبر عائشة في التقاء الختانين، وهو قولها: إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم فاغتسلنا، على خبر أبي هريرة وهو قوله عليه الصلاة والسلام:"إنما الماء من الماء" وذلك لأن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وخصوصا عائشة أعلم بفعله في هذه الأمور من الرجال الأجانب، وذهب قوم كما قاله في المحصول1 إلى إنكار الترجيح في الأدلة قياسا على البينات، وقالوا عند التعارض: يلزم التخيير أو الوقف. قوله: "مسألة: لا ترجيح في القطعيات" يعني: أن الترجيح يختص بالدلائل الظنية ولا يقع في القطعيات، سواء كانت عقلية أو نقلية؛ لأن الترجيح متوقف على وقوع التعارض فيها، ووقوعه فيها محال؛ لأنه لو وقع لكان يلزم منه اجتماع النقيضين أو ارتفاعهما؛ وذلك لأنه لا جائز أن يعمل بأحدهما دون الآخر، لأنه تحكم، فتعين إما إثبات مقتضاهما وهو جمع بين النقيضين، أو رفع مقتضاهما وهو رفع النقيضين، وكلاهما محال وهذا ضعيف، فلقائل أن يقول: نعمل بأحدهما ولكن لمرجح وهو المدعى، ولم يستدل الإمام به، بل استدل بأن الترجيح تقوية، فلا يتأتى في القطعيات؛ لأنها تفيد العلم، والعلوم لا تتفاوت، وهذه الدعوى أيضا سبق منعها. ولو استدلوا بأنه يلزم منه اجتماع النقيضين ويقتصرون عليها لكان أظهر. واعلم أن إطلاق هذه المسألة وهو عدم الترجيح في القطعيات فيه نظر، لما ستعرفه في تعارض النصين، وسكت المصنف هنا عن التعارض بين القطعي والظني، وهو ممتنع لكون القطعي مقدما دائما. قال:"مسألة: إذا تعارض نصان فالعمل بهما من وجه أولى، بأن يتبعض الحكم فيثبت البعض، أو يتعدد فيثبت بعضها، أو يعم فيوزع، كقوله عليه السلام: "ألا أخبركم بخير الشهود؟ " فقيل: نعم: فقال: "أن يشهد الرجل قبل أن يستشهد" 2 وقوله: "ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل قبل أن يستشهد" فيجعل الأول على حق الله تعالى، والثاني على حقنا". أقول: وجه مناسبة هذه المسألة للكلام على الترجيح من حيث كونها معقودة لبيان شرط الترجيح كما ستعرفه، أو لأنا إذا أعملنا الدليلين من وجه، فقد رجحنا كلا منهما على الآخر من ذلك الوجه الذي أعمل فيه. وحاصل المسألة أنه إذا تعارض فإنما ترجيح أحدهما على الآخر إذا لم يمكن العمل بكل واحد منهما، فإن أمكن ولو من وجه دون وجه فلا يصار إلى الترجيح؛ لأن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما بالكلية؛ لكون الأصل في الدليل هو الإعمال
1 انظر المحصول، ص455، جـ2.
2 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الأقضية "19" وأبو داود في السنن، كتاب الأقضية، باب 13، والهندي في كنز العمال "17735".
لا الإهمال، ثم إن العمل بكل واحد منهما من وجه دون وجه، ويكون على ثلاثة أنواع، أحدها: أن يتبعض حكم كل واحد من الدليلين المتعارضين، أي: يكون قابلا للتبعيض فيثبت بعضه دون بعض، وعبر الإمام عن هذا النوع بالاشتراك والتوزيع، ولم يذكر له مثالا، ومثله التبريزي في التنقيح بقسمة الملك، وذلك كما إذا كان في يد اثنين دار فادعى كل واحد منهما أنها ملكه، فإنها تقسم بينهما نصفين؛ لأن يد كل منهما دليل ظاهر على ثبوت الملك، وثبوت الملك قابل للتبعيض فتبعض، ونحكم لكل واحد بعض الملك جمعا بين الدليلين من وجه، وكذلك إذا تعارضت البينتان فيه على قول القسمة بخلاف ما إذا تعارضنا في نحو القتل والقذف مما لا يتبعض. النوع الثاني: أن يتعدد كل حكم واحد من الدليلين، أي: يحتمل أحكاما فيثبت بكل واحد بعض تلك الأحكام، ولم يمثل له الإمام أيضا، ومثله بعضهم بقوله صلى الله عليه وسلم:"لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" 1 فإنه معارض لتقريره صلى الله عليه وسلم الصلاة في غير المسجد، ومقتضى كل واحد منهما متعدد فإن الخبر يحتمل نفي الصحة ونفي الكمال ونفي الفضيلة، وكذا التقرير يحتمل ذلك أيضا، فيحمل الخبر على نفي الكمال، ويحمل التقرير على الصحة. "الثالث" أن يكون كل واحد من الدليلين عاما أي: مثبتا لحكم في الموارد المتعددة فيوزع الدليلان عليها، ويحمل كل منهما على بعض تلك الموارد، كما مثله المصنف بقوله:"خير الشهود" إلى آخره، وإلى ذلك كله أشار المصنف بقوله: بأن تبعض إلى آخره، وهو متعلق بقوله: فالعمل. قال: "مسألة: إذا تعارض نصان وتساويا في القوة والعموم، وعلم المتأخر فهو ناسخ، وإن جُهل فالتساقط أو الترجيح وإن كان أحدهما قطعيا أو أخص مطلقا عمل به، وإن تخصص بوجه طلب الترجيح". أقول: هذه المسألة عقدها المصنف لبيان محل ترجيح النصين المتعارضين على الآخر، وحاصلها أن النصين المتعارضين على قسمين، أحدهما: أن يكونا متساويين في القوة والعموم، الثاني: أن لا يكونا كذلك، والمراد بتساويهما في القوة أن يكونا معا معلومين أو مظنونين، وبتساويهما في العموم أن يصدق كل منهما على كل ما صدق عليه الآخر، وأما قول كثير من الشارحين: إن التساوي في القوة لا يدخل فيه ما كان معلوم السند والدلالة لاستحالة التعارض في القطعيات فباطل؛ لأن المراد من التعارض هنا ما هو أعم من النسخ، ولهذا قسموه إليه، وقد صرح في المحصول بذلك في مواضع من المسألة، أعني بدخول المقطوع فيه في هذه الأقسام، وصرح أيضا بأن التعارض والترجيح قد يقع في القطعيات على وجه خاص يأتي ذكره، فدل على أن إطلاق المنع مردود، فأما القسم الأول وهو أن يكونا متساويين في القوة والعموم ففيه ثلاثة أحوال، أحدها: أن يعلم أن أحدهما متأخر الورود عن
1 أخرجه السيوطي في الدرر المنتثرة "176" والهندي في كنز العمال "20737" وابن حجر في تلخيص الحبير "2/ 31".
الآخر ويعلم أيضا بعينه فحينئذ يكون ناسخا للمتقدم، سواء كانا معلومين أو مظنونين، وسواء كانا من الكتاب والسنة، أو أحدهما من الكتاب والآخر من السنة، إلا أن من يقول: إن الكتاب لا يكون ناسخا للسنة وبالعكس فإنه يمنع ورود هذا القسم. قال في المحصول: وإنما يكون الأول منسوخا إذا كان مدلوله قابلا للنسخ، فإن لم يكن أي كصفات الله تعالى كما قاله النقسواني، فإنهما يتساقطان ويجب الرجوع إلى دليل آخر، ولو كان الدليلان خاصين فحكمهما حكم المتساويين في القوة والعموم، وسوء كانا قطعيين أو ظنيين، ولعل المصنف إنما لم يذكر ذلك لوضوحه. الثاني: أن يجهل المتأخر منهما فلم يعلم عينه فينظر، فإن كانا معلومين فيتساقطان، ويجب الرجوع إلى غيرهما؛ لأن كلا منهما يحتمل أن يكون هو المنسوخ -احتمالان على السواء- وإن كانا مظنونين وجب الرجوع إلى الترجيح فيعمل بالأقوى، فإن تساويا يخير المجتهد. هكذا صرح به في المحصول1، وإليه أشار المصنف بقوله: وإن جهل فالتساقط أو الترجيح، يعني: فالتساقط إن كانا معلومين أو الترجيح إن كانا مظنونين. وقد قرره الشارحون على غير هذا الوجه، وهو غير مطابق لما في المحصول. الحال الثالث: أن يعلم تقاربهما ولم يذكره المصنف، وقد ذكره في المحصول فقال: إن كانا معلومين وأمكن التخيير فيهما تعين القول به، فإنه إذا تعذر الجمع لم يبق إلا التخيير. قال: ولا يجوز أن يرجح أحدهما على الآخر بقوة الإسناد؛ لما عرف أن المعلوم لا يقبل الترجيح ولا أن يرجح أيضا بما يرجع إلى الحكم لكون أحدهما للحظر مثلا؛ لأنه يقتضي طرح المعلوم بالكلية، وإن كانا مظنونين وجب الرجوع إلى الترجيح، فيعمل بالأقوى، فإن تساويا فالتخيير. قوله:"وإن كان أحدهما قطعيا" شرع يتكلم في القسم الثاني، وهو أن لا يتساويا في القوة والعموم، فحينئذ إما أن لا يتساويا في القوة بأن يكون أحدهما قطعيا والآخر ظنيا، وإما أن لا يتساويا في العموم بأن يكون أحدهما أخص من الآخر مطلقا، أو أخص منه من وجه، فتلخص أن هذا القسم أيضا ثلاثة أحوال، والأعم مطلقا هو الذي يوجد مع كل أفراد الآخر وبدونه، كالحيوان والناطق، وكذا كل جنس مع نوعه، وكل لازم مع ملزومه كالزوجية مع العشرة، ومقابله هو الأخص مطلقا، وأما الأخص من وجه والأعم من وجه، فهما اللذان يجتمعان في صورة وينفرد كل منهما عن الآخر في صورة، كالحيوان والأبيض. الحال الأول: أن يكون أحدهما قطعيا والآخر ظنيا، فحينئذ يرجح القطعي ويعمل به سواء كانا عامين أو خاصين، أو كان المقطوع به خاصا والمظنون عاما، فإن كان بالعكس قدم الظني كما سيأتي في القسم الذي بعده. الحال الثاني: أن يكون أحدهما أخص من الآخر مطلقا فحينئذ يرجح الخاص على العام ويعمل به جمعا بين الدليلين سواء علم تأخره
1 انظر المحصول، ص465، جـ2.
عن العام أم لا، على خلاف فيه مذكور في موضعه، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الخاص مظنونا والعام مقطوعا به أم لا، كما قال في المحصول؛ لأن التخصيص المعلوم بالمظنون جائز على الصحيح، وهذه الصورة لا تؤخذ من كلام المصنف في هذه المسألة؛ لأن كلامه هذا وإن اقتضى إدخالها، فكلامه في القسم الذي قبله يقتضي إخراجها، لكنها تؤخذ من كلامه في التخصيص، ولعل المصنف أهملها لذلك، نعم إن عملنا بالعام المقطوع به ثم ورد الخاص بعد ذلك فلا نأخذ به إذا كان مظنونا؛ لأن الأخذ به في هذه المسألة نسخ لا تخصيص كما سبق غير مرة، ونسخ المقطوع بالمظنون لا يجوز.
والحال الثالث: أن يكون العموم والخصوص بينهما من وجه دون وجه، فحينئذ يطلب الترجيح بينهما من جهة أخرى ليعمل بالراجح؛ لأن الخصوص يقتضي الرجحان كما تقدم، وقد ثبت ههنا لكل واحد منها خصوص من وجه بالنسبة إلى الآخر، فيكون لكل منهما رجحان على الآخر، ومثاله قوله عليه الصلاة والسلام:"من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها" 1 فإن بينه وبين نهيه عليه الصلاة والسلام عن الصلوات في الأوقات المكروهة عموما وخصوصا من وجه، لأن الخبر الأول عام في الأوقات، خاص ببعض الصلوات وهي القضاء، والثاني عام في الصلاة، مخصوص ببعض الأوقات وهو وقت الكراهية، فيصار إلى الترجيح كما قلناه، ولا فرق في ذلك بين أن يكونا قطعيين أو ظنيين، لكن في الظنيين يمكن الترجيح بقوة الإسناد، وبالحكم ككون أحدهما للخطر مثلا أن يأتي على ما سيأتي، وأما في القطعيين فلا يمكن الترجيح بقوة الإسناد كما نبه عليه في المحصول، بل يرجح بالحكم كالتحريم مثلا؛ لأن الحكم بذلك يعني بالتقديم بهذا الوجه طريقة الاجتهاد، وليس في ترجيح أحدهما على الآخر بالاجتهاد اطراح الآخر. قال بخلاف ما إذا تعارضا من كل وجه، ومراده بالتعارض من كل وجه، ما إذا علمنا أنهما تقارنا، فإنه لا يجوز أن يرجح أحدهما على الآخر أصلا كما تقدم ذكره، وحيث قلنا بالترجيح فلم يترجح أحدهما على الآخر فالحكم التخيير كما قاله في المحصول، وقد جزم المصنف أيضا بذلك في الأقسام السابقة. واستفدنا من كلامه هنا أن الصحيح عنده في تعادل الأمارتين إنما هو التخيير، فإنه لم يصحح هناك شيئا. قال:"مسألة: قد يرجح بكثرة الأدلة؛ لأن الظنين أقوى، قيل: يقدم الخبر على الأقيسة، قلنا: إن اتحد أصلها فمتحدة، وإلا فممنوع". أقول: مذهب الشافعي كما قاله الإمام وغيره، أنه يجوز الترجيح بكثرة الأدلة؛ لأن كل واحد من الدليلين يفيد ظنا، وإلا لم يكن دليلا، والظن الحاصل من أحدهما غير الظن الحاصل من الآخر؛ لاستحالة اجتماع المؤثرين على أثر واحد، ولا شك أن الظنين أقوى من الظن
1 أخرجه ابن عبد البر في التمهيد "2/ 258"، وابن عبد البر أيضا في الاستذكار "1/ 92".