الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القياس فتعريفه بهما دور، وقوله: لاشتراكهما في علة الحكم أشار به إلى الركن الرابع، وهو العلة وسيأتي تعريفها، واحترز بذلك عن إثبات مثل حكم معلوم في معلوم آخر لا للاشتراك في العلة، بل لدلالة نص أو إجماع فإنه لا يكون قياسا. وقوله: عند المثبت ذكره ليتناول الصحيح والفاسد في نفس الأمر، وعبر بالمثبت وهو القائس ليعمم المجتهد والمقلد، كما يقع الآن في المناظرات، قال الآمدي: وهذا الحد يرد عليه إشكال مشكل لا محيص عنه، وهو أن إثبات الحكم هو نتيجة القياس، فجعله ركنا في الحد يقتضي توقف القياس عليه وهو دور، وقد يقال: إنما يلزم ذلك أن لو كان التعريف المذكور حدا، ونحن لا نسلمه بل ندعي أنه رسم، وقد أشار إليه إمام الحرمين في البرهان. قال: قيل: "الحكمان غير متماثلين في قولنا لو لم يشترط الصوم في صحة الاعتكاف لما وجب بالنذر كالصلاة قلنا: تلازم، والقياس لبيان الملازمة والتماثل حاصل على التقدير، والتلازم والاقتراني لا نسميهما قياسا. وفيه بابان:
الباب الأول: في بيانه أنه حجة:
الباب الأول: في بيان أنه حجة
، وفيه مسائل". أقول: اعترض بعضهم على هذا الحد، فقال: إنه غير جامع؛ لأن اشتراط تماثل الحكمين مخرج لقياس العكس وهو إثبات نقيض حكم معلوم في معلوم آخر لوجود نقيض عليه فيه، ومثاله ما قاله المصنف، وتقريره أنه إذا نذر أن يعتكف صائما، فإنه يشترط الصوم في صحة الاعتكاف اتفاقا، ولو نذر أن يعتكف مصليا لم يشترط الجمع اتفاقا، بل يجوز التفريق، واختلفوا في اشتراط الصوم في الاعتكاف بدون نذره معه، فشرطه أبو حنيفة ولم يشترطه الشافعي، فيقول أبو حنيفة: لو لم يكن الصوم شرطا لصحة الاعتكاف عند الإطلاق لم تصر شرطا له بالنذر، قياسا على الصلاة، فإنها لما لم تكن لصحة الاعتكاف عند الإطلاق لم تصر شرطا له بالنذر، والجامع بينهما عدم كونهما شرطين حالة الإطلاق، فالحكم الثابت في الأصل أعني: الصلاة عدم كونها شرطا في صحة الاعتكاف، والعلة فيه كونها غير واجبة بالنذر، والحكم الثابت في الفرع كون الصوم شرطا في صحة الاعتكاف، والعلة فيه كونها غير واجبة بالنذر، والحكم الثابت في الفرع كون الصوم شرطا في صحة الاعتكاف، والعلة فيه وجوبه بالنذر فافترقا حكما وعلة، وأجاب المصنف بأنا لا نسلم أنه غير جامع، فإن الذي سميتموه قياس العكس إنما هو تلازم، فإن المستدل يقوم لو لم يشترط الصوم في صحة الاعتكاف لم يكن واجبا بالنذر، لكنه وجب بالنذر فيكون الصوم شرطا، فهذا في الحقيقة تمسك بنظم التلازم، وإلى هذا أشار بقوله: قلنا تلازم، ثم إن دعوى ملازمة أمر لأمر لا بد من بيانها بالدليل، فبينها المستدل بالقياس المستعمل عند الفقهاء، وهو أن ما ليس بشرط لصحة الاعتكاف لا يجب بالنذر قياسا على الصلاة، وإليه أشاربقوله: والقياس لبيان الملازمة، يعني أن القياس المحدود وهو القياس المستعمل عند الفقهاء قد استعمل ههنا لبيان الملازمة، فتخلص أن قياس العكس مشتمل على تلازم، وعلى القياس المحدود الذي لبيان الملازمة، ثم شرع المصنف يجيب عن كل منهما لاحتمال أن يكون هو المقصود بالإيراد، فأجاب عن الثاني ثم
عن الأول، وحاصله: أن الخصم إن اعتمد في إيراد قياس العكس على القياس الذي لبيان الملازمة فهو غير وارد؛ لأن الأصل والفرع فيه متماثلان، لكن التماثل حاصل على التقدير، فإنه على تقدير عدم اشتراط الصوم في صحة الاعتكاف يلزم أن لا يشترط أيضا حالة النذر، كما أن الصلاة لا تشترط في الاعتكاف حالة النذر، فأثبت عدم وجوب الصوم بالنذر بالقياس عدم وجوب الصلاة بالنذر، على تقدير عدم اشتراط الصوم في صحة الاعتكاف، والجامع كون كل من الصلاة والصوم غير شرط في صحة الاعتكاف، فإن قولنا: إثبات مثل حكم معلوم في معلوم آخر أعم من أن يكون حقيقة أو تقديرا، وإلى هذا أشار بقوله: والتماثل حاصل على التقدير، وإن اعتمد الخصم في الإيراد على التلازم فنحن نسلم أنه خارج عن حد القياس، لكن لا يضرنا ذلك فإنه ليس بقياس عندنا؛ لأن أصول الفقه إنما يتكلم فيها على القياس المستعمل في الفقه، والفقهاء إنما يستعملون قياس العلة، وأما ما عداه كالتلازم والاقتراني فإن الذي يسميهما قياسا إنما هم المنطقيون، إذ القياس عندهم قول مؤلف من أقوال متى سلمت لزم عند لذاته قولي آخر، والذي يسميه الأصوليون قياسا يسميه المنطقيون تمثيلا، فالتلازم قد عرفته ويعبر عنه بالاستثنائي سواء كان بان أو لا. وأما الاقتراني فكقولهم: كل وضوء عبادة لا بد فيها من النية، ينتج أن كل وضوء فلا بد فيه من النية، وإلى هذا أشار بقوله: والتلازم والاقتراني لا نسميهما قياسا، والتقرير المذكور في السؤال والجواب اعتمده واجتنب غيره. قال:"الأولى في الدليل عليه يجب العمل به شرعا، وقال القفال والبصري عقلا، والقاشاني والنهرواني حيث العلة منصوصة أو الفرع بالحكم أولى، كتحريم الضرب على تحريم التأفيف، وداود أنكر التعبد به، وأحاله الشيعة والنظام، واستدل أصحابنا بوجوه، الأول: أنه مجاوزة عن الأصل إلى الفرع، والمجاوزة اعتبار وهو مأمور به، في قوله تعالى: {فَاعْتَبِرُوا} [الحشر: 2] قيل: المراد الاتعاظ، فإن القياس الشرعي لا يناسب صدر الآية، قلنا: المراد القدر المشترك، قيل: الدال على الكلي لا يدل على الجزئي، قلنا: بلى، ولكن ههنا جواز الاستثناء دليل العموم. قيل: الدلالة ظنية، قلنا: المقصود العمل فيكفي الظن". أقول: اتفق العلماء كما قاله في المحصول قبيل هذه المسألة، على أن القياس حجة في الأمور الدنيوية، واختلفوا في الشرعية، فذهب الجمهور إلى وجوب العمل بالقياس شرعا، وذهب القفال الشاشي من الشافعية وأبو الحسين البصري من المعتزلة إلى أن العقل قد دل على ذلك يعني مع السمع أيضا، كما صرح به في المحصول، وقال القاشاني والنهرواني: يجب العمل به في صورتين، إحداهما: أن تكون علة الأصل منصوصة إما بصريح اللفظ أو بإيمائه، والثانية: أن يكون الفرع بالحكم أولى من الأصل، كقياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف، واعترفا بأنه ليس للعقل هنا مدخل، لا في الوجوب ولا في عدمه، كما قاله في المحصول1 أيضا، وهذه الثانية أبدلها في المستصفى بالحكم الوارد على
1 انظر المحصول، ص245، جـ2.
سبب كرجم ماعز، وأبدلها في البرهان بالحكم الذي هو في معنى المنصوص عليه، كقياس صب البول في الماء بالبول فيه، لكنه جعل الثاني من كلام المصنف داخلا في القسم الأول، وأنكر داود الظاهري وأتباعه التعبد به شرعا، أي: قالوا: لم يرد في الشرع ما يدل على العمل بالقياس، وإن كان جائزا عقلا، وهذا الذي ذكره المصنف مخالف لما في المحصول والحاصل، فإن المذكور فيهما أن داود وأصحابه قالوا: يستحيل عقلا التعبد بالقياس كالمذهب الذي ذكره المصنف بعد هذا، لكنه موافق لما نقله عنه الغزالي وإمام الحرمين، وهو مقتضى كلام الآمدي وابن الحاجب أيضا، وذهب جماعة إلى أنه يستحيل عقلا التعبد بالقياس، ونقله المصنف عن النظام والشيعة، وفيه نظر من وجوه، منها أن صاحبي المحصول والحاصل وغيرهما نقلوا عن النظام أنه يقول بذلك في شريعتنا خاصة، قال: لأن مبناها على الجمع بين المختلفات والتفريق بين المتماثلات كما سيأتي. "ومنها" أن المصنف قد ذكر بعد هذا أن القياس الجلي لم ينكره أحد، وأن النظام يقول: إن التنصيص على العلة أمر بالقياس، فلزم من ذلك أن يكون مذهب النظام كمذهب القاشاني والنهرواني من غير فرق، وقد غاير بينهما وأن يكون مذهب داود والشيعة مخصوصا أيضا، ومنها أن الشيعة منقسمة إلى إمامية وزيدية، والزيدية قائلون بأنه حجة كما سيأتي في كلامه. قوله: استدل أي: استدل أصحابنا على كونه حجة بالكتاب، والسنة، والإجماع، والدليل العقلي، الأول: الكتاب وهو قوله تعالى: {فَاعْتَبِرُوا} ووجه الدلالة أن القياس مجاوزة بالحكم عن الأصل إلى الفرع، والمجاوزة اعتبار؛ لأن الاعتبار معناه العبور وهو المجاوزة، تقول: جزت على فلان أي: عبرت عليه، والاعتبار مأمور به لقوله تعالى:{فَاعْتَبِرُوا} وإلى الاعتبار أشار المصنف بقوله: وهو، فينتج أن القياس مأمور به. قوله:"قيل: المراد" أي: اعترض الخصم بثلاثة أوجه، أحدها: لا نسلم أن المراد بالاعتبار هنا هو القياس بل الاتعاظ، فإن القياس الشرعي لا يناسب صدر الآية؛ لأنه حينئذ يكون معنى الآية يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، فقاسوا الذرة على البر، وهو في غاية الركاكة فيصان كلام البارئ تعالى عنه، وأجاب المصنف بأن المرد بالاعتبار هو القدر المشترك بين القياس والاتعاظ، والمشترك بينهما هو المجاوزة، فإن القياس مجاوزة عن الأصل إلى الفرع كما تقدم، والاتعاظ مجاوزة من حال الغير إلى حال نفسه، وكون صدر الآية غير مناسب للقياس بخصوصه لا يستلزم عدم مناسبته للقدر المشترك بينه وبين الاتعاظ، فإن من سئل عن مسألة فأجاب بما لا يتناولها فإنه يكون باطلا، ولو أجاب بما يتناولها ويتناول غيرها فإنه يكون حسنا، والاعتراض الثاني: أنه لا يلزم من الأمر باعتبار الذي هو القدر المشترك الأمر بالقياس، فإن القدر المشترك معنى كلي والقياس جزئي من جزئياته، والدال على الكلي لا يدل على الجزئي، وأجاب في المحصول بوجهين، أحدهما وعليه اقتصر المصنف: أن ما قاله الخصم من كون الأمر بالماهية الكلية لا يكون أمرا بشيء من جزئياتها على التعيين،
مسلم لكن ههنا قرينة دالة على العموم وهي جواز الاستثناء، فإنه يصح أن يقال:"اعتبروا" إلا في الشيء الفلاني، وقد تقدم غير مرة أن الاستثناء معيار العموم، وهذا الجواب ضعيف؛ لأن الاستثناء إنما يكون معيار العموم إذا كان عبارة عن إخراج ما لولاه لوجب دخوله إما قطعا أو ظنا، ونحن لا نسلم أن الاستثناء بهذا التفسير يصح هنا، فإن الفعل في سياق الإثبات لا يعم، وأيضا فإن هذا الجواب لو صح لأمكن اطراده في سائر الكليات فلا يوجد كلي إلا وهو يدل على سائر الجزئيات وهو باطل. والجواب الثاني: أن ترتيب الحكم على الشيء يقتضي العلية، وذلك يقتضي أن علة الأمر بالاعتبار هو كونه اعتبارا، فلزم أن يكون كل اعتبار مأمورا به وهو أيضا ضعيف، لما قاله صاحب التحصيل من كونه إثباتا للقياس بالقياس، وقد يجاب آخر وهو أن الأمر بالماهية المطلقة وإن لم يدل على وجوب الجزئيات لكنه يقتضي التخيير بينهما عند عدم القرينة، والتخيير يقتضي جواز العمل بالقياس، وجواز العمل به يستلزم وجوب الفعل به؛ لأن كل من قال بالجواز قال بالوجوب. الاعتراض الثالث: سلمنا أن الآية تدل على الأمر بالقياس، لكن لا يجوز التمسك بها لأن التمسك بالعموم واشتقاق الكلمة كما تقدم إنما يفيد الظن، والشارع إنما أجاز الظن في المسائل العملية وهي الفروع بخلاف الأصول؛ لفرط الاهتمام بها، وأجاب المصنف بأنا لا نسلم أنها عملية؛ لأن المقصود من كون القياس حجة إنما هو العمل به لا مجرد اعتقاده كأصول الدين، والعمليات يكتفى فيها بالظن فكذلك ما كان وسيلة إليها، هذا هو الصواب في تقديره، وقد صرح به في الحاصل وهو رأي أبي الحسين، وإن كان الأكثرون كما نقله الإمام والآمدي، قالوا: إنه قطعي، وأما قول بعض الشارحين: إنه يكتفى فيها بالظن مع كونها علمية لكنها وسيلة، فباطل قطعا؛ لأن المعلوم يستحيل إثباته بطريق مظنونة، وقد التزم في المحصول هذا السؤال ولم يجب عنه. قال:"الثاني: قصة معاذ وأبي موسى قيل: كان ذلك قبل نزول {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] قلنا: المراد الأصول لعدم النص على جميع الفروع. الثالث: أن أبا بكر قال في الكلالة: أقول برأيي: للكلالة ما عدا الوالد والولد، والرأي هو القياس إجماعا، وعمر أمر أبا موسى في عهده بالقياس وقال في الجد: أقضي فيه برأيي، وقال عثمان: إن اتبعت رأيك فسديد، وقال علي: اجتمع رأيي ورأي عمر في أم الولد، وقاس ابن عباس الجد على ابن الابن في الحجب، ولم ينكر عليهم وإلا لاشتهر. قيل: ذموه أيضا، قلنا: حيث فقد شرطه توفيقا. الرابع: أن ظن تعليل الحكم في الأصل بعلة توجد في الفرع، يوجب ظن الحكم في الفرع والنقصان ولا يمكن العمل بهما ولا الترك لهما، والعمل بالمرجوح ممنوع فتعين العمل بالراجح".
أقول: الدليل الثاني على حجية القياس: السنة، فإنه روي "أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذا وأبا موسى إلى اليمن قاضيين، كل واحد منهما في ناحية فقال لهما: "بم تقضيان؟ " فقالا:
إذا لم نجد الحكم في السنة نقيس الأمر بالأمر، فما كان أقرب إلى الحق عملنا به، فقال عليه الصلاة والسلام:"أصبتما" 1 واعترض الخصم بأن تصويب النبي صلى الله عليه وسلم كان قبل نزول قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} فيكون القياس حجة في ذلك الزمان؛ لكون النصوص غير وافية بجميع الأحكام، وأما بعد إكمال الدين والتنصيص على الأحكام فلا يكون حجة؛ لأن شرط القياس فقدان النص. والجواب أن التصويب دال على كونه حجة مطلقا، والأصل عدم التخصيص بوقت دون وقت، المراد من الإكمال المذكور في الآية إنما هو إكمال الأصول؛ لأنا نعلم أن النصوص لم تشتمل على أحكام الفروع كلها مفصلة، فيكون القياس حجة في زماننا لإثبات تلك الفروع. قوله:"الثالث" أي: الدليل الثالث على حجية القياس: الإجماع، فإن الصحابة قد تكرر منهم القول به من غير إنكار فكان ذلك إجماعا، بيانه أن أبا بكر رضي الله عنه سئل عن الكلالة فقال: أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن حطأ فمني ومن الشيطان، الكلالة: ما عدا الوالد والوالدة والرأي هو القياس إجماعا كما قاله المصنف، وأيضا فإن عمر رضي الله عنه لما ولى أبا موسى الأشعري البصرة وكتب له العهد أمره فيه بالقياس، فقال: اعرف الأشباه والنظائر وقس الأمور برأيك، وقال عمر أيضا في الجد: أقضي فيه برأيي، وقال عثمان لعمر: إن اتبعت رأيك فسديد وإن تتبع رأي من قبلك فنعم الرأي، وقال علي رضي الله عنه: اجتمع رأيي ورأي عمر في أمهات الأولاد أن لا يبعن وقد رأيت الآن بيعهن، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: الجد على ابن الابن في حجب الإخوة، وقال: ألا لا يتقي الله زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابنا ولا يجعل أب الأب أبا؟! فثبت صدور القياس بما قلناه وبغيره من الوقائع الكثيرة المشهورة الصادرة عن أكابر الصحابة التي لا ينكرها إلا معاند، ولم ينكر أحد ذلك عليهم وإلا لاشتهر إنكاره أيضا، فكان ذلك إجماعا، فإن قيل: الإجماع السكوتي ليس بحجة، قلنا: قد تقدم أن محل ذلك عند عدم التكرار فراجعه، وهذا الدليل هو الذي ارتضاه ابن الحاجب وادعى ثبوته بالتواتر، ضعف الاستدلال بما عداه. قوله: قيل: ذموه أيضا أي: لا نسلم أن الباقين لم ينكروا، فقد نقل عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني، إذا قلت في كتاب الله برأيي، ونقل عن عمر أنه قال: إياكم وأصحاب الرأي، فإنهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي، فضلوا وأضلوا. وعنه أيضا: إياكم والمكايلة قيل: وما المكايلة؟ قال: المقايسة. وقال علي -كرم الله وجهه: لو كان الدين يؤخذ قياسا، لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره. وعن ابن عباس أنه قال:"يذهب قراؤكم وصلحاؤكم، ويتخذ الناس رؤساء جهالا يقيمون الأمور برأيهم". وأجاب
1 أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد "1/ 165".
المصنف بأن الذين نقل لهم أو عنهم إنكاره هم الذين نقل عنهم القول به، فلا بد من التوفيق بين النقلين، فيحمل الأول على القياس الصحيح، والثاني على الفاسد توفيقا بين النقلين وجمعا بين الروايتين. "قوله تعالى" أي: الدليل الرابع وهو الدليل، أن المجتهد إذا غلب على ظنه كون الحكم في الأصل معللا بالعلة الفلانية ثم وجد تلك العلة بعينها في الفرع، يحصل له بالضرورة ظن ثبوت ذلك الحكم في الفرع، وحصول الظن بالشيء مستلزم لحصول الوهم بنقيضه، وحينئذ فلا يمكنه أن يعمل بالظن والوهم لاستلزامه اجتماع النقيضين، ولا أن يترك العمل بهما لاستلزامه ارتفاع النقيضين، ولا أن يعمل بالوهم دون الظن؛ لأن العمل بالمرجوح مع وجود الراجح ممتنع شرعا وعقلا، فتعين العلم بالظن، ولا معنى لوجوب العمل بالقياس إلا ذلك، وهذا الدليل قد تقدم الكلام عليه في تعريف الفقه. قال:"احتجوا بوجوه، الأول: قوله تعالى: {لا تُقَدِّمُوا} {وَأَنْ تَقُولُوا} {وَلا تَقْفُ} [الإسراء: 36] {وَلا رَطْبٍ} [الأنعام: 59] {وَإِنَّ الظَّن} [النجم: 28] قلنا: إن الحكم مقطوع والظن في طريقه. الثاني: قوله عليه الصلاة والسلام: "تعمل هذه الأمة برهة بالكتاب وبرهة بالسنة وبرهة بالقياس، فإذا فعلوا ذلك فقد ضلوا" 1 الثالث: ذم بعض الصحابة له من غير نكير، قلنا: معارضان بمثلهما فيجب التوفيق. الرابع: نقل الإمامية إنكاره عن العترة قلنا: معارض بنقل الزيدية. الخامس: أنه يؤدي إلى الخلاف والمنازعة، وقد قال الله تعالى:{وَلا تَنَازَعُوا} [الأنفال: 46] قلنا: الآية في الآراء والحروب لقوله عليه الصلاة والسلام: "اختلاف أمتي رحمة" 2 السادس: الشارع فصل بين الأزمنة والأمكنة في الشرف، والصلوات في القصر، وجمع بين الماء والتراب في التطهير، وأوجب التعفف على الحرة الشوهاء دون الأمة الحسناء، وقطع سارق القليل دون غاصب الكثير، وجلد بقذف الزنا، وشرط فيه شهادة أربعة دون الكفر، وذلك ينافي القياس، قلنا: القياس حيث عرف المعنى". أقول: احتج المنكرون للقياس بستة أوجه من الكتاب والسنة والإجماع والمعقول، الأول: الكتاب وهو آيات، فمنها قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [الحجرات: 1] والقول بمقتضى القياس تقديم {بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} لكونه قولا بغير الكتاب والسنة، ومنها قوله تعالى:{أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 169] قوله تعالى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36] ووجه الدلالة أن الحكم الثابت بالقياس غير معلوم لكونه متوقفا على أمور لا يقطع بوجودها، فلا يجوز العمل به للآية، ومنها قوله تعالى:{وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [الأنعام: 59] فإنه يدل على اشتمال الكتاب على الأحكام كلها، وحينئذ فلا يجوز العمل بالقياس؛ لأن شرطه فقدان النص، ومنها قوله تعالى:{إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [النجم: 28]
1 أخرجه الهندي في كنز العمال "915"، والهيثمي في مجمع الزوائد "1/ 179".
2 أخرجه العراقي في المغني عن حمل الأسفار "1/ 28"، والهندي في كنز العمال "28686".
والقياس ظني فلا يغني شيئا، وأجاب المصنف بأن الحكم بمقتضى القياس مقطوع به، والظن وقع في الطريق الموصلة إليه، كما تقدم تقديره في حد الفقه، وهذا الجواب ليس شاملا للآية الأولى، ولا للآية الرابعة، بل الجواب عن الأولى أنه لما أمرنا الله تعالى ورسوله بالقياس، لم يكن القول به تقديما بين يدي الله ورسوله، والجواب عن الرابعة أنه يستحيل أن يكون المراد منها اشتمال الكتاب على جميع الأحكام الشرعية من غير واسطة، فإنه خلاف الواقع بل المراد دلالتها من حيث الجملة سواء كان بوسط أو بغير وسط، وحينئذ فلا يلزم من ذلك عدم الاحتياج إلى القياس؛ لأن الكتاب على هذا التقدير لا يدل على بعضها إلا بواسطة القياس، فيكون القياس محتاجا إليه. قوله: الثاني أي: الدليل الثاني على إبطال القياس: السنة وهو الحديث الذي ذكره المصنف ودلالته ظاهرة. قوله: "الثالث" أي: الدليل الثالث: الإجماع، فإن بعض الصحابة قد ذمه كما تقدم إيضاحه في أدلة الجمهور، وسكت الباقون عنه فكان إجماعا، وأجاب المصنف عن السنة والإجماع بأنهما معارضان بمثلهما، إذا سبق أيضا فيجب التوفيق بينهما بأن يحمل العمل به على القياس الصحيح وإنكاره على القياس الفاسد. قوله:"الرابع" أي: الدليل الرابع: أن الإمامية من الشيعة قد نقلوا عن العترة يعني: أهل البيت إنكارا للعمل بالقياس وإجماع العترة حجة، وجوابه أن نقل الإمامية معارض بنقل الزيدية، فإنهم من الشيعة أيضا، وقد نقلوا إجماع العترة على العمل بالقياس على أنه تقدم أن إجماعهم ليس بحجة. قوله:"الخامس" أي: الدليل الخامس: المعقول، وهو أن القياس يؤدي إلى الخلاف والمنازعة بين المجتهدين للاستقراء، ولأنه تابع للأمارات والأمارات مختلفة، وحينئذ فيكون ممنوعا لقوله تعالى:{وَلا تَنَازَعُوا} [الأنفال: 46] . وأجاب في المحصول بأن هذا الدليل بعينه قائم في الأدلة العقلية، فما كان جوابا لهم كان جوابا لنا، وأجاب المصنف بأن الآية إنما وردت في الآراء والحروب لقرينة قوله تعالى:{فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} ، فأما التنازع في الأحكام فجائز لقوله عليه الصلاة والسلام:"اختلاف أمتي رحمة" وهذا الجواب لم يذكره الإمام ولا صاحب الحاصل. قوله: "السادس" أي: الدليل السادس وهو من المعقول أيضا، وعليه اعتمد النظام: أن الشارع فرق بين المتماثلات وجمع بين المختلفات، وأثبت أحكاما لا مجال للعقل فيها، وذلك كله ينافي القياس لأن مدار القياس على إبداء المعنى، وعلى إلحاق صورة بصورة أخرى تماثلها في ذلك المعنى، وعلى التفريق بين المختلفات كما ستعرفه من قبول الفرق عند إبداء الجامع، أما بيان التفريق بين المتماثلات فإن الشارع قد فرق بين الأزمنة في الشرف، ففضل ليلة القدر والأشهر الحرم على غيرهما، وكذلك الأمكنة كتفضيل مكة والمدينة مع استواء الزمان والمكان في الحقيقة، وفرق أيضا بين الصلوات في القصر فرخص في قصر الرباعية دون غيرها، وأما بيان الجمع بين المختلفات؛ فلأنه جمع بين الماء والتراب في جواز الطهارة بهما في أن الماء ينظف
والتراب يشوه، وأما بيان الأحكام التي لا مجال للعقل فيها فلأنه تعالى أوجب للتعفيف أي: غض البصر بالنسبة إلى الحرة الشوهاء شعرها وبشرتها مع أن الطبع لا يميل إليها، دون الأمة الحسناء التي يميل إليها الطبع. ويحتمل أن يريد المصنف بالتعفف وجوب الستر، أو يريد به كون الواطئ للحرة يصير محصنا دون واطئ الأمة، وأيضا فلأنه تعالى أوجب القطع في سرقة القليل دون غصب الكثير، وأوجب الجلد على القاذف بالزنا دون الكفر، أي: بخلاف القاذف الكفر كما قاله في المحصول1، وشرط في شهادة الزنا شهادة أربعة رجال واكتفى في الشهادة على القتل باثنين مع كونه أغلظ من الزنا، وأجاب المصنف بأنا إنما ندعي وجوب العمل بالقياس حيث عرف المعنى أي: العلة الجامعة مع انتفاء المعارض. وغالب الأحكام من هذا القبيل، وما ذكرتم من الصور فإنها نادرة لا تقدح في حصول الظن الغالب، لا سيما والفرق بين المتماثلات يجوز أن يكون لانتفاء صلاحية ما يوهم أنه جامع، أو لوجود معارض، وكذلك المختلفات يجوز اشتراكها في معنى جامع، وقد ذكر الفقهاء معاني هذه الأشياء. قال:"الثانية: قال النظام والبصري وبعض الفقهاء: إن التنصيص على العلة أمر بالقياس، وفرق أبو عبد الله بين الفعل والترك. لنا أنه إذا قال: حرمت الخمر لكونها مسكرة، يحتمل عليه الإسكار مطلقا، وعلية إسكارها، قيل: الأغلب عدم التقييد، قلنا: فالتنصيص وحده لا يفيد، قيل: لو قال: علة الحرمة الإسكار لاندفع الاحتمال، قلنا: فيثبت الحكم في كل الصور بالنص". أقول: ذهب النظام وأبو الحسين البصري وجماعة من الفقهاء وكذا الإمام أحمد كما نقله ابن الحاجب إلى أن التنصيص على علة الحكم أمر بالقياس مطلقا، سواء كان في طرف الفعل كقوله: تصدقوا على هذا لفقره أو الترك كقوله: حرمت الخمر لإسكارها. وقال أبو عبد الله البصري: التنصيص على علة الفعل لا يكون أمرا بالقياس بخلاف علة الترك، والصحيح عند الإمام والآمدي وأتباعهما أنه لا يكون أمرا به مطلقا، بل لا بد في القياس من دليل يدل عليه ونقله الآمدي عن أكثر الشافعية ولم يصرح المصنف بالمذهب المختار لإشعار الدليل به، والذي نقله هنا عن النظام هو المشهور عنه وعلى هذا فيكون النقل المتقدم عنه وهو استحالة القياس إنما محله عند عدم التنصيص على العلة، ونقل عنه الغزالي في المستصفى أن التنصيص على العلة يقتضي تعميم الحكم في جميع مواردها بطريق عموم اللفظ لا بالقياس. قوله:"لنا" أي: الدليل على ما قلناه أن الشارع إذا قال مثلا: حرمت الخمر لكونها مسكرة، فإنه يحتمل أن يكون علة الحرمة هو الإسكار مطلقا، ويحتمل أن يكون إسكار الخمر بحيث يكون قيد الإضافة إلى الخمر معتبرا في العلة؛ لجواز اختصاص إسكارها بترتب مفسدة عليه دون إسكار النبيذ، وإذا احتمل الأمران
1 انظر المحصول: ص294، جـ2.
فلا يتعدى التحريم إلى غيرها إلا عند ورود الأمر بالقياس، وإذا ثبت ذلك في جانب الترك ثبت في الفعل بطريق الأولى لما تقدم، ولقائل أن يقول: هذا الدليل بعينه يقتضي امتناع القياس عند التنصيص على العلة مع ورود الأمر به أيضا. قوله: "قيل: الأغلب" أي: اعترض الخصم من وجهين، أحدهما: أن الأغلب على الظن في هذا المثال كون الإسكار علة للتحريم مطلقا؛ لأنه وصف مناسب للحكم، وأما كونه من خمر أو غيره فلا أثر له، وحينئذ فيجب ترتب الحكم عليه حيث وجد، ويحتمل أن يريد أن الأغلب في العلل تعديتها دون تقييدها بمحل الحكم بالاستقراء، وأجاب المصنف بأن النزاع إنما هو في أن التنصيص على العلة هل يستقل بإفادة وجوب القياس أم لا؟ وما ذكرتم يقتضي أنه لا بد أن يضم إليه كون العلة مناسبة أو أن الغالب عدم تقييدها بالمحل، ويحتمل أن يريد ما ذكره في المحصول وهو أن مجرد التنصيص على العلة لا يلزم منه الأمر بالقياس ما لم يدل دليل على وجوب إلحاق الفرع بالأصل للاشتراك في العلة، أعني: الدليل الدال على وجوب العمل بالقياس. الاعتراض الثاني: أن الاحتمال الذي ذكرتموه وهو كون العلة إسكار الخمر، مخصوص بالمثال المذكور فلا يتمشى دليلكم في غيره، كما إذا قال الشارع: علة حرمة الخمر هو الإسكار، فإن احتمال التقييد بالمحل ينقطع ههنا وتثبت الحرمة في كل الصور، وأجاب المصنف بأنا نسلم ثبوت الحكم ههنا في كل الصور، لكنه يكون بالنص لا بالقياس، قال في المحصول: لأن العلم بأن الإسكار من حيث هو إسكار يقتضي الحرمة، موجب العمل بثبوت هذا الحكم في كل مسكر، من غير أن يكون العلم ببعض الأفراد متأخرا عن العلم بالبعض الآخر، وحينئذ فلا يكون هذا قياسا لأنه ليس جعل البعض أصلا والآخر فرعا بأولى من العكس، وإنما يكون قياسا إذا قال: حرمت الخمر لكونه مسكرا. واعلم أن الذهاب إلى أن الشارع إذا قال: علة حرمة الخمر وهو الإسكار أن الحكم يكون ثابتا في النبيذ وغيره من المسكرات بالنص جزم به في المحصول وهو مشكل، فإن اللفظ لم يتناول، ولعل هذا هو المقتضى لكون المصنف عبر بقوله علة الحرمة هو الإسكار، لكنه لا يستقيم من وجه آخر، وهو أن السائل لم يورد السوائل هكذا، فتعبيره بهذا حجر على السائل، وأيضا فلأنه يقتضي حصر التحريم في الإسكار وهو باطل قطعا، واستدل أبو عبد الله البصري على مذهبه بأن من ترك أكل شيء لكونه مؤذيا، فإنه يدل على تركه لكل مؤذٍ، بخلاف من ارتكب أمرا لمصلحة كالتصدق على فقير فإنه لا يدل على تصدقه على كل فقير. والجوب أنا لا نسلم أنه يدل على تركه لكل مؤذٍ، سلمناه لكنه لقرينة التأذي لا لمجرد التنصيص على العلة. قال: "الثالثة: القياس إما قطعي أو ظني، فيكون الفرع بالحكم أولى كتحريم الضرب على تحريم التأفيف، أو مساويا كقياس الأمة على العبد في السراية، أو أدون كقياس البطيخ على البر في الربا، قيل: تحريم التأفيف يدل على تحريم أنواع الأذى عرفا، ويكذبه قول الملك للجلاد: اقتله ولا تستخف
به، قيل: لو ثبت قياسا لما قال به منكره، قلنا: القطعي لم ينكر، قيل: نفي الأدنى يدل على نفي الأعلى، كقوله: فلان لا يمتلك الحبة ولا النقير ولا القطمير، قلنا: أما الأول فلأن نفي الجزء يستلزم نفي الكل، وأما الثاني فلأن النقل فيه ضرورة ولا ضرورة ههنا". أقول: هذه المسألة قررها الشارحون على غير وجهها وقد يسر الله الكريم وجه الصواب فيها، فنقول: الكلام هنا في أمرين أحدهما: القياس، والثاني: الحكم الذي في الأصل، فأما القياس نفسه وهو الإلحاق والتسوية، فقد يكون قطعيا، وقد يكون ظنيا، فالقطعي كما قاله في المحصول يتوقف على مقدمتين فقط، إحداهما: العلم بعلة الحكم، والثانية: العلم بحصول مثل تلك العلة في الفرع، فإذا علمهما المجتهد علم ثبوت الحكم في الفرع، سواء كان ذلك الحكم مقطوعا به أو مظنونا، ثم مثل له أعني: الإمام بقياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف، فإنه قياس قطعي؛ لأنا نعلم أن العلة هي الأذى ونعلم وجودها فيالضرب، ولكن الحكم ههنا ظني؛ لأنه دلالة الألفاظ عنده لا تفيد إلا الظن كما تقدم نقله عنه، فتلخص أن القياس في هذا المثال قطعي والحكم المستفاد منه ظني، وحاصله أنا قطعنا بإلحاق هذا الفرع في ذلك الأصل في حكمه المظنون، وأما القياس الظني فهو أن تكون إحدى المقدمتين أو كلتاهما مظنونة كقياس السفرجل على البر في الربا، بأن الحكم بأن العلة هي الطعم ليس مقطوعا به لجواز أن تكون هي الكيل أو القوت كما قاله الخصم، وإلى هذا كله أشار المصنف بقوله: القياس إما قطعي أو ظني، الأمر الثاني: الحكم الذي في الأصل، قال في المحصول: فينظر فيه، فإن كان قطعيا فيستحيل أن يكون الحكم في الفرع أولى منه، قال: لأنه ليس فوق اليقين مرتبة، والذي قال مبني على أن العلوم لا تتفاوت، وقد تقدم الكلام عليه في الخبر المتواتر، قال: فإن لم يكن قطعيا أي: سواء كان القياس قطعيا أم لم يكن، فثبوت الحكم في الفرع قد يكون أولى من ثبوته في الأصل، وقد يكون مساويا له، وقد يكون دونه، فالأولى كقياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف، فإن الأذى فيه أكثر، أما المساوي فكقياس الأمة على العبد في سراية العتق من البعض إلى الكل، فإنه قد ثبت في العبد بقوله عليه الصلاة والسلام: $"من أعتق شركا له في عبد، قدم عليه" ثم قسنا عليه الأمة وهما متساويان في هذا الحكم لتساويهما في علته، وهي تشوف الشارع إلى العتق، ويسمى هذان القسمان بالقياس في معنى الأصل، ويسميان أيضا بالقياس الجلي وهو ما يقطع فيه بنفي تأثير الفارق بين الأصل والفرع، فإنا نقطع بأن الفارق بين العبد والأمة وهو الذكورة والأنوثة لا تأثير لهما في أحكام العتق، وأما الأدون فهي الأقيسة التي تستعملها الفقهاء في مباحثهم، كقياس البطيخ على البر في الربا بجامع الطعم، فإنه يحتمل أن تكون العلة إنما هو القوت أو الكيل، هكذا علله بعض الشارحين وعلله بعضهم بأن الطعم في المقتات أكثر مما هو في البطيخ، وإلى هذا كله أشار المصنف بقوله: فيكون الفرع إلى آخره،
وهو متفرع على القياس من حيث هو، وليس مفرعا عن القياس الظني، وإن أوهمه كلام المصنف وصرح به الشارحون أيضا؛ ولهذا فإن الإمام جعلهما مسألتين مستقلتين وقررهما بمعنى الذي قررته من أوله إلى آخره، والذي ذكره الشارحون هنا سببه ذهولهم عن تقرير كلام الإمام على وجهه، فلزمهم أن يكون المنهاج مخالفا لأصلية الحاصل والمحصول من وجوه، وأن يكونا قد ناقضا كلاميهما بعد أسطر قلائل مناقضة فظيعة حتى صرح بعضهم بها بناء على زعمه، ويعرف ذلك بمراجعة المحصول، ومنشأ الغلط توهمهم أن القياس إنما يكون قطعيا إذا كان حكم الأصل قطعيا وهو عجيب، فإنه مع كونه مخالفا للمحصول واضح البطلان؛ لأن القياس هو التسوية وقد يقطع بتسوية الشيء بالشيء في حكمه المظنون كما تقدم إيضاحه، ومثال ذلك من خارج أن الإجماع منعقد على تسوية الخالة بالخال في الإرث أي: توريثها أيضا، كما ورثناه بمقتضى قوله صلى الله عليه وسلم:"الخال وارث من لا وارث له" 1 وعلى تقدير ثبوته، فالإرث مظنون والتسوية مقطوع بها، نعم الحكم الثابت بالقياس المظنون لا يكون إلا مظنونا. واعلم أن في كلام المصنف نظرا من وجهين، أحدهما: أن تقسيم القياس إلى أدون أراد به ضعف العلة، يعني: أن ما فيها من المصلحة أو المفسدة دون ما في الأصل، فهذا يقتضي أن لا يجوز القياس؛ لأن شرطه وجود العلة بكمالها في الفرع كما سيأتي، وإن أراد به شيئا آخر فلا بد من بيانه. الثاني: أن الحكم على تحريم الضرب وغيره من أمثلة فحوى الخطاب بأنه من باب القياس، يقتضي أن اللفظ لا يدل عليه؛ لأن القياس إلحاق مسكوت عنه بملفوظ به، لكنه قد ذكر قبيل الأوامر والنواهي أن اللفظ يدل عليه بالالتزام، وسماه مفهوم موافقة، وهذا وارد أيضا على كلام الإمام وأتباعه، وتقدم التنبيه عليه واضحا، ومنهم من قال: المنع من التأفيف منقول بالعرف عن موضوعه اللغوي وهو التلفظ بأف إلى المنع من أنواع الأذى كما سيأتي ذكره والاستدلال عليه، فعلى هذا يكون الضرب ثابتا بالمنطوق لا بالمفهوم كما زعمه بعض الشارحين، فتحصلنا على ثلاثة مذاهب ذكرها من تكلم على المحصول، والذي اختاره المصنف هنا وهو كونه قياسا نقله في البرهان عن معظم الأصوليين، ونص عليه الشافعي في الرسالة في أواخر باب تثبيت خبر الواحد. ثم قال: وقد يمتنع بعض أهل العلم أن يسمي هذا قياسا، واعلم أنا إذا قلنا: إنه يكون قياسا فيكون قطعيا بلا نزاع إلا على الوهم السابق فاعرفه. "قوله: قيل: تحريم" أي: استدل القائل بأن التأفيف يدل على تحريم أنواع الأذى بثلاثة أوجه، أحدها: ما فهم أهل العرف له، وجوابه أنه لو كان كذلك لم يحسن من الملك إذا استولى على عدوه أن يأمر الجلاد بقتله وينهاه عن الاستخفاف به، لكون النهي عن الاستخفاف على هذا التقدير يدل بالالتزام على
1 أخرجه ابن حبان في صحيحه "13/ 6035، 6036".
القتل لكنه يصح، هكذا أجاب به الإمام فقلده فيه المصنف، وفيه نظر من وجهين، أحدهما: أنه لا يطابق المدعي أصلا؛ لأن الكلام في نقل التأفيف لا في نقل الاستخفاف، ولا يلزم من عدم النقل في لفظه عدم النقل في أخرى، فلو قال: ولا نقل له: أف، لاستقام. الثاني: أن النهي عن الاستخفاف أو التأفيف لا يدل على تحريم القتل نصا بل ظاهرا، فغاية ذلك أنه صرح بمخالفة الظاهر، وأمر ببعض أنواع الاستخفاف، ونهى عن الباقي لغرض، فالأولى في الجواب منع النقل، وقد أجاب به الإمام أيضا. الدليل الثاني: أن تحريم الضرب لو ثبت بالقياس لخالف فيه من يخالف في القياس، وأجيب أن هذا هو القياس الجلي كما تقدم، والمنكرون للقياس لم ينكروه بل إنما أنكروا القياس الخفي فقط. الثالث: أن نفي الأدنى يدل على نفي الأعلى، كقولهم: فلان لا يملك الحبة، فإنه يدل على نفي الدرهم والدينار وغيرهما، وكقولهم: لا يملك النقير ولا القطمير فإنه يدل على أنه لا يملك شيئا البتة من غير نظر إلى القياس، فكذلك نفي التأفيف مع الضرب، والنقير هو النقرة التي على ظهر النواة، والقطمير هو ما في شقها، هكذا قال في المحصول1، ولكن المعروف وهو المذكور في الصحاح أن الذي في شقها هو الفتيل، وأما القطمير فهو القشرة الرقيقة أي: الثوب، وأجاب المصنف بأن المثال الأول إنما دل فيه نفي الأدنى على نفي الأعلى لكون الأدنى وهو الحبة، جزءا للأعلى ونفي الجزء مستلزم لنفي الكل، وأما الثاني وهو النقير والقطمير، فنحن نعلم بالضرورة من هذا المثال أنه ليس المراد نفيهما، بل نفي ما يساوي شيئا، فدعوى النقل فيهما ضرورية بخلاف صورة النزاع فإنه لا ضرورة فيها إلى دعوى النقل؛ لجواز الحمل على المعنى اللغوي، ولك أن تقول: الحبة اسم للواحد مما يزرع، فلا يلزم من نفيها نفي غيرها، فإن ادعى المجيب أن التقدير ليس عنده زنة حبة، قلنا: الأصل عدم الحذف. فإن ادعى اشتهاره في العرف فيلزم أن تكون اللفظة منقولة أيضا وتستوي الأمثلة. قال: "الرابعة: القياس يجري في الشرعيات حتى الحدود والكفارات لعموم الدلائل، وفي العقليات عند أكثر المتكلمين، وفي اللغات عند أكثر الأدباء دون الأسباب والعادات أقل الحيض وأكثره". أقول: الصحيح وهو مذهب الشافعي كما قاله الإمام أن القياس يجري في الشرعيات كلها، أي: يجوز التمسك به في إثبات كل حكم حتى الحدود والكفارات والرخص والتقديرات إذا وجدت شرائط القياس فيها، وقالت الحنفية: لا يجوز القياس في هذه الأربعة، ورأيت في باب الرسالة من كتاب البويطي الجزم به في الرخص، ولأجل ذلك اختلف جواب الشافعي في جواز العرايا في غير الرطب والعنب قياسا، وذهب الجبائي والكرخي إلى أن القياس لا يجري في أصول العبادات كإيجاب الصلاة
1 انظر المحصول، ص303، جـ2.
بالإيماء في حق العاجز عن الإتيان بها بالقياس على إيجاب الصلاة قاعدا في حق العاجر عن القيام، والجامع بينهما هو العجز عن الإتيان بها على الوجه الأكمل، وصحح الآمدي وابن الحاجب أنه لا يجري في جميع الأحكام؛ لأنه ثبت فيها ما لا يعقل معناه كالدية، ثم استدل المصنف على الجواز بأن الأدلة الدالة على حجية القياس عامة غير مختصة بنوع دون نوع، فمثال الحدود إيجاب قطع النباش قياسا على السارق والجامع أخذ مال الغير خفية. قال الشافعي: وقد كثرت أقيستهم فيها حتى عدوها إلى الاستحسان، فإنهم زعموا فيما إذا شهد أربعة على شخص بأنه زنى بامرأة وعين كل شاهد منهم زاوية أنه يحد استحسانا، مع أنه على خلاف العقل فلأن يعمل به فيما يوافق العقل أولى، ومثال الكفارات إيجابها على قاتل النفس عمدا بالقياس على المخطئ، قال الشافعي: ولأنهم أوجبوا الكفارة في الإفطار بالأكل قياسا على الإفطار بالجماع، وفي قتل الصيد خطأ قياسا على قتله عمدا، والحنفية حاولوا الاعتذار عما وقعوا فيه، فقالوا: إن هذا ليس بقياس، وإنما هو استدلال على موضع الحكم لحذف الفوارق الملغاة، وهذا لا ينفعهم فإنه قياس من حيث المعنى لوجود شرائط القياس فيه، ولا عبرة بالتسمية، وأما الرخص فقد قاسوا فيها وبالغوا كما قال الشافعي، فإن الاقتصار على الأحجار في الاستنجاء من أظهر الرخص، وهم قد عدوه إلى كل النجاسات، قال: وأما المقدرات فقد قاسوا فيها حتى ذهبوا إلى تقديراتهم في الدلو والبئر، يعني: أنهم فرقوا في سقوط الدواب إذا ماتت في الآبار، فقالوا في الدجاجة ينزح كذا وكذا، وفي الفأرة أقل من ذلك، وليس هذا التقدير عن نص ولا إجماع فيكون قياسا، واحتجت الحنفية على الحدود بقوله عليه الصلاة والسلام:"ادرءوا الحدود بالشبهات"، والقياس شبهة لا دليل قاطع، وعلى المقدرات بأن العقول لا تهتدي إليها، وعلى الرخص بأنها منح من الله تعالى، فلا تتعدى فيها مواردها، وعلى الكفارات بأنها على خلاف الأصل؛ لأنها ضرر والدليل ينفي الضرر، والجواب أنه منقوض بما قلناه. قوله:"وفي العقليات" أي: ذهب أكثر المتكلمين إلى جواز القياس في العقليات إذا تحقق فيها جامع عقلي، إما بالعلة أو الحد أو الشرط أو الدليل. قال في المحصول1: ومنه نوع يسمى إلحاق الغائب بالشاهد بجامع من الأربعة، فالجمع بالعلة وهو أقوى الوجوه، كقول أصحابنا: العالمية في الشاهد يعني المخلوقات معللة بالعلم، فكذلك في الغالب سبحانه وتعالى، وأما الجمع بالدليل فكقولنا: حد العالم شاهدا من له العلم فكذلك في الغائب، وأما الجمع بالدليل فكقولنا: التخصيص والإتقان يدلان على الإرادة، والعلم شاهد فكذلك في الغالب، وأما الجمع بالدليل فكقولنا: شرط العلم، والإرادة في الشاهد وجود الحياة فكذلك في
1 انظر المحصول، ص414، جـ2.
الغائب. قوله: "وفي اللغات" أي: ذهب أكثر أهل الأدب إلى جواز القياس في اللغات كما نقله عنهم ابن جني في الخصائص، وقال الإمام هنا: إنه الحق، قال: وذهب أصحابنا وأكثر الحنفية إلى المنع، واختاره الآمدي وابن الحاجب، وبه جزم الإمام في المحصول في كتاب الأوامر والنواهي في آخر المسألة، وقد حرر ابن الحاجب محل الخلاف، وحاصله أن الخلاف لا يأتي في الحكم الذي ثبت بالنقل تعميمه لجميع أفراده بالاستقراء كرفع الفاعل ونصب المفعول، ولا في الاسم الذي ثبت تعميمه لأفراد نوع سواء كان جامدا كرجل وأسامة، أو مشتقا كضارب ومضروب، ولا في أعلام الأشخاص كزيد وعمرو فإنها لم توضع لها لمناسبة بينها وبين غيرها وإنما محل الخلاف في الأسماء التي وضعت على الذوات لأجل اشتمالها على معانٍ مناسبة للتسمية يدور معها الإطلاق وجودا وعدما، وتلك المعاني مشتركة بين تلك الذوات وبين غيرها، فحينئذ يجوز على رأي إطلاق تلك الأسماء على غير مسمياتها لاشتراكها معها في تلك المعاني، وذلك كتسمية النبيذ خمرا لاشتراكه مع عصير العنب في الإسكار، وكذلك تسمية اللائط زانيا، والنباش سارقا، وفائدة الخلاف في هذه المسألة ما ذكره في المحصول وهو صحة الاستدلال بالنصوص الواردة في الخمر والسرقة والزنا على شارب النبيذ واللائط والنباش، واحتج المجوزون بعموم قوله تعالى:{فَاعْتَبِرُوا} [الحشر: 2] وبأن اسم الخمر مثلا دائر مع صفة الإسكار في المعتصر من ماء العنب وجودا وعدما، فدل على أن الإسكار هو العلة في إطلاق الاسم حيث وجد الإسكار وجاز الإطلاق، وإلا تخلف المعلول عن علة، واعتراض الخصم بأنه إنما يلزم من وجود علة التسمية وجود الاسم إذا كان تعليل التسمية من الشارع؛ لأن صدور التعليل من آحاد الناس لا اعتبار به، ولهذا لو قال: أعتقت غانما لسواده لم يعتق غيره من السود، وحينئذ فيتوقف المدعي على أن الواضع هو الله تعالى، وأجاب في المحصول بأنا بينا أن اللغات توقيفية، هذا كلامه وهو مخالف لما قدمه في اللغات فإنه اختار الوقف لا التوقيف، واحتج المانعون بالنقض بالقارورة وشبهها، فإن القارورة مثلا إنما سميت بهذا الاسم لأجل استقرار الماء فيها، ثم إن ذلك المعنى حاصل في الحياض والأنهار مع أنها لا تسمى بذلك، وأجاب الإمام بأن أقصى ما في الباب أنهم ذكروا صورا لا يجري فيها بالقياس. وهو غير قادح كما تقدم مثله عن النظام في القياس الشرعي، وهذا الذي ذكره في القارورة من كونهم لم يستعملوا فيها القياس اللغوي صريح في أنها وضعت للزجاجة فقط، وهو مخالف لما ذكره في الحقيقة العرفية؛ فإنه قال في المحصول هناك في الكلام على ما وضع عاما ثم تخصص بالعرف ما نصه: والخابية والقارورة موضوعان لما يستقر فيه الشيء، ويخبأ فيه، ثم تخصصا بشيء معين. قوله:"دون الأسباب" يعني أن القياس لا يجري في أسباب الأحكام على المشهور، كما قاله في المحصول وصححه الآمدي وابن