الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} [الحجر: 3] ومنه أخوات أجمعين كأكتعين أبصعين أبتعين. والثاني: أن يكون مؤكدا للجملة كان، نحو قوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} [الأحزاب: 56] إذا علمت هذا علمت أن المصنف أطلق المفرد على المثنى والمجموع وهو صحيح؛ لأن المفرد يطلق ويراد به ما ليس بجملة، ومن الناس من منع الترادف والتوكيد قال في المحصول: فإن كان نزاعه في الجواز العقلي فهو باطل بالضرورة؛ لأن العقل لا يحيل الاهتمام ولا تعدد الوسائل، وإن كان الوقوع فكذلك أيضا؛ لأن من استقرأ لغة العرب علم أنه واقع، لكن إذا دار الأمر بين التأكيد والتأسيس، فالتأسيس أولى كما في الترادف. فقول المصنف: وجوازه ضروري يحتمل عوده إلى كل من الترادف والتأكيد، أو إليهما معا، وتقدير كلامه: وجواز ما ذكر في هذا الفصل. واعلم أن هذه المسألة ليست من الترادف معه أنه جعلها من أحكامه، حيث قال: وأحكامه في مسائل يعني: أحكام الترادف، فلو قال أولا: الفصل الرابع في الترادف والتأكيد كما قال الإمام وأتباعه، لاستقام.
الفصل الخامس:
المسألة الأولى:
قال: "الفصل الخامس: في الاشتراك، وفيه مسائل: الأولى: في إثباته، أوجبه قوم لوجهين، الأول: أن المعاني غير متناهية والألفاظ متناهية، فإذا وزع لزم الاشتراك ورد بعد تسليم المقدمتين بأن المقصود بالوضع متناهٍ. والثاني: أن الوجود يطلق على الواجب والممكن، ووجود الشيء عينه، ورد بأن الوجود زائد مشترك، وإن سلم فوقوعه لا يقتضي وجوبه، وأحاله آخرون؛ لأنه لا يفهم الغرض فيكون مفسدة ونقص بأسماء الأجناس والمختار إمكانه لجواز أن يقع من واضعين أو واحد لغرض الإبهام حيث جعل التصريح سببا للمفسدة، ووقوعه للتردد في المراد من القرء ونحوه، ووقع في القرآن العظيم مثل ثلاثة قروء: {وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ} [التكوير: 17] " أقول: المشترك هو اللفظ الموضوع لكل واحد من معنيين فأكثر، وزاد الإمام فيه قيودا لا حاجة إليها، وقد ذكر المصنف هذا الحد في تقسيم الألفاظ حيث قال: فإن وضع لكل فمشترك؛ فلذلك لم يذكره هنا، فإن قيل: فلم ذكر حد الترادف مع تقدمه في التقسيم؟ قلنا: ليفرق بينه وبين التأكيد والتابع كما مر، وقد اختلف في الاشتراك على أربعة مذاهب حكاها المصنف، أحدها: أنه واجب أي: يجب بحكم المصلحة العامة أن يكون في اللغات ألفاظ مشتركة. والثاني: أنه مستحيل. والثالث: أنه ممكن غير واقع. والرابع: أنه ممكن واقع واختاره المصنف، واستدل القائلون بالوجوب بوجهين الأول: أن المعاني غير متناهية لأن الأعداد أحد أنواع المعاني وهي غير متناهية، إذ ما من عدد إلا وفوقه عدد آخر، والألفاظ متناهية؛ لأنها مركبة من الحروف المتناهية وهي ثمانية وعشرون حرفا، والمركب من المتناهي متناهٍ فإذا وزعت المعاني غير المتناهية على الألفاظ المتناهية، لزم أن تشترك المعاني الكثيرة في اللفظ الواحد، وإلا يلزم خلو بعض المعاني عن لفظ يدل عليه وهو محال، وأجاب المصنف بوجهين، أحدهما: منع المقدمتين ولم يذكر مستند المنع تبعا
للإمام، وتقريره: أنا لا نسلم أن المعاني غير متناهية؛ لأن حصول ما لا نهاية له في الوجود محال، وأما الأعداد فالداخل منها في الوجود متناهٍ، وأيضا فأصولها متناهية، وهي الآحاد والعشرات والمئات والألوف، والوضع للمفردات لا للمركبات، ولا نسلم أيضا أن الألفاظ متناهية. قولهم: لأن المركب من المتناهي متناهٍ، ممنوع لإمكان تركيب كل حرف مع آخر إلى ما لا نهاية له، وأيضا فأسماء الأعداد غير متناهية على ما قالوه مع أنها مركبة من الحروف المتناهية، وقد صرح في المحصول هنا بأن هاتين المقدمتين باطلتان، وناقض كلامه فجزم بكون المعاني غير متناهية في النظر. الرابع: من باب اللغات والجواب الثاني وهو بعد تسليم المقدمتين: أن المقصود بالوضع متناهٍ، وتقريره من وجهين، أحدهما وهو المذكور في المحصول ومختصراته: أن المعاني التي يقصدها الواضع بالتسمية متناهية؛ لأن الوضع للمعاني فرع عن تصورها، وتصور ما لا يتناهى محال، فإن قيل: لا استحالة فيه إذا قلنا: الواضع هو الله تعالى وهو الراجح قلنا: الوضع لفائدة مخاطبة الناس بها، وهو موقوف على تصورهم أيضا، والثاني وهو المذكور في المنتخب: أن المعاني على قسمين، منها ما تشتد الحاجة إلى الوضع له، ومنها ما ليس كذلك كأنواع الروائح، فإنه لم يوضع لكل رائحة منها اسم يخصه، فإذا تقرر خلو بعض المعاني عن الأسماء وأن الوضع إنما يكون لما تشتد الحاجة إليه، فلا نسلم أن هذا المحتاج إليه غير متناهٍ، وأجاب ابن الحاجب بجواب آخر، وهو أن الاشتراك إنما يكون بين معانٍ متضادة أو مختلفة، وأما المتماثلة فلا اشتراك فيها، فإقامة الدليل على أن المعاني من حيث هي غير متناهية، لا يلزم منه إثباته في المختلفة والمتضادة، وهو المقصود، وأيضا فلو كانت الألفاظ مستوعبة للمعاني لكان بعض الألفاظ موضوعا لمعانٍ لا نهاية لها وهو باطل. الدليل الثاني: أن الوجود يطلق على الواجب سبحانه وتعالى، وعلى الممكن كالمخلوقات ووجود كل شيء ليس زائدا على ماهيته، بل هو عين ماهيته على مذهب الأشعري، فالوجود الذي يطلق على الذات المقدسة هو عين الذات، والذي يطلق على المخلوق هو عين المخلوق، والذاتان مختلفتان بالماهية فيكون الوجود أيضا مختلفا بالماهية، وقد أطلق عليه لفظ واحد إطلاقا حقيقيا بدليل عدم صحة النفي فيكون مشتركا، وأجاب المصنف بوجهين أحدهما: لا نسلم أن الوجود هو عين الماهية بل هو زائد عليها كما ذهب إليه المعتزلة، وذلك الزائد معنى واحد يشترك فيه الواجب والممكن، فيكون متواطئا لا مشتركا، وذهبت الفلاسفة إلى أن وجود الواجب عين ذاته، ووجود الممكن زائد عليه. والثاني: سلمنا أنه مشترك لكن وقوع الاشتراك لا يدل على وجوبه وهو المدعى. واعلم أن الإمام وأتباعه قد قرروا هذا الدليل على وفق الدعوى وهو الوجوب فقالوا: إن الألفاظ العامة كالوجود والشيء، واجبة الوقوع في اللغات لاشتداد الحاجة إليها، ثم ذكروا الدليل إلى آخره فغيره المصنف، ثم أورد عليه: وجوابه على تقرير الإمام أنه لا يلزم
من وجوب الوضع أن يكون لفظا وحدا. قوله: "وأحال آخرون" هذا هو المذهب الثاني، وهو استحالة الاشتراك، واحتج الذاهبون إليه بأن المشترك لا يفهم منه غرض المتكلم الذي هو المقصود بالوضع، فيكون وضعه سببا للمفسدة، والواضع حكيم فيستحيل أنه يضعه، والجواب: أن ما قالوه منتقض بأسماء الأجناس كالحيوان والإنسان، ألا ترى أنه لو قال: اشتر لي عبدا لم يفهم منه مراده؟ وكذلك الأسود وغيره من المشتقات فإنه لا يدل على خصوص تلك لذات كما تقدم في تقسيم الألفاظ، وفي الجواب نظر؛ فإن اسم الجنس موضوع للقدر المشترك، وهو معلوم من اللفظ بخلاف المشترك، فإن المقصود منه فرد معين وهو غير معلوم، فالأولى أن يجيب بأنه لا ينفي وقوع الاشتراك من قبيلتين، وبأن ما قالوه من المحذور ينتفي عند الحمل على المجموع. قوله:"والمختار إمكانه" هذا هو المذهب الثالث، وهو إمكانه الاشتراك؛ وذلك لأنه يمكن أن يكون من واضعين لم يعلم كل منهما بوضع الآخر، وهذا هو السبب الأكثري كما قال في المحصول1، وعلى هذا فلا يقدح فيه ما قالوه من المفاسد؛ لأن اجتنابها متوقف على العلم بوقوع الاشتراك، والغرض أن لا علم وأن يكون من واضع واحد لغرض الإبهام على السامع حيث يكون التصريح سببا للمفسدة كما روي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال لكافر سأله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت ذهابهما إلى الغار: من هذا؟ فقال: "رجل يهديني السبيل". قوله: "ووقوعه" هو معطوف على خبر المختار وهو الإمكان أي: والمختار إمكانه ووقوعه. وهذا هو المذهب الرابع، وبانضمام هذا إلى ما قبله استفدنا الثالث وهو أنه ممكن غير واقع، وبه صرح في المحصول فقال: وبعضهم سلم إمكانه وخالف في وقوعه وقال: وما يظن أنه مشترك فهو إما متواطئ أو حقيقة ومجاز. ثم استدل المصنف على الوقوع بأنا نتردد في المراد من القرء والعين والجواب ونحوها، فإنا إذا سمعنا القرء مثلا ترددنا بين الطهر والحيض على السواء، فلو كان حقيقة في أحدهما فقط أو في القدر المشترك لما كان كذلك وقد وقع في القرآن العظيم كقوله تعالى:{ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} {وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ} أي: أقبل وأدبر، وإنما أورد المصنف هذين المثالين؛ لأن أحدهما من الأسماء والآخر من الأفعال، وأيضا فأحدهما مجموع والآخر مفرد فتبين بذلك وقوع النوعين في القرآن ومنهم من منع وقوعه في القرآن والحديث، كما قال في المحصول؛ لأنه إن وقع مبينا طال من غير فائدة، وإن كان غير مبين فلا يفيد، وجوابه: أن فائدته الاستعداد للامتثال بين البيان، وأيضا فإنه كأسماء الأجناس.
1 انظر المحصول، ص97، جـ1.