الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحرام أيضا معصية وذنبا وقبيحا ومزجورا عنه ومتوعدا عليه من الشرع. قوله: "والمكروه: ما يمدح تاركه" أي: فعل يمدح تاركه، فالفعل جنس للأحكام الخمسة قوله:"يمدح" خرج به المباح فإنه لا مدح فيه قوله: "تاركه" خرج به الواجب والمندوب قوله: "ولا يذم فاعله" خرج به الحرام، أما المباح فهو في اللغة عبارة عن الموسع فيه، وفي الاصطلاح ما ذكره المصنف بقوله: ما أي فعل وهو جنس للخمسة وقوله: لا يتعلق بفعله وتركه مدح ولا ذم خرج به الأربعة، فإن كلا منها تعلق بفعله أو تركه مدح أو ذم، فإن الواجب تعلق بفعله المدح، وبتركه الذم، والحرام عكسه والندب تعلق بفعله المدح ولم يتعلق بتركه الذم، والمكروه عكسه أي: تعلق بتركه المدح ولم يتعلق بفعله الذم، وهذه الألفاظ الأربعة التي ذكرها المصنف وهي: الفعل والترك والمدح والذم، بد من كل واحد منها إلا الذم؛ لأنه لو قال: ما لا يتعلق بفعله مدح ولا ذم لكان يرد عليه المكروه، فإن فعله لا مدح فيه ولا ذم، ولو قال: ما يتعلق بتركه مدح ولا ذم لكان يرد عليه المندوب ولو أتى بهما أيضا ولكنه حذف المدح فقال له: ما لا يتعلق بفعله وتركه ذم لكان يرد عليه المكروه والمندوب، وأما الذم فإنه لو حذفه فقال: ما لا يتعلق بفعله وتركه مدح لما كان يرد عليه شيء، فهي إذًا زيادة في الحد والحدود تصان عن الحشو والتطويل، وأيضا فقد تقدم أن هذه رسوم للأفعال التي تعلقت بها الأحكام الشرعية وتقدم أن تلك الأفعال هي أفعال المكلفين، فيكون المباح قسما من أفعال المكلفين، وعلى هذا فأفعال غير المكلفين كالنائم والساهي، ليست من المباح مع أن الحد صادق عليها فالحد إذًا غير مانع، وأيضا فقد تعرض المصنف بقوله: شرعا في رسمي الواجب والحرام دون رسم المندوب والمكروه والمباح، مع أن المدح على الفعل في المندوب وعلى الترك في المكروه لا يثبت عندنا إلا بالشرع، وكذلك نفي المدح والذم عن المباح، فالصواب ذكرها في الجميع كما فعله صاحب الحاصل والتحصيل، نعم في المحصول كما في المنهاج إلا أنه أشار إليه في المندوب أيضا وقد وقعت هنا أغلاط في عدة من الشروح المشهورة فاجتنبها، قال في المحصول: ويسمى المباح أيضا طلاقا وحلالا.
التقسيم الثاني:
قال: "الثاني: ما نهي عنه شرعا فقبيح وإلا فحسن، كالواجب والمندوب والمباح وفعل غير المكلف، والمعتزلة قالوا: ما ليس للقادر عليه العالم بحاله أن يفعله وما له أن يفعله، وربما قالوا: الواقع على صفة توجب الذم أو المدح، فالحسن بتفسيرهم الأخير أخص" أقول: هذا القسم ليس داخلا في المقسم أو لأن المقسم في قوله: الفصل الثاني في تقسيمه إنما هو الحكم، والقبيح والحسن من الأفعال لا من الأحكام، وهو رد التقسيم لا بد أن يكون مشتركا بين أقسامه وأعم منها، وإن شئت قلت: لا بد أن يكون صادقا عليها ومغايرا لها، لا جرم أن صاحب الحاصل قال: الفصل الثاني في تقسيم الأحكام ومتعلقاتها، لكن في المحصول والتحصيل كما في المنهاج، ولعل العذر في
ذلك أن تقسيم الفعل الذي تعلق به الحكم يستلزم تقسيم الحكم إلى نهي وغيره، وحاصل ما قاله المصنف: أن الفعل إن نهى الشارع عنه فهو القبيح كالمحرم والمكروه، وإن لم ينه عنه فهو الحسن ويندرج فيه أفعال المكلفين كالواجب والمندوب والمباح، وأفعال غيرهم كالساهي والصبي والنائم والبهائم، وكذلك أفعال الله تعالى كما قال في المحصول ومختصراته، وليس في هذه الكتب تصريح بأن المكروه من القبيح أو من الحسن، لكن إطلاقهم النهي يقتضي إلحاقه بالقبيح، ويؤيده أنهم لما عدوا الأشياء التي تضمنها الحسن لم يعدوه منها، وفي كلام المصنف نظر من وجهين، أحدهما: أنه قد تقرر أن هذا التقسيم إنما هو في متعلقات الحكم الشرعي، ومتعلقاته هي أفعال الملكفين، كما علم في حد الحكم وحينئذ فيكون قد قسم أفعال المكلفين إلى الحسن والقبيح، ثم قسم الحسن إلى أشياء منها أفعال غير المكلفين، فيلزم أن تكون أفعال المكلفين تنقسم إلى أفعال غير المكلفين وهو معلوم البطلان، الثاني: أن فعل غير المكلف لا يخلو إما أن يكون عنده من قسم المباح أم لا، فإن كان فلا حاجة إلى قوله والمباح وفعل غير المكلف، وإن لم يكن عنده من المباح وهو الذي صرح به غيره فيكون الحد المتقدم للمباح فاسدا، فإنه قد حده بما لا يتعلق بفعله وتركه مدح ولا ذم، وفعل غير المكلف يصدق عليه بذلك، والإشكالان كلاهما واردان هنا على الإمام وأتباعه. "قوله: والمعتزلة قالوا" يعني أن المعتزلة خالفوا فقالوا: القبيح هو الفعل الذي ليس للقادر عليه أن يفعله إذا كان عالما بصفته من المفسدة الداعية إلى تركه كالكذب الضار، أو المصلحة الداعية إلى فعله كالصدق النافع، وأما الحسن فهو الفعل الذي للقادر عليه العالم بصفته أن يفعله، وإلى هذا أشار بقوله: "وما له" أي: وما للقادر عليه العالم بحاله أن يفعله فهو الحسن ولكنه اختصر لدلالة ما تقدم عليه، فدخل في حد القبيح الحرام فقط، وفي حد الحسن الواجب والمندوب والمكروه والمباح وفعل الله تعالى، وقد علم من هذا أنه إذا لم يكن الفعل مقدورا عليه كالعاجز عن الشيء والملجأ إليه فإنه لا يوصف عندهم بحسن ولا قبح، وكذلك ما لم يعلم حاله كفعل الساهي والنائم والبهائم. قوله: "وربما قالوا" أي وربما ذكرت المعتزلة عبارة أخرى في حد القبيح والحسن، فقالوا: القبيح هو الفعل الواقع على صفة توجب الذم، والحسن هو الفعل الواقع على صفة توجب المدح، فدخل في حد القبيح الحرام فقط، وفي حد الحسن الواجب والمندوب دون المكروه والمباح، إذ لا مدح في فعلهما مع أنهما قد دخلا في حدهم الأول للحسن؛ لأن القادر عليهما له أن يفعلهما فتلخص أن الحسن بتفسير المعتزلة ثانيا أخص منه بتفسيرهم أولا، وذلك لأن كل ما كان واقعا على صفة توجب المدح فللقادر عليه العالم بحاله أن يفعله، ولا ينعكس بدليل المكروه والمباح، وأما القبيح فحدهم الأول مساوٍ لحدهم الثاني، وهذا التقرير اعتمده فإن طائفة من الشارحين قد قررته على غير الصواب.