الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المستصفى1 لحجة الإسلام الغزالي، والثاني المعتمد لأبي الحسين البصري2، حتى رأيته ينقل منهما الصفة أو قريبا منها بلفظها وسببه على ما قيل أنه كان يحفظهما، فاعتمدت في شرحي لهذا الكتاب مراجعة هذه الأصول طلبا لإدراك وجه الصواب في المنقول منه والمعقول، وحرصا على إيراد ما فيه على وفق مراد قائله، فإنه ربما خفي المقصود أو تبادر غيره فيتضح بمراجعة أصل من هذه الأصول المذكورة، ولم أترك جهدا في تنقيحه وتحريره، فإنني بحمد الله شعرت فيه خليا من المواقع والعوائق منقطعا عن القواطع والعلائق، فصار هذا الشرح عمدة في الفن عموما، وعمدة في معرفة مذهب الشافعي فيه خصوصا، وعمدة في شرح هذا الكتاب وسعيت سعيي في إيضاح معانيه، وبذلت وسعي في تسهيله لمطالعيه بحيث لا يتعذر فهمه على المبتدئ، ولا يبطئ إدراكه على المنتهي، وسميته:"نهاية السول في شرح منهاج الأصول" وأسأل الله أن ينفع به مؤلفه وكاتبه وقارئه والناظر فيه وجميع المسلمين بمنه وكرمه آمين.
1 المستصفى في أصول الفقه للإمام حجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد الغزالي المتوفى سنة "505هـ" يقول عن هذا الكتاب: فاقترح علي طائفة من محصلي علم الفقه تصنيفا في الأصول أطلق العنان فيه بين الترتيب والتحقيق على وجه يقع في الحجم دون تهذيب الأصول، وفوق كتاب المنخول، ورتبناه على مقدمة، وأربعة أقطاب". "كشف الظنون: 1673".
2 المعتمد في أصول الفقه لأبي الحسين محمد بن علي البصري المعتزلي الشافعي المتوفى سنة "463هـ"، وهو كتاب كبير ومنه أخذ الفخر الرازي كتاب المحصول "كشف الظنون: 1732".
تعريفات:
قال: "أصول الفقه معرفة دلائل الفقه إجمالا وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد" أقول: اعلم أنه لا يمكن الخوض في علم من العلوم إلا بعد تصور ذلك العلم، والتصور مستفاد من التعريفات، فلذلك قدم المصنف تعريف أصول الفقه على الكلام في مباحثه، ولا شك أن أصول الفقه لفظ مركب من مضاف ومضاف إليه، فنقل عن معناه الإضافي وهو الأدلة المنسوبة إلى الفقه وجعل لقبا أي علما على الفن الخاص. والفرق بين اللقبي والإضافي من وجهين:"أحدهما" أن اللقبي هو العلم كما سيأتي والإضافي موصل إلى العلم، "الثاني" أن اللقبي لا بد فيه من ثلاثة أشياء: معرفة الدلائل وكيفية الاستفادة وحال المستفيد، وأما الإضافي فهو الدلائل خاصة، ولفظ أصول الفقه مركب على المعنى الإضافي دون اللقبي؛ لأن جزأه لا يدل على جزء معناه، فإذا تقرر ما قلناه، وعلمت أن أصول الفقه في الأصل مركب، فاعلم أن معرفة المركب متوقفة على معرفة مفرداته، فكان ينبغي له أن يذكر تعريف الأصل وتعريف الفقه قبل تعريف أصول الفقه، وكما فعل الإمام في المحصول1 والآمدي في الأحكام وغيرهما مستدلين بما ذكرته من توقف معرفة المركب على معرفة المفردات، فلنذكر
1 انظر المحصول، ص5، جـ1.
أول تعريفهما ثم نعود إلى شرح كلامه فنقول: الأصل له معنيان: معنى في اللغة، ومعنى في الاصطلاح، فأما معناه اللغوي فاختلفوا فيه على عبارات:"إحداها" ما يبنى عليه غيره، قاله أبو الحسين البصري في شرح العمدة، "ثانيتها" المحتاج إليه قاله الإمام في المحصول والمنتخب وتبعه صاحب التحصيل، "ثالثتها" ما يستند تحقق الشيء له، قاله الآمدي في الأحكام ومنتهى السول، "رابعتها" ما منه الشيء، قاله صاحب الحاصل، "خامستها" منشأ الشيء، قال بعضهم: وأقرب هذه الحدود هو الأول والأخير، وأما في الاصطلاح فله أربعة معانٍ:"أحدها" الدليل كقولهم: أصل هذه المسألة الكتاب والسنة أي: دليلهما، ومنه أيضا أصول الفقه، أي: أدلته، "الثاني" الرجحان، كقولهم الأصل في الكلام الحقيقة، أي الراجح عند السامع هو الحقيقة لا المجاز، "الثالث" القاعدة المستمرة كقولهم إباحة الميتة للمضطر على خلاف الأصل، "الرابع" الصورة المقيس عليها على اختلاف مذكور في القياس في تفسير الأصل، وأما الفقه فله أيضا معنيان: لغوي واصطلاحي، فالاصطلاحي سيأتي في كلام المصنف. وأما اللغوي فقال الإمام في المحصول والمنتخب1: هو فهم غرض المتكلم من كلامه، وقال الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع: هو فهم الأشياء الدقيقة، فلا يقال فقهت أن السماء فوقنا. وقال الآمدي: هو الفهم وهذا هو الصواب فقد قال الجوهري2: الفقه الفهم تقول فقهت كلامك بكسر القاف أفقه بفتحها في المضارع أي فهمت أفهم. قال الله تعالى: {فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} [النساء: 78] . وقال تعالى: {مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ} [هود: 91] وقال تعالى: {وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44] إذا علمت ذلك فلنرجع إلى شرح كلام المصنف، فنقول قول معركة كالجنس دخل فيه أصول الفقه وغيره، والفرق بينه وبين العلم من وجهين:"أحدهما" أن العلم يتعلق بالنسب أي وضع لنسبة شيء آخر، ولهذا تعدى إلى مفعولين، بخلاف عرف فإنها وضعت للمفردات، تقول: عرفت زيدا، "الثاني" أن العلم يستدعي سبق جهل بخلاف المعرفة، ولهذا لا يقال لله تعالى عارف ويقال له عالم، وقد نص جماعة من الأصوليين أيضا ومنهم الآمدي في أبكار الأفكار على نحو، فقالوا: إن المعرفة لا تطلق على العلم القديم. وقوله: "دلائل الفقه" هو جمع مضاف، وهو يفيد العموم فيعم الأدلة كمعرفة الفقه ونحوه، "الثاني" معرفة أدلة غير الفقه كأدلة النحو والكلام. "الثالث" معرفة بعض أدلة الفقه كالباب الواحد من أصول
1 منتخب المحصول في الأصول لفخر الدين محمد بن عمر بن الحسين الرازي الفقيه: "الإيضاح المكنون: 2/ 596".
2 الجوهري هو إسماعيل بن حماد الجوهري، أبو نصر أول من حاول الطيران، ومات في سبيله، لغوي من الأئمة أشهر كتبه الصحاح له كتاب في العروض، وأصله من فاراب ودخل العراق صغيرا، وسافر إلى الحجاز، فطاف في البادية، وعاد إلى خراسان، ثم أقام في نيسابور، توفي وهو يحاول الطيران عام "393هـ". "الأعلام للزركلي" 1/ 313".
الفقه فإنه جزء من أصول الفقه ولا يكون أصول الفقه، ولا يسمى العارف به أصوليا لأن بعض الشيء لا يكون نفس الشيء. والمراد بمعرفة الأدلة أن يعرف أن الكتاب والسنة والإجماع والقياس أدلة يحتج بها، وأن الأمر مثل للوجوب، وليس المراد حفظ الأدلة ولا غيره من المعاني فافهمه. واعلم أن التعبير بالأدلة مخرج لكثير من أصول الفقه كالعمومات وأخبار الآحاد والقياس والاستصحاب وغير ذلك، فإن الأصوليين وإن سلموا العمل بها فليست عندهم أدلة للفقه بل أمارات له، فإن الدليل عندهم لا يطلق إلا على المقطوع له، ولهذا قال في المحصول أصول الفقه مجموع طرق الفقه، ثم قال: وقولنا طرق الفقه يتناول الأدلة والأمارات.
قوله "إجمالا" أشار به إلى أن المعتبر في حق الأصولي إنما هو معرفة الأدلة من حيث الإجمالي ككون الإجماع حجة وكون الأمر للوجوب كما بيناه، وفي الحاصل أنه احتراز عن علم الفقه وعلم الخلاف، لأن الفقيه يبحث عن الدلائل من جهة دلالتها على المسألة المعينة، والمناظر أن ينصب كل منهما الدليل على مسألة معينة وفيما قاله نظر، ولم يصرح في المحصول بالمحترز عنه، فإن قيل: إن إجمالا في كلام المصنف لا يجوز أن يكون مفعولا لأنه عرف لا يتعدى إلا إلى واحد وقد جر بالإضافة، ولا تمييزا منقولا من المضاف، ويكون أصله معرفة إجمالا أدلة الفقه لفساد المعنى ولا حالا من المعرفة أو من الدلائل لأنهما مؤنثان، وإجمال مذكر، لا نعتا لمصدر محذوف، أي معرفة إجمالية. لتذكيره أيضا: فالجواب أنه يجوز أن يكون في الأصل مجرورا بالإضافة إلى معرفة تقديره معرفة دلائل الفقه: معرفة إجمالية. أي لا معرفة تفصيل فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فانتصب كقوله تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82] أي أهل القرية ويجوز أن يكون نعتا لمصدر مذكر محذوف تقديره عرفانا إجماليا، قال الجوهري تقول عرفت معرفة وعرفانا، فهو على هذين الإعرابين يكون الإجمال راجعا إلى المعرفة، وأما عوده إلى الدلائل فهو وإن كان صحيحا من جهة المعنى لكن هذا الإعراب لا يساعده، ويجوز أن يكون حالا، واغتفر فيه التذكير لكنه مصدر، وفي بعض الشروح أن إجمالا منصوب على المصدر أو على التمييز وهو خطأ لما قلناه قوله:"وكيفية الاستفادة منها" هو مجرور بالعطف على دلائل، أي معرفة دلائل الفقه، ومعرفة كيفية استفادة الفقه من تلك الدلائل أي استنباط الأحكام الشرعية منها، وذلك يرجع إلى معرفة شرائط الاستدلال كتقديم النص على الظاهرة والمتواتر على الآحاد ونحوه، كما سيأتي في كتاب التعادل والترجيح، فلا بد من معرفة تعارض الأدلة ومعرفة الأسباب التي يترجح بها بعض الأدلة على بعض، وإنما جعل ذلك من أصول الفقه لأن المقصود من معرفة أدلة الفقه في استنباط الأحكام منها، ولا يمكن الاستنباط منها إلا بعد معرفة التعارض والترجيح لأن دلائل الفقه مفيدة للظن غالبا والمظنونات قابلة للتعارض محتاجة إلى الترجيح فصار من
معرفة ذلك من أصول الفقه وقوله: "وحال المستفيد" هو مجرور أيضا بالعطف على دلائل أي ومعرفة حال المستفيد وهو طلب حكم الله تعالى فيدخل فيه المقلد والمجتهد كما قال في الحاصل لأن المجتهد يستفيد الأحكام من الأدلة، والمقلد يستفيدها من المجتهد، وإنما كان معرفة تلك الشروط من أصول الفقه، لأنا بينا أن الأدلة قد تكون ظنية وليس من الظن ومدلوله ارتباط عقلي لجواز عدم دلالته عليه، فاحتاج إلى رابط وهو الاجتهاد، فتلخص أن معرفة كل واحد مما ذكر أصل من أصول الفقه، ومجموعها ثلاث فلذلك أتى بلفظ الجمع فقال أصول الفقه معرفة كذا وكذا ولم يقل: أصل الفقه وهذا الحد ذكره صاحب الحاصل فقلده فيه المصنف، وفيه نظر من وجوه:"أحدها" كيف يصح أن يكون أصول الفقه هو معرفة الأدلة مع أن أصول الفقه شيء ثابت سواء وجد العارف به أم لا ولو كان هو المعرفة بالأدلة لكان يلزم من فقدان العارف بأصول الفقه وليس كذلك، ولهذا قال الإمام في المحصول: أصول الفقه مجموع طرق الفقه، ولم يقل معرفة مجموع طرق الفقه، وذكر نحوه في المنتخب أيضا وكذلك صاحب الأحكام وصاحب التحصيل وخالف ابن الحاجب فجعله العلم أيضا، وحاصله أن طائفة جعلوا الأصول هو العلم لا المعلوم. "ثانيها" أن العلم بأصول الفقه ثابت لله تعالى لأنه تعالى عالم بكل شيء، ومن ذلك هذا العلم الخاص، ولا بد من إدخاله في الحد وإلا لزم وجود المحدود بدون الحد لكنه لا يمكن دخوله فيه لأنه حده بقوله: معرفة دلائل الفقه والمعرفة لا تطلق على الله تعالى لأنها لا تستدعي سبق الجهل كما تقدم. "ثالثها" أنه جمع دليلا على دلائل هنا وفي أوائل القياس حيث قال لعموم الدلائل وفي أول الكتاب الخامس حيث قال في دلائل اختلف فيها، وإنما صوابه أدلة قال ابن مالك في شرح الكافية والشافية لم يأت فعائل جمعا لاسم جنس على وزن فعيل فيما أعلم لكنه بمقتضى القياس جائز في العلم المؤنث كسعائد جمع سعيد اسم امرأة، وقد ذكر النحاة لفظين وردا من ذلك ونصبوا على أنهما في غاية القلة أنه لا يقاس عليهما. "رابعها" وهو مبني على مقدمة من أن كل علم له موضوع ومسائل، فموضوعه هو ما يبحث في ذلك العلم عن الأحوال العارضة له، ومسائله هي معرفة تلك الأحوال، فموضوع علم الطب مثلا هو بدون الإنسان لأنه لا يبحث فيه عن الأمراض اللاحقة له، ومسائله هي معرفة تلك الأمراض، والعلم بالموضوع ليس داخلا في حقيقة ذلك العلم كما أوضحناه في بدن الإنسان، وموضوع علم الأصول هو أدلة الفقه لأنه يبحث فيها عن العوارض اللاحقة لها من كونها عامة وخاصة وأمرا ونهيا وهذه الأشياء هي المسائل، وإذا كانت الأدلة هي موضوع هذا العلم فلا تكون من ماهيته، فإن قيل موضوع هذا العلم هو الأدلة الكلية من حيث دلالتها على الأحكام، وأما مسائله فيه معرفة الأدلة باعتبار ما يعرض لها كونها عامة وخاصة وغير ذلك وهذا هو الواقع في الحد، قلنا لا
نسلم بل الأول أيضا مذكور فإنه المراد بقوله دلائل الفقه كما تقدم. "خامسها" أن هذا الحد ليس بمانع، لأن تصور دلائل الفقه إلخ يصدق عليه أنه معرفة بها أي علم لأن العلم ينقسم إلى تصور وتصديق، ومع ذلك ليس من علم الأصول، فإن الأصول هو العلم التصديقي لا التصويري.
وقال: "والفقه هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية" أقول لما كان لفظ الفقه جزءا من تعريف أصول الفقه ولا يمكن معرفة شيء إلا بعد معرفة أجزائه احتاج إلى تعريفه، فقوله العلم جنس دخل فيه سائر العلوم، ولقائل أن يقول: لم قال في حد الأصول معرفة وفي حد الفقه علم، وقد استعمل ابن الحاجب لفظ العلم فيهما وابن برهان في الوجيز لفظ المعرفة هنا، وقوله بالأحكام احترز به عن العلم بالذوات والصفات والأفعال، قاله من الحاصل، ووجه ما قاله أن العلم لا بد له من معلوم، وذلك المعلوم إن لم يكن محتاجا إلى محل يقوم به فهو الجوهر كالجسم، وإن احتاج فإن كان سببا للتأثير في غيره فهو الفعل كالضرب والشتم، وإن لم يكن سببا فإن كان نسبة بين الأفعال والذوات فهو الحكم، وإن لم يكن فهو الصفة كالحمرة والسواد، فلما قيد العلم بالحكم كان مخرجا للثلاثة، لكن في إطلاق خروج الصفات إشكال، وذلك أن الحكم الشرعي خطاب الله تعالى، وخطابه تعالى كلامه، وكلامه صفة من جملة الصفات القائمة بذاته، فيلزم من إخراج الصفات إخراج الفقه وهو المقصود بالحد والباء في قوله بالأحكام، يجوز أن تكون متعلقة بمحذوف أي العلم المتعلق بالأحكام، والمراد بتعلق العلم بها التصديق بكيفية تعلقها بأفعال المكلفين، كقولنا المساقاة جائزة لا العلم بتصورها، فإنه من مبادئ أصول الفقه فإن الأصولي لا بد أن يتصور الأحكام كما سيأتي، ولا التصديق بثبوتها في أنفسها، ولا التصديق بتعلقها فإنهما من علم الكلام، فإن قيل: الألف واللام في الأحكام لا جائز أن تكون للعهد لأنه ليس لنا شيء معهود يشار إليه، ولا الجنس لأن أقل جمع الجنس ثلاثة، فيلزم منه أن العامي يسمى فقيها إذا عرف ثلاث مسائل بأدلتها لصدق اسم الفقه عليها وليس كذلك، ولا للعموم لأنه يلزم خروج أكثر المجتهدين لأن مالكا من أكابرهم وقد ثبت أنه سئل عن أربعين مسألة فأجاب في أربع، وقال في ست وثلاثين لا أدري، فالجواب التزام كونها للجنس لأن الحد إنما وضع لحقيقة الفقه، ولا يلزم من إطلاق الفقه على ثلاثة أحكام أن يصدق على العارف بها أنه فقه بكسر القاف أي فهم ولا من فقه بفتحها أي سبق غيره إلى الفهم لما تقرر في علم العربية أن قياسه فاقه وظهر أن الفقيه يدل على الفقه وزيادة كونه سجيه، وهذا أخص من مطلق الفقه ولا يلزم من نفي الأعم، فلا يلزم نفي الفقه عند نفي المشتق الذي هو فقه، وهذا من أحسن الأجوبة، وقد احترز الآمدي عن هذا السؤال فقال الفقه العلم بالجملة غالبة من الأحكام وهو احتراز حسن وقوله الشرعية احتراز عن العلم بالأحكام العقلية
كالعلم بأن الواحد نصف الاثنين وبأن الكل أعظم من الجزء وشبه ذلك كالطب والهندسة وعن العلم بالأحكام اللغوية وهو نسبة أمر إلى الآخر بالإيجاب أن السلب كعلمنا بقيام زيد أو بعدم قيامه، والشرعي هو ما تتوقف معرفته على الشرع، وقوله العملية احترز به عن العلم بالأحكام الشرعية على العملية، وهو أصول الدين كالعلم بكون الإله واحدا سميعا بصيرا، وكذلك أصول الفقه على ما قاله الإمام في المحصول واقتصر عليه، قال لأن العلم يكون الإجماع حجة مثلا ليس علما بكيفية عمل، وتبعه على ذلك صاحب الحاصل وصاحب التحصيل1، وفيه نظر لأن حكم الشرع يكون الإجماع حجة مثلا، معناه أنه إذا وجد فقد وجب عليه العمل بمقتضاه والإفتاء بموجبه، ولا معنى للعمل إلا هذا لأنه نظير العلم، بأن الشخص متى زنى وجب على الإمام حده، وهو من الفقه، لقوله المكتسب احترز به عن علم الله تعالى وعلم ملائكته بالأحكام الشرعية العلمية، وكذلك علم رسوله صلى الله عليه وسلم الحاصل من غير اجتهاد بل بالوحي، وكذلك علمنا بالأمور التي علم بالضرورة كونها من الدين، كوجوب الصلوات الخمس وشبهها، فجميع هذه الأشياء ليس بفقه لأنها غير مكتسبة، هكذا ذكره كثير من الشراح، وما قالوه في غير الله تعالى فيه نظر متوقف على تفسير المراد بالمكتسب، ولا ذكر لهذا القيد في المحصول بأنه للاحتراز عن نحو الخمس كما تقدم ذكره وفيه نظر أيضا فإن أكثر علم الصحابة إنما حصل بسماعهم من النبي صلى الله عليه وسلم فيكون ضررويا، وحينئذ فيلزم أن يسمى علم الصحابة فقها وأن لا يسموا فقهاء وهو باطل، والأولى أن يقال احترز بالمكتسب عن علم الله تعالى، وبقوله من أدلتها عن علم الملائكة والرسول الحاصل بالوحي، والمكتسب في كلام المصنف مرفوع على الصفة للعلم ولا يصلح جره على الصفة للأحكام، لأن الأحكام مؤنثة والمكتسب مذكر، ولأن علم الله تعالى وعلم المقلد يردان على الحد على هذا التقدير ولا يخرجان بما قالوه، وذلك لأن المعلوم للمقلد مثلا في نفسه مكتسب من أدلة تفصيلية، فإن المصنف لم يشترط ذلك بالنسبة إلى العالم به بل عبر عنه بقول مكتسب، وهو مبني للمفعول فإذا علم المجتهد أن الأخت لها النصف للآية الكريمة أخر به المقلد صدق أن المقلد علم شيئا اكتسبه غيره من دليل تفصيلي، وإذا صدق ذلك صدق بناؤه للمفعول، فيقال علم شيئا مكتسبا من دليل تفصيلي، وهكذا يفعل في علم الله تعالى فإن الباري سبحانه وتعالى عالم بحكم ذلك الحكم، موصوف بأنه مكتسب يعني أن شخصا قد اكتسبه.
وقوله من أدلتها التفصيلية احترز به عن العلم الحاصل للمقلد في المسائل الفقهية، فإن المقلد إذا علم أن هذا الحكم أفتى به المفتي وعلم أن ما أفتى به المفتي
1 التحصيل في أصول الفقه للإمام أبي منصور عبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي الفقيه الشافعي المتوفى سنة "429هـ"، "كشف الظنون: 359".
فهو حكم الله تعالى في حقه، علم بالضرورة أن ذلك حكم الله تعالى في حقه، فهذا وأمثاله علم بأحكام شرعية عملية مكتسب لكن لا من أدلة تفصيلية بل من دليل إجمالي، فإن المقلد لم يستدل على كل مسألة بدليل مفصل يخصها بل بدليل واحد يعم جميع المسائل هكذا قاله الإمام في المحصول وغيره وتابعه عليه صاحب الحاصل وصاحب التحصيل، وفي الحد نظر من وجوه: أحدها: أن تعريف الفقه بأنه العلم يقتضي أن يكون أصول الفقه هو أدلة العلم بالأحكام لا أدلة الأحكام نفسها، وهو باطل لأنه قد تقدم أن الأصول معرفة دلائل الفقه لا معرفة دلائل العلم بالفقه ولأن مدلول الدليل هو الحكم لا العلم بالحكم. والثاني أنه لا يخلوا إما أن يريد بالعملية عمل الجوارح أو ما هو أعم منها ومن عمل القلوب. فإن أراد الأول ورد عليه إيجاب النية وتحريم الرياء والحسد وغيرهما فإنها من الفقه بالقلب، ولو قال الفرعية كما قاله الآمدي وابن الحاجب لكان يخلص من الاعتراض. "الثالث أن العام يطلق ويراد به الاعتقاد الجازم المطابق لدليل كما ستقف عليه وهذا هو المصطلح عليه، ويطلق ويراد به ما هو أعم من هذا وهو الشعور فإن أراد الأول لم يحسن الاحتراز عن المقلد بقوله من أدلتها التفصيلية لعدم دخوله في الحد لأن ما عند المقلد يسمى تقليدا لا علما، وإن أراد الثاني لم يرد سؤال القاضي المذكور عقب هذا في قوله: "قيل الفقه من باب الظنون"، الرابع: أن هذا الحديث ليس بمانع لأن تصور الأحكام الشرعية إلخ يصدق عليه أنه علم بها إذ العلم منقسم إلى تصور وتصديق ومع ذلك فليس بفقه بل الفقه العلم التصديقي لا العلم التصوري قال: "قيل الفقه من باب الظنون".
قلنا: "المجتهد إذا ظن الحكم وجب عليه الفتوى، والعمل به الدليل القاطع على وجوب اتباع الظن، فالحكم مقطوع به والظن في طريقه" أقول هذا اعتراف على حد الفقه وأورده القاضي أبو بكر الباقلاني وتقريره موقوف على مقدمة، وهو أن الحكم بأمر على أمر إن كان جازما مطابقا لدليل فهو العلم، كعلمنا بأن الإله واحد، وإن كان جازما مطابقا لغير دليل فهو التقليد كاعتقاد العامي أن الضحى سنة، وإن كان جازمًا غير مطابق فهو الجهل كاعتقاد الكفار ما كفرناهم به، وإن لم يكن جازما نظر إن لم يترجح أحد الطرفين فهو الشك، وإن ترجح فالطرف الراجح ظن المرجوح، وهم، إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى تقرير السؤال فنقول الفقه مستفاد من الأدلة السمعية فيكون مظنونا، وذلك لأن الأدلة السمعية إن كان مختلفا فيها كالاستصحاب فهي لا تفيد إلا الظن عند القائل بها، والمتفق عليها بين الأئمة هو الكتاب والسنة والإجماع والقياس، فأما القياس فواضح كونه لا يفيد إلا الظن، وأما الإجماع فإن وصل إلينا بالآحاد فكذلك، ووصوله بالتواتر قليل جدا، وبتقديره فقد صحح الإمام في المحصول والآمدي في الأحكام ومنتهى السول أنه ظني، وأما السنة فالآحاد منها لا تفيد إلا الظن، وأما المتواتر فهو كالقرآن متنه قطعي ودلالته ظنية لتوقفه على نفي الاحتمالات
العشرة، ونفيها ما ثبت إلا بالأصل، والأصل يفيد الظن فقط، وبتقدير أن يكون فيه شيء مقطوع الدلالة فيكون من ضروريات الدين وهو ليس بفقه على ما تقدم في الحدّ، فالفقه إذًا مظنون؛ لكونه مستفادا من الأدلة الظنية، وإذا كان ظنيا فلا يصح أن يقال: الفقه: العلم بالأحكام بل الظن بالأحكام، وأجاب المصنف بأنا لا نسلم أن الفقه ظني، بل هو قطعي لأن المجتهد إذا غلب على ظنه مثلا الانتقاض بالمس، حصل له مقدمة قطعية وهي قولنا: انتقاض الوضوء مظنون، وإلى هذه المقدمة أشار المصنف بقوله: إذا ظن الحكم ولنا مقدمة أخرى قطعية وهي قولنا: كل مظنون يجب العمل به، وأشار إليها بقوله: وجب عليه الفتوى والعمل به، فينتج انتقاض الوضوء يجب العمل به، وهذه النتيجة قطعية؛ لأن المقدمتين قطعيتان: أما الأولى فلأنها وجدانية أي: يقطع بوجود الظن به كما يقطع بجوعه وعطشه، وأما الثانية وهي قولنا: كل مظنون يجب العمل به فهي أيضا قطعية لما قاله المصنف، وهو قوله: الدليل القاطع على وجوب اتباع الظن، ولم يبين الإمام ولا مختصرو كلامه ما أرادوه بالدليل القاطع، وقد اختلف الشارحون فيه فقال بعضهم: هو الإجماع، فإن الأئمة قد أجمعوا على أن كل مجتهد يجب عليه العمل والإفتاء بما ظنه وفيه نظر، فإن الإجماع ظن كما تقدم، وقال بعضهم: هو الدليل العقلي، وذلك أن الظن هو الظرف الراجح من الاحتمالات كما قررناه، فيكون الطرف المقابل له مرجوحا، وحينئذ فإما أن يعمل بكل واحد من الطرفين فيلزم اجتماع النقيضين، أو يترك العمل بكل منها فيلزم ارتفاع النقيضين، أو يعمل بالطرف المرجوح وحده وهو خلاف صريح العقل، فتعين العمل بالطرف الراجح وفيه نظر أيضا، فإنه إنما يجب العمل به أو بنقيضه إذا ثبت بدليل قاطع أن كل فعل يجب أن يتعلق به حكم شرعي، وليس كذلك، فيجوز أن يكون عدم وجوبه بسبب عدم الحكم الشرعي فيبقى الفعل على البراءة الأصلية كحاله قبل الاجتهاد، وكحاله عند الشك.
قوله: "والظن في طريقه" أشار بذلك إلى الظن الواقع في المقدمتين، حيث قلنا: هذا مظنون، وكل مظنون يجب العمل به، فإنه قد وقع التصريح بالظن في محمول الصغرى وموضوع الكبرى، فكيف تكون المقدمتان قطعيتين مع التصريح بالظن؟ فأجاب عن ذلك بأن المعتبر في كون المقدمة قطعية أو ظنية إنما هو بالنسبة الحاصلة فيها، فإن كانت قطعية كانت المقدمة قطعية، وإن كانت ظنية كانت المقدمة ظنية، سواء كان الطرفان قطعيين أو ظنيين، أو كان أحدهما قطعيا والآخر ظنيا، ولا شك أن النسبة الحاصلة من الأول هو وجود الظن، وبالنسبة الحاصلة من الثانية هو وجوب العمل به، وكلاهما قطعي كما بيناه، فلا يضر مع ذلك وقوع الظن فيها؛ لأنه واقع في الطريق الموصل إلى النسبة التي توصل إلى الحكم، فإن مقدمتي القياس وجميع أجزائها طريق موصل إلى الحكم، فتخلص حينئذ أن الفقه كله مقطوع به بهذا العمل، وبهذا قال أكثر الأصوليين، كما قاله القرافي في شرح المحصول، وفي التقرير المذكور
لكونه مقطوعًا به، نظر من وجوه:"أحدها" أن المقدمات لا بد من بقاء مدلولها حال الإنتاج ضرورة ومدلول الصغرى أنه غالب على ظن المجتهد فيسجل أن يكون ذلك الحكم في ذلك الوقت معلوما أيضا لاستحالة اجتماع النقيضين. "الثاني" أنه أقام الدليل على القطع بوجوب العمل بما غلب على ظن المجتهد، وهو غير المطلوب؛ لأنه لا يلزم من القطع بوجوب العملي بما غلب على الظن حصول القطع بالحكم الغالب على الظن والنزاع فيه لا في الأول، فإن قيل: المراد وجوب العمل، قلنا: لا يستقيم؛ لأنه يؤدي إلى فساد الحد؛ لأنه قوله في الحد وهو العلم بالأحكام، لا يدل على العلم بوجوب العمل بالأحكام، لا مطابقة ولا تضمنا ولا التزاما، ولأن العلم بوجوب العمل بالأحكام مستفاد من الأدلة الإجمالية، والفقه مستفاد من الأدلة التفصيلية، ولأن تفسير الفقه بالعلم بوجوب العمل يقتضي انحصار الفقه في الوجوب، وليس كذلك. "الثالث" أن ما ذكره وإن دل على أن الحكم مقطوع به، لكن لا يدل على أنه معلوم؛ لأن القطع أعم من العلم، إذ المقلد قطع وليس بعالم، وكل عالم قاطع ولا ينعكس، والمدعي هو الثاني وهو كون الفقه معلوما، وما أقام الدلالة عليه بل على القاطع.
قال: "ودليله المتفق عليه بين الأئمة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، ولا بد للأصولي من تصور الأحكام الشرعية ليتمكن من إثباتها، ونفيها لا جرم رتبناه على مقدمة، وسبعة كتب".
أما المقدمة، ففي الأحكام ومتعلقاتها "وفيها بابان" أقول: أدلة الفقه تنقسم إلى متفق عليها بين الأئمة والأربعة وإلى مختلف فيها، فالمتفق عليها أربعة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وما عدا ذلك كالاستصحاب والمصالح المرسلة والاستحسان وقياس العكس والأخذ بالأقل وغيرها مما سيأتي فمختلف فيه بينهم، ثم لما كان المقصود من هذه الأدلة هو استنباط الأحكام بالإثبات تارة وبالنفي أخرى كحكمه على الأمر بأنه للوجوب لا للندب، وعلى النهي بأن للتحريم لا للكراهة، والحكم على الشيء بالنفي والإثبات فرع عن تصوره، احتاج الأصولي إلى تصور الأحكام الخمسة، وهي: الوجوب والندب والتحريم والكراهة والإباحة، وتصورها بأن يعرفها بالحد أو بالرسم كما سيأتي، ثم إن المصنف رتب هذا الكتاب على مقدمة وسبعة كتب، فأشار بقوله:"لا جرم رتبناه" إلى وجه ذلك وتقريره: أن أصول الفقه -كما تقدم- عبارة عن المعارف الثلاث: معرفة دلائل الفقه الإجمالية ومعرفة كيفية الاستفادة منها ومعرفة حال المستفيد؛ فأما دلائل الفقه فعقد لها خمسة كتب منها أربعة للأربعة المتفق عليها بين الأئمة، والخامس للمختلف فيها، وأما كيفية الاستفادة وهي الاستنباط فعقد لها الكتاب السادس في التعادل والترجيح، وأما حال المستفيد فعقد له للكتاب السابع في الاجتهاد، هذا بيان الاحتياج إلى الكتب السبعة، وقدم الكتب الستة التي في الدلالة والترجيح على كتاب الاجتهاد؛ لأن الاجتهاد يتوقف على الأدلة وترجيح بعضها على