المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الثالث: في المخصص - نهاية السول شرح منهاج الوصول

[الإسنوي]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمات

- ‌ترجمة البيضاوي صاحب منهاج الوصول إلى علم الأصول

- ‌ترجمة الإسنوي: صاحب نهاية السول شرح منهاج الوصول

- ‌خطبة الكتاب:

- ‌تعريفات:

- ‌الباب الأول في الحكم:

- ‌الفصل الأول: تعريفه

- ‌الفصل الثاني: تقسيماته

- ‌التقسيم الأول:

- ‌التقسيم الثاني:

- ‌التقسيم الثالث:

- ‌التقسيم الرابع:

- ‌التقسيم الخامس:

- ‌التقسيم السادس:

- ‌الفصل الثالث: في أحكام الحكم الشرعي

- ‌المسألة الأولى

- ‌المسألة الثانية:

- ‌المسألة الثالثة:

- ‌المسألة الرابعة:

- ‌المسألة الخامسة:

- ‌المسألة السادسة:

- ‌المسألة السابعة:

- ‌الباب الثاني: فيما لا بد للحكم منه وهو الحاكم والمحكوم عليه وبه

- ‌الفصل الأول: في الحكم

- ‌مدخل

- ‌الفرع الأول:

- ‌الفرع الثاني:

- ‌الفصل الثاني: في المحكوم عليه

- ‌المسألة الأولى:

- ‌المسألة الثانية:

- ‌المسألة الثالثة:

- ‌المسألة الرابعة:

- ‌الفصل الثالث: في المحكوم به

- ‌المسألة الأولى:

- ‌المسألة الثانية:

- ‌المسألة الثالثة:

- ‌الكتاب الأول: في الكتاب والاستدلال به يتوقف على معرفة اللغة

- ‌مدخل

- ‌الباب الأول: في اللغات

- ‌الفصل الأول:

- ‌الفصل الثاني:

- ‌الفصل الثالث

- ‌مدخل

- ‌المسألة الأولى:

- ‌المسألة الثانية:

- ‌المسألة الثالثة:

- ‌الفصل الرابع:

- ‌الفصل الخامس:

- ‌المسألة الأولى:

- ‌المسالة الثانية:

- ‌المسألة الثالثة:

- ‌المسالة الرابعة:

- ‌المسألة الخامسة:

- ‌الفصل السادس

- ‌مدخل

- ‌الفرع الأول:

- ‌الفرع الثاني:

- ‌الفرع الثالث:

- ‌الفرع الرابع:

- ‌الفرع الخامس:

- ‌الفرع السادس:

- ‌الفصل السابع:

- ‌الفصل الثامن:

- ‌الفصل التاسع:

- ‌الباب الثاني: في الأوامر والنواهي

- ‌الفصل الأول: في لفظ الأمر

- ‌الفصل الثاني: في صيغته

- ‌الفصل الثالث: في النواهي

- ‌الباب الثالث: في العموم والخصوص

- ‌الفصل الأول: في العموم

- ‌الفصل الثاني: في الخصوص

- ‌الفصل الثالث: في المخصص

- ‌الباب الرابع: في المجمل والمبين

- ‌الفصل الأول: في المجمل

- ‌الفصل الثاني: في المبين

- ‌الفصل الثالث: في المبين له

- ‌الباب الخامس: في الناسخ والمنسوخ

- ‌الفصل الأول: في النسخ

- ‌الفصل الثاني: في الناسخ والمنسوخ

- ‌خاتمة في النسخ:

- ‌الكتاب الثاني: في السنة

- ‌الباب الأول: الكلام في أفعاله

- ‌الباب الثاني: في الأخبار

- ‌الفصل الأول: فيما علم صدقه

- ‌الفصل الثاني: فيما علم كذبه

- ‌الفصل الثالث: فيما ظن صدقه وهو خبر العدل الواحد

- ‌الكتاب الثالث: في الإجماع

- ‌الباب الأول: في بيان كونه حجة

- ‌الباب الثاني: في أنواع الإجماع

- ‌الباب الثالث: في شرائطه

- ‌الكتاب الرابع: في القياس

- ‌مدخل

- ‌الباب الأول: في بيان أنه حجة

- ‌الباب الثاني: في أركانه

- ‌الفصل الأول: في العلة

- ‌الفصل الثاني: في الأصل والفرع

- ‌الكتاب الخامس: في دلائل اختلف فيها

- ‌الباب الأول: في المقبولة

- ‌الباب الثاني: في المردودة

- ‌الكتاب السادس: في التعادل والتراجيح:

- ‌الباب الأول: في تعادل الأمارتين في نفس الأمر

- ‌الباب الثاني: في الأحكام الكلية للتراجيح

- ‌الباب الثالث: في ترجيح الأخبار

- ‌الباب الرابع: في ترجيح الأقيسة

- ‌الكتاب السابع: في الاجتهاد والإفتاء

- ‌الباب الأول: في الاجتهاد

- ‌مدخل

- ‌الفصل الأول: في الاجتهاد

- ‌الفصل الثاني: في حكم الاجتهاد

- ‌الباب الثاني: في الإفتاء

- ‌فهرس المحتويات

الفصل: ‌الفصل الثالث: في المخصص

انفرد بها الإمام وتبعه عليها، فقال: لو وجب طلب المخصص في التمسك بالعام لوجب طلب المجاز في التمسك بالحقيقة، بيان الملازمة أن إيجاب طلب المخصص إنما هو للتحرز عن الخطأ، وهذا المعنى بعينه موجود في المجاز لكن اللازم منتفٍ وهو طلب المجاز فإنه لا يجب اتفاقا فكذلك الملزوم وهو طلب المخصص، وللخصم أن يفرق بأن احتمال وجود المخصص أقوى من احتمال وقوع المجاز، فإن أكثر المعلومات مخصوصة واحتج ابن سريج بأن احتمال وجود المخصص عارض دلالة العام. إذ العام يحتمل التخصيص وعدمه احتمالا على السواء، فحمله على العموم ترجيح من غير مرجح. وقوله:"احتمال" هو فاعل عارض والمفعول هو الدلالة، ولا يجوز فيه غير ذلك، وأجاب المصنف بأن الأصل يدفع ذلك الاحتمال؛ لأن الأصل عدم التخصيص، والتعارض إنما يكون عند انتفاء الرجحان، ولك أن تقول: الاستقراء يدل على أن الغالب في العمومات الخصوص والعام المخصوص مجاز، وحينئذ فيدور الأمر بين الحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح، وقد تقدم من كلام المصنف أنهما سيان فيكون العموم مساويا للخصوص، فيلزم من ذلك التوقف كما قاله ابن سريج.

ص: 200

‌الفصل الثالث: في المخصص

وهو متصل ومنفصل.

قال: "الفصل الثالث: في المخصص وهو متصل ومنفصل، فالمتصل أربعة: الأول، والاستثناء وهو الإخراج بإلا غير الصفة ونحوها والمنقطع مجاز، وفيه مسائل". أقول: قد عرفت فيما تقدم أن المخصص في الحقيقة هو إرادة المتكلم، وأنه يطلق أيضا مجازا على الدال على التخصيص، وهذا هو المراد هنا، وهو متصل ومنفصل، فالمتصل ما لا يستقل بنفسه بل يكون متعلقا باللفظ الذي ذكر فيه العام، والمنفصل عكسه، وقسم المصنف المتصل إلى أربعة أقسام، وهي: الاستثناء والشرط والصفة والغاية وأهمل خامسا ذكره ابن الحاجب وهو بدل البعض كقولك: أكرمت الناس قريشا. الأول: الاستثناء، وتعريفه ما ذكره المصنف فقوله: الإخراج جنس شامل للمخصصات كلها، وقوله: بالإ مخرج لما عدا الاستثناء، وقوله: غير الصفة احتراز عن إلا إذا كانت للصفة بمعنى غير وهي التي تكون تابعة لجمع منكور غير محصور، كقوله تعالى:{لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] أي: غير الله فإنها ليست للاستثناء. وقوله: "ونحوها" أي: كحاشا وخلا وعدا وسوى وفي الحد نظر من وجوه أحدها: أنه أخذ في التعريف لفظة إلا وهي من جملة أدوات الاستثناء فيكون تعريفا للشيء بنفسه. الثاني: أن الإتيان بالواو في قوله: ونحو، لا يستقيم بل صوابه الإتيان بأو. الثالث: إن كان المراد بقوله: ونحوها أي في الإخراج، فينتقض الحد بمثل قولنا: أكرم العلماء ولا تكرم زيدا، فإنه مخرج وليس باستثناء، وكذلك سائر المخصصات أيضا، وإن كان المراد أنه يقوم مقامه في الاستثناء فهو دور. الرابع: أن تقييد إلا بغير الصفة زيادة في الحد غير محتاج إليها؛ لأن إلا والحالة هذه لا تخرج شيئا فهي مستغنى عنها بقوله الإخراج؛ ولهذا لم يذكره الإمام ولا أتباعه إلا أن يقال:

ص: 200

قد تقرر أن الوصف من جملة المخصصات، والتخصيص هو الإخراج كما تقدم، فإذا كانت إلا صفة كانت مخرجة أي: مما يجوز أن يدخل في الأول لا مما يجب دخوله فيه وفيه نظر، بل الأولى أن يقال: احترز بقوله غير الصفة عن مثل: قام القوم إلا زيد فإنه يجوز فيه وفي أمثاله من المعارف جعل إلا للصفة ورفع ما بعدها كما نص عليه ابن عصفور وغيره، وإن كان قليلا. قوله:"والمنقطع مجاز" هو جواب عن سؤال مقدر وهو أن الاستثناء قد يكون متصلا كقام القوم إلا زيدا أو منقطعا كقام القوم إلا حمارًا والمنقطع لا إخراج فيه فيكون واردا على الحد، فأجاب بأن الحد للاستثناء الحقيقي وإطلاق الاستثناء على المنقطع وإن كان جائزا بلا خلاف كما قاله ابن الحاجب في المختصر الكبير، لكنه مجاز عند الأكثرين كما نقله الآمدي بدليل عدم تبادره، قال ابن الحاجب: وإذا قلنا: إنه حقيقة فقيل: إنه مشترك، وقيل: متواطئ على أن الشيخ أبا إسحاق نقل عن بعضهم أنه لا يسمى استثناء لا حقيقة ولا مجازًا. قال: "الأولى شرطه الاتصال عادة بإجماع الأدباء وعن ابن عباس خلافه قياسا على التخصيص بغيره، والجواب النقص بالصفة والغاية وعدم الاستغراق، وشرط الحنابلة أن لا يزيد على النصف والقاضي أن ينقص عنه، كما لو قال: علي عشرة إلا تسعة، لزمه واحد إجماعا وعلى القاضي استثناء الغاوين من المخلصين، وبالعكس قال: الأقل ينسى فيستدرك ونوقض بما ذكرناه". أقول: الاستثناء له شرطان أحدهما: اتصاله بالمستثنى منه اتصالا عاديا لا حسيا، ودليله إجماع الأدباء أي: أهل اللغة ولا يضر القطع بتنفس أو سعال وكذلك البعد لطول الكلام المستثنى منه فإنه يعد في العادة متصلا، ونقل عن ابن عباس جواز الاستثناء المنفصل، ثم اختلفوا فنقل عنه الآمدي وابن الحاجب أنه يجوز إلى شهر، ونقل عنه المازني قولا أنه يجوز إلى سنة، وقولا آخر أنه يجوز أبدا، وهو ما يقتضيه كلام الأكثرين في النقل عنه كالشيخ أبي إسحاق وإمام الحرمين والغزالي وصاحب المعتمد وغيرهم، وصرح به أبو الخطاب الحنبلي، ومع ذلك منهم الجميع قد توقفوا في إثبات أصل هذا المذهب عنه، وشرعوا في تأويله، إلا صاحب المعتمد فنقله من غير إنكار ولا تأويل، ولما توقفت النقلة في إثبات هذا المذهب عبر المصنف بقوله: ونقل، ولما اختلفوا أيضا في كيفيته على المذاهب الثلاثة المتقدمة عبر بقوله: خلافه فافهم ذلك، فإنه من محاسن كلامه، واستدل ابن عباس بالقياس على التخصيص بغير الاستثناء من المخصصات المنفصلة، والجامع أن كلا منهما مخصص، وجوابه النقض بالصفة والغاية، وكذلك الشرط فإن دليله يقتضي جواز انفصالها وهو باطل اتفاقا، وأيضا فالفرق أن المخصص المنفصل مستقل فلذلك دليله يقتضي جواز انفصالها وهو باطل اتفاقا، وأيضا فالفرق أن المخصص المنفصل مستقل فلذلك جاز انفصاله بخلاف الاستثناء. قوله:"وعدم الاستغراق" هذا هو الشرط الثاني من شروط الاستثناء، وهو معطوف على الاتصال أي: شرطه الاتصال وعدم الاستغراق، فلا يضر استثناء المساوي

ص: 201

ولا الأكثر، فإن كان مستغرقا نحو: له علي عشرة إلا عشرة كان باطلا بالاتفاق كما نقله الإمام والآمدي وأتباعهما لإفضائه إلى اللغو، ونقل القرافي عن المدخل لابن طلحة أن في صحته قولين، وشرط الحنابلة أن لا يزيد المستثنى على نصف المستثنى منه بل يكون إما مساويا أو ناقصا، وشرط القاضي أي: في القول الأخير من أقواله كما قاله الآمدي وغيره أن يكون ناقصا عن النصف. واعلم أن الآمدي وابن الحاجب نقلا عن الحنابلة امتناع المساوي أيضا على عكس ما قاله المصنف، ولم يتعرض الإمام ولا مختصرو كلامه النقل عنهم، واستدل المصنف بأمرين أحدهما وهو دليل على القاضي والحنابلة معا: أنه لو قال قائل: علي عشرة إلا تسعة لكان يلزمه واحد بإجماع الفقهاء فدل على صحته، قال الآمدي: وهذا الاستدلال خطأ فإن هذا الاستثناء عند الخصم بمثابة الاستثناء المستغرق، وإنما يقول بلزوم الواحد من يقول بصحة الاستثناء الأكثر. الثاني وهو دليل على القاضي خاصة استثناء {الْغَاوِينَ} من المخلصين في قوله تعالى:{إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} [الحجر: 42] وبالعكس أي: استثناء {الْمُخْلَصِينَ} من الغاوين في قوله تعالى حكاية عن إبليس: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [الحجر: 39، 40] ووجه الاستدلال أن الفريقين إن استويا فإنه يدل على جواز استثناء النصف وإن كان أحدهما أكثر فكذلك أيضا؛ لأنه لما استثنى كلا منهما فقد استثنى الأكثر فدل على جواز النصف بطريق الأولى. وهذا لا يرد على الحنابلة لاحتمال أن يكونا متساويين وهم يجوزون استثناء المساوي على مقتضى نقل المصنف، وفي هذا الاستدلال نظر من ثلاثة أوجه أحدها: أن للخصم أن يقول: إن قوله تعالى: {إِنَّ عِبَادِي} الآية يدل على أن الغاوين أقل من غير الغاوين أي: أقل من العباد الذين لا سلطان عليهم لإبليس وليس فيها تعرض لكونهم أقل من المخلصين حتى يكون على العكس من الآية الثانية، وإنما يلزم ذلك إذا كان المخلصون هم غير الغاوين أي: الذين لا سلطان عليهم ولم يقيموا عليه دليلا، ونحن لا نسلمه لجواز أن يكون غير الغاوين أعم من المخلصين، بل تنازع فنقول: هذا هو الظاهر؛ لأنه لا يلزم من انتفاء سلطنة إبليس التي هي القهر والغلبة عن شخص أن يرتقي إلى درجة الإخلاص، ويدل عليه أحوال كثير من الناس وحينئذ فيكون قوله تعالى:{قَالَ فَبِعِزَّتِكَ} الآية دليلا على أن المخلصين أقل من الغاوين، وقوله تعالى:{إِنَّ عِبَادِي} الآية دليلا على أن الغاوين أقل من غير الغاوين وهم الذين ليس عليهم سلطان، وعلى هذا فكل من الآيتين ليس فيها إلا استثناء الأقل وقد تمسك ابن الحاجب بقوله تعالى:{إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} الآية ثم استدل على أن الغاوين أكثر بقوله تعالى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف: 103] ولم يذكر الآية الثانية فسلم من هذا الاعتراض لكنه لا يتم من وجه آخر، فقد يقال: إن قوله تعالى: {إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} يدل على أن الغاوين من بني آدم مطلقا أقل من غيرهم

ص: 202

فإن الكلام مع إبليس كان في نسل بني آدم جميعهم، وقوله تعالى:{وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ} الآية إنما يدل على الأكثرين من الذين بعث إليهم النبي صلى الله عليه وسلم وهم الموجودون من حيث بعثه إلى قيام الساعة، والألف واللام في {النَّاسِ} للعهد وحينئذ فلا يلزم كون الغاوين أكثر من هذه الطائفة أن يكونوا أكثر بالنسبة إلى كل الطوائف من لدن آدم إلى قيام الساعة. الثاني: سلمنا أن قوله تعالى: {إِنَّ عِبَادِي} يدل على استثناء "الغاوين من المخلصين" لكن قوله تعالى: {فَبِعِزَّتِكَ} الآية إنما يدل على استثناء المخلصين من الذين أقسم إبليس على أن يغويهم لا من الغاوين وهم الذين حصلت لهم الغواية، وعلى هذا يكون الغاوون أقل من المخلصين كما دلت عليه الآية الأولى والمخلصون أقل من المقسم على إغوائهم كما دلت عليه الآية الثانية، فيكون المستثنى في الآيتين إنما هو الأقل الثالث: قال الآمدي للخصم أن يقول إنما يمتنع استثناء الأكثر إذا كان عدد المستثنى والمستثنى منه مصرحا بهما فإن لم يكن نحو: جاء بنو تميم إلا الأرذال منهم فإنه يصح من غير استقباح، وإن كانت الأرذال أكثر، وهذه الآية كذلك. قوله:"قال: الأقل" أي: قال القاضي: لا شك أن الاستثناء خلاف الأصل فإنه بمنزلة الإنكار لقلة الإقرار، ولكن خالفنا هذا الأصل في الأقل وجوزنا استدراكه بالاستثناء؛ لأنه قد يستثنى لقلة التفات النفس إليه، وهذا المعنى مفقود في المساوي والأكثر، وأجاب المصنف تبعا للحاصل بأنه منقوض بما ذكرنا، أي: من استثناء الغاوين من المخلصين وبالعكس أو من الإجماع المتقدم في المقر فإن الحكم موجود مع انتفاء العلة وهي القلة والذي أجاب به في المحصول أن الاستثناء والمستثنى منه كاللفظ الواحد الدال على ذلك القدر فلا يرد ما قالوه، وهذا الذي أشار إليه فيه ثلاثة مذاهب أحدها ما يقتضيه كلامه وهو مذهب القاضي: أن عشرة إلا ثلاثة مثلا اسم مركب مرادف لسبعة. والثاني ونقله ابن الحاجب عن الأكثرين: أن المراد أيضا سبعة كما قال الأول ولكن لا يقول: إن المجموع اسم لها بل إلا قرينة مبينة لذلك كسائر المخصصات. الثالث وهو الصحيح عند ابن الحاجب: أن المراد بالعشرة جميع أفرادها من غير حكم عليها ثم حكم بالإسناد بعد إخراج الثلاثة فيكون الإسناد إلى سبعة، ولم يتعرض المصنف لشبهة الحنابلة لأنها كشبهة القاضي. قال:"الثانية: الاستثناء من الإثبات نفي وبالعكس خلافا لأبي حنيفة. لنا لو لم يكن كذلك لم يكف لا إله إلا الله احتج بقوله عليه الصلاة والسلام: "لا صلاة إلا بطهور" 1 قلنا للمبالغة. الثالثة: المتعددة إن تعاطفت أو استغرق الأخير الأول عادت إلى المتقدم عليها وإلا يعود الثاني إلى الأول لأنه أقرب". أقول: الاستثناء من الإثبات نفي نحو: قام القوم إلا زيدا يكون نفيا للقيام من زيد بالاتفاق كما قاله الإمام في المعالم وصاحب الحاصل، وأما الاستثناء من النفي نحو: ما قام أحد إلا

1 أخرجه الدارقطني في سننه بلفظ: $"لا صلاة إلا بوضوء""1/ 73"، والزيلعي في نصب الراية "1/ 5".

ص: 203

زيد فقال الشافعي: يكون إثباتا لقيام زيد، وقال أبو حنيفة: لا يكون إثباتا له بل دليلا على إخراجه عن المحكوم عليهم وحينئذ فلا يلزم منه الحكم بالقيام، أما من جهة اللفظ فلأنه ليس فيه على هذا التقدير ما يدل على إثباته كما قلنا، وأما من جهة المعنى فلأن الأصل عدمه، قالوا بخلاف الاستثناء من الإثبات فإنه يكون نفيا؛ لأنه لما كان مسكوتا عنه، وكان الأصل هو النفي حكمنا به فعلى هذا لا فرق عندهم في دلالة اللفظ بين الاستثناء من النفي والاستثناء من الإثبات، واختار الإمام في المعالم الاقتران بالطهور في الجملة كذا قال الفاضل، وهذا معنى ما قيل أن التقدير لا صحة لصلاة بشيء إلا بطهور في بعض الصور وهي صورة استجماع الشرائط والأركان وما قال الخنجي من أن عدم الصلاة في بعض الصور لا ينفي أن يكون الاستثناء من النفي إثباتا بل هو إثبات في صورة الاستجماع، وما يقال من أنا إذا قلنا بصحة الصلاة الملصقة بالطهور لزم عموم الحكم في كل صلاة كذلك لعموم النكرة الموصوفة بصفة عامة في: لا أجالس إلا رجلا عالما، ولدلالة الكلام على أن علة الصحة هي الوصف المذكور فضعيف؛ لأن الأول ممنوع إذ هو مبني على الثاني، والثاني مختص بما إذا كان الوصف صالحا للاستقلال بالعلية ولم يعارضه قاطع. كذا ذكره الفاضل لكن بقي ما ذكره الفنري وهو أنه لو كان المعنى صحة صلاة بطهور أو ثبوتها عند الاقتران به في الجملة يفيد المبالغة المقصودة بهذا الاستثناء؛ لأن سائر الشروط كذلك، اللهم إلا أن يلتزم عدم وروده للمبالغة. المسألة "الثالثة": الاستثناءات "المتعددة إن تعاطفت" كقولنا: زيد على عشرة إلا أربعة وإلا ثلاثة "أو استغرق" الاستثناء "الأخير الأول" بأن لا يكون الأخير ناقصا عنه كقوله: علي عشرة إلا أربعة إلا خمسة "عادت" الاستثناءات المتعددة بأسرعها في الصورتين "إلى المتقدم عليها" وهو المستثنى منه. أما في الأول فلوجوب تساوي المعطوف مذهب أبي حنيفة وفي المحصول والمنتخب مذهب الشافعي. دليلنا أنه لو لم يكن إثباتا لم يكف لا إله إلا الله في التوحيد؛ لأن التوحيد هو نفي الإلهية عن غير الله تعالى وإثباتها له، فإذا لم يدل هذا اللفظ على إثبات الإلهية له تعالى بل كان ساكتا عنه فقد فات أحد شرطي التوحيد، وأجاب في المعالم بأن إثبات الإلهية له سبحانه مقرر في بداءة العقول والمقصود نفي الشريك. احتج أبو حنيفة بمثل قوله عليه الصلاة والسلام:"لا صلاة إلا بطهور" وتقديره: لا صحة للصلاة إلا بطهور فلو كان الاستثناء من النفي إثباتا لكان كلما وجد الطهور توجد الصحة وليس كذلك، فإنها قد لا تصح لفوات شرط آخر، ولم يجب الإمام على هذا الدليل لا في المحصول ولا في المنتخب وهو حديث غير معروف، وبتقدير صحته فجوابه من ثلاثة أوجه، أحدها: وهو ما ذكره المصنف أن الحصر قد يؤتى به للمبالغة لا للنفي عن الغير كقوله: "الحج عرفة" وههنا كذلك؛ لأن الطهارة لما كان أمرها متأكدا صارت كأنه لا شرط الصحة غيرها حتى إذا وجدت توجد الصحة. الثاني ما قاله صاحب التحصيل

ص: 204

وهو حسن: أن قولنا: إن الاستثناء من النفي إثبات يصدق بإثبات صورة واحدة من كل استثناء؛ لأن دعوى الإثبات لا عموم فيها بل هي مطلقة، وحينئذ فيقتضي صحة الصلاة عند وجود الطهارة بصفة الإطلاق لا بصفة العموم، أي: لا يقتضى ثبوت صحة الصلاة في جميع صور الطهارة بل يصدق ذلك بالمرة الواحدة. الثالث ما قاله الآمدي: أن هذا استثناء من غير الجنس؛ لأنه لا يصدق عليه اسم الأول، ولكن إنما سبق هذا البيان اشتراط الطهارة في الصلاة والاستعمال يدل عليه كما يقال: لا قضاء إلا بورع أو بعلم وليس المراد إثبات القضاء لكل عالم أو ورع بل المراد الشرطية، وقد تقرر أنه لا يلزم من وجود الشرط وجود الجواز المشروط عدمه لوجود مانع أو انتفاء شرط، وما قاله حسن إلا دعواه أنه منقطع، قال ابن الحاجب: فإنه بعيد؛ لأن هذا استثناء مفرغ والمفرغ من تمام الكلام بخلاف المنقطع. "المسألة الثالثة": في حكم الاستثناءات المتعددة، وقد أهملها ابن الحاجب وحكمها أنها إن تعاطفت أي: عطف بعضها على بعض عادت كلها إلى المستثنى منه، نحو: له علي عشرة إلا ثلاثة وإلا اثنين فيلزمه خمسة، وكذلك إن لم تكن معطوفة ولكن كان الثاني مستغرقا للأول قال في المحصول: سواء كان مساويا نحو: له عشرة إلا اثنين إلا اثنين بالتكرار أو أزيد نحو: له علي عشرة إلا اثنين إلا ثلاثة فيلزمه في المثال الأول ستة، وفي الثاني خمسة، ولك أن تقول: الاستثناء خلاف الأصل لكونه إنكارا بعد اعتراف كما سيأتي، والتأكيد أيضا خلاف الأصل والمساوي محتمل لكل منهما، فلم رجحنا الاستثناء على التأكيد؟ وللنحويين في هذا القسم وهو المستغرق مذهبان، أحدهما: ما اقتضاه كلام المصنف. والثاني: وهو مذهب الفراء1 أو الثاني يكون مقرا به فيلزمه في المثال الأول عشرة وفي الثاني أحد عشر. قوله: "وإلا" أي: وإن لم يكن الثاني معطوفا ولا مستغرقا فيعود الاستثناء الثاني لا الاستثناء الأول أي: يكون مستثنى منه، وحينئذ فلا بد من مراعاة ما تقدم لك، وهو أن الاستثناء من الإثبات نفي وبالعكس، فإذا قال: له علي عشرة إلا ثمانية إلا سبعة إلا ستة فتكون السبعة مستثناة من الثمانية وعلى هذا فتكون لازمة؛ لأنها مستثناة مما يلزم والستة مستثناة من السبعة فتكون غير لازمة؛ لأنها مستثناة مما يلزم وحينئذ فيلزمه في هذا الإقرار ثلاثة لأنه لما قال: علي عشرة إلا ثمانية أي: لا يلزمني فيبقى درهمان ثم قال: إلا سبعة أي: تلزمني، فتضمها إلى الدرهمين تصير تسعة ثم قال: إلا ستة أي تلزمني فيبقى ثلاثة، وهذا الذي جزم به من كون كل واحد يعود إلى ما

1 الفراء: يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الديلمي، أبو زكريا المعروف بالفراء، إمام الكوفيين وأعلمهم بالنحو واللغة وفنون الأدب، ولد بالكوفة، وانتقل إلى بغداد، وعهد إليه المأمون تربيةابنيه، وتوفي سنة "207هـ". "الأعلام: 8/ 145".

ص: 205

قبله هو مذهب البصريين والكسائي1، واستدل له المصنف بأنه أقرب، وقال بعض النحويين: تعود المستثنيات بها إلى المذكور أولا وقال بعضهم: يحتمل الأمرين. قال: "الرابعة: قال الشافعي: المتعقب للجمل كقوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} [البقرة: 160] يعود إليها وخص أبو حنيفة بالأخيرة، وتوقف القاضي والمرتضى وقيل: إن كان بينهما تعلق فللجميع مثل: أكرم الفقهاء والزهاد أو أنفق عليهم إلا المبتدعة وإلا فللأخيرة، لنا ما تقدم أن الأصل اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في المتعلقات كالحال والشرط وغيرهما، فكذلك الاستثناء قيل خلاف الدليل حولف في الأخيرة للضرورة، قبقيت الأولى على عمومها، قلنا: منقوض بالصفة والشرط". أقول: شرع في حكم الاستثناء المذكور عقب الجمل كقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} [النور: 4، 5] فإن هذا الاستثناء وقع بعد ثلاث جمل، الجملة الأولى آمرة بجلدهم، والثانية ناهية عن قبول شهادتهم، والثالثة مخبرة بفسقهم، وفي حكم ذلك مذاهب، الأول مذهب الشافعي: أن الاستثناء يعود إلى الجمع إذا لم يدل الدليل على إخراج البعض لكن بشرطين، أحدهما: أن تكون الجمل معطوفة، كما صرح به الآمدي وابن الحاجب وغيرهما واستدلال الإمام والمصنف وغيرهما يقتضيه، الثاني: أن يكون العطف بالواو خاصة كما صرح به الآمدي وابن الحاجب وإمام الحرمين في النهاية. الثاني مذهب أبي حنيفة: أنه يعود إلى الجملة الأخيرة خاصة قال في المعالم: وهو المختار، وفائدة هذا الخلاف في قبول شهادة القاذف بعد التوبة فعندهما تقبل؛ لأن الاستثناء يعود إليها أيضا، وعنده لا تقبل، وأما الجملة الأولى الآمرة بالجلد فوافقناه على أن الاستثناء هنا لا يعود إليها لكونه حق آدمي فلا يسقط بالتوبة. الثالث: التوقف وهو مذهب القاضي والشريف المرتضى2 من الشيعة، قال في المحصول: إلا أن القاضي توقف لعدم العلم بمدلوله في اللغة، والمرتضى توقف للاشتراك أي: لكونه مشتركا بين عوده إلى الكل وعوده إلى الأخيرة؛ لأنه قد ورد عوده للكل في قوله تعالى: {أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} [آل عمران: 87-89] . وورد عوده أيضا إلى

1 الكسائي: علي بن حمزة بن عبد الله الأسدي بالولاء، الكوفي، أبو الحسن، إمام في اللغة والنحو والقراءة، ولد في إحدى قرى الكوفة وتعلم بها، وقرأ النحو بعد الكبر، له معاني القرآن والمصادر والحروف وغيرها، توفي سنة "189هـ" "الأعلام: 4/ 283".

2 الشريف المرتضى: أبو القاسم علي بن الطاهر ذي المناقب أبي أحمد الحسين بن موسى بن محمد بن إبراهيم بن الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب.

كان نقيب الطالبيين، وكان إماما في علم الكلام والأدب والشعر، وهو أخو الشريف الرضي، وكانت ولادته سنة "355هـ" ووفاته "436هـ" "وفيات الأعيان: 3/ 273".

ص: 206

الأخيرة في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ} [البقرة: 249] والأصل في الاستعمال الحقيقة فيكون مشتركا، قال في المنتخب: وما ذهب إليه القاضي هو المختار، وصرح به في المحصول1 في الكلام على التخصيص بالشرط، وذكر فيه وفي الحاصل هنا نحوه أيضا. الرابع ما ذهب إليه أبو الحسين البصري وقال في المحصول: إنه حق مع كونه قد اختار التوقف كما تقدم: إن كان بين الجمل تعلق عاد الاستثناء إليها وإلا يعود إلى الأخيرة خاصة، والمراد بالتعليق كما قال في المحصول هو أنه يكون حكم الأولى أو اسمها مضمرا في الثانية، فالحكم كقولنا: أكرم الفقهاء والزهاد إلا المبتدعة، وتقديره: وأكرم الزهاد وأما الاسم فكقولنا: أكرم الفقهاء أو أنفق عليهم إلا المبتدعة فقوله: عليهم أي على الفقهاء، وقد أشار المصنف إلى المثالين بذكر أو فقال: أو أنفق عليهم فافهمه، واجتنب غيره، وإنما أعيد الاستثناء هنا إلى الكل لأن الثانية لا تستقل إلا مع الأولى بخلاف ما إذا لم يكن بين الجمل تعلق؛ لأن الظاهر أنه لم ينتقل عن الجملة المستقلة بنفسها إلى جملة أخرى إلا وقد تم غرضه من الأولى، فلو كان الاستثناء راجعا إلى الجميع لم يكن مقصوده من الأولى قد تم. قوله:"لنا" أي الدليل على المذهب المختار وهو مذهب الشافعي: أن الأصل اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في جميع المتعلقات كالحال والشرط وغيرهما، أي: كالصفة والظرف والمجرور، فيجب أن يكون الاستثناء كذلك، والجامع عدم الاستقلال مثاله: أكرم بني مضر وأطعم بني ربيعة محتاجين، أو إن كانوا محتاجين، أو المحتاجين، أو عند زيد أو يوم الجمعة. واعلم أن الإمام نقل عن الحنفية هنا أنهم وافقونا على عود الشرط إلى الكل كما نقله المصنف، قال: وكذلك الاستثناء بالمشيئة ونقل في الكلام على التخصيص بالشرط عن بعض الأدباء أن الشرط يختص بالجملة التي تليه، فإن تقدم اختص بالأولى، وإن تأخر اختص بالثانية، قال: والمختار التوقف كما في الاستثناء، وسوى ابن الحاجب بينه وبين الاستثناء، فعلى هذا يأتي فيه التفصيل الذي سبق نقله عنه، وأما الحال والظرف والمجرور فقال -أعني الإمام: إنا نخصهما بالأخيرة على قول أبي حنيفة، وحينئذ فاستدلال المصنف بهما على أبي حنيفة باطل، وأما الصفة فلم يصرح الإمام بحكمها لكنها شبيهة بالحال، وقد علمت أن الحال يختص بالأخيرة عند الخصم. قوله:"قيل: خلاف الدليل" أي: احتج أبو حنيفة بأن الاستثناء خلاف الدليل لكونه إنكارا بعد الإقرار، لكن خولف مقتضى الدليل في الجملة الأخيرة للضرورة؛ وذلك لأنه لا يمكن إلغاء الاستثناء، وتعلقه بالجملة الواحدة كافٍ في تصحيح الكلام، والأخيرة لا شك أنها أقرب فخصصناه بها، فبقي ما عداها من الأصل، وأجاب

1 انظر المحصول، ص514، جـ1.

ص: 207

المصنف بأن هذا الدليل منقوض بالصفة والشرط، فإنهما عائدان إلى الكل عندكم، مع أن المعنى الذي قلتموه موجود بعينه فيهما، وفيما قاله المصنف في الصفة نظر لما قدمناه من عوده إلى الأخيرة عندهم، وقد اختلف النحاة أيضا في هذه المسألة فجزم ابن مالك بعوده إلى الجميع، وخصه أبو علي الفارسي1 بالأخيرة كما نقله عنه ابن برهان في الوجيز، قال: لأن العامل في المستثنى هو الفعل المتقدم فلو عاد الاستثناء إلى الجميع لاجتمع عاملان على معمول واحد وهو محال؛ لأنه يؤدي إلى أن يكون الشيء الواحد مرفوعا ومنصوبا كما في الآية المذكورة. قال: "الثاني: الشرط وهو ما يتوقف عليه تأثير المؤثر لا وجوده كالإحصان، وفيه مسألتان" أقول: هذا هو القسم الثاني من أقسام المخصصات المتصلة، والشرط في اللغة هو العلامة ومنه أشراط الساعة أي: علاماتها، وفي الاصطلاح ما ذكره المصنف ولا شك أن توقف المؤثر على الغير يكون على قسمين، أحدهما: أن يكون في وجوده، وذلك بأن يكون ذلك الغير علة للمؤثر، أو جزءا من علته، أو شرطا لعلته، أو يكون جزءا من نفس المؤثر؛ لأن الشيء أيضا يتوقف في وجوده على جزئه، وهذا القسم يتوقف عليه تأثير المؤثر أيضا؛ لأن التأثير متوقف على وجود المؤثر، وكل ما توقف عليه المؤثر توقف عليه التأثير بطرق الأولى. الثاني: أن يتوقف على الغير في تأثيره فقط، وذلك الغير هو المعبر عنه بالشرط، فقوله: ما يتوقف عليه تأثير المؤثر يدخل فيه جميع ما تقدم من الشرط وغيره، وقوله: لا وجوده، معطوف على تأثير المؤثر، أي: لا يتوقف وجوده يعني وجود المؤثر، وخرج بهذا القيد علة المؤثر وجزؤه وغير ذلك مما عدا الشرط، فإن التأثير متوقف على هذه الأشياء بالضرورة كما قدمنا، لكن ليس هو التأثير فقط بل التأثير والوجود بخلاف الشرط، فإن وجود المؤثر لا يتوقف، بل إنما يتوقف عليه تأثير كالإحصان، فإن تأثير الزنا في الرجم متوقف عليه، وأما نفس الزنا فلا؛ لأن البكر قد تزني، وهذا التعريف إنما يستقيم على رأي المعتزلة والغزالي، فإنهم يقولون: إن العلل الشرعية مؤثرات، لكن المعتزلة يقولون: إنها مؤثرة بذاتها، والغزالي يقول: بجعل الشارع، وأما المصنف وغيره من الأشاعرة فإنهم يقولون: إنها أمارات على الحكم وعلامات عليه كما سيأتي في القياس فلا تأثير ولا مؤثر عندهم، فإن قيل: ينتقض بذات المؤثر، فإن التأثير متوقف عليها بالضرورة، ويصدق عليها أن المؤثر لا يتوقف وجوده عليها لاستحالة توقف الشيء على نفسه، قلنا: إنما ينتقض أن لو قلنا بمذهب الأشعري وهو أن الوجود عين الماهية، والمصنف لا يراه، بل يختار أن الوجود من الأوصاف الزائدة العارضة للماهية كما تقدم في الاشتراك، فعلى هذا

1 أبو علي الفارسي: الحسين بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي الأصل، أحد الأئمة في العربية، ولد في فسا "من أعمال فارس" ودخل بغداد سنة "307هـ"، من كتبه: التذكرة والحجة وجواهر النحو وغيرها، توفي سنة "377هـ"، "الأعلام: 2/ 179".

ص: 208

يصدق أن وجود المؤثر يتوقف على ذات المؤثر، وللفرار من هذا السؤال عبر المصنف بقوله: لا وجوده ولم يقل: لا ذاته كما قال في المحصول1. واعلم أن الشرط عندما يكون شرعيا كما مثلناه، وقد يكون عقليا كما تقول: الحياة شرط في العلم، والجوهر شرط لوجود العرض، وقد يكون لغويا نحو: إن دخلت الدار فأنت طالق، وكلام الإمام يقتضي أن المحدود هو الشرط الشرعي. قال: "الأولى: الشرط إن وجد دفعة فذاك، وإلا فيوجد المشروط عند تكامل أجزائه أو ارتفاع جزء منه إن شرط عدمه. الثانية: إن كان زانيا ومحصنا يحتاج إليهما، وإن كان سارقا أو نباشا فالقطع يكفي أحدهما، وإن شفيت فسالم وغانم حر فشفي عتق، وإن قال: أو، فيعتق أحدهما ويعين". أقول: ذكر في الشرط مسألتين، إحداهما: أن المشروط متى يوجد؟ وحاصله أن الشرط قد يوجد دفعة وقد يوجد على التدريج؛ فإن وجد دفعة كالتعليق على وقوع طلاق وحصول بيع وغيرهما مما يدخل في الوجود دفعة واحدة، فيوجد المشروط عند أول أزمنة الوجود إن علق على الوجود، وعند أول أزمنة العدم إن علق على العدم، وإن وجد على التدريج كقراءة الفاتحة مثلا، فإن كان التعليق على وجوده كقوله: إن قرأت الفاتحة فأنت حر، فيوجد المشروط وهو الحرية عند تكامل أجزاء الفاتحة، وإن كان على العدم كقوله لزوجته: إن لم تقرئي الفاتحة فأنت طالق، فيوجد المشروط وهو الطلاق عند ارتفاع جزء من الفاتحة كما لو قرأت الجميع إلا حرفا واحدا؛ لأن المركب ينتفي بانتفاء جزئه. المسألة الثانية: في تعدد الشرط والمشروط، وهو تسعة أقسام؛ لأن الشرط قد يكون متحدا نحو: إن قمت فأنت طالق، وقد يكون متعددا إما على سبيل الجمع نحو: إن كان زانيا ومحصنا ارجمه، فيحتاج إليهما للرجم، وإما على سبيل البدل نحو: إن كان سارقا أو نباشا فاقطعه، فيكفي واحد منهما في وجوب القطع، والمشروط أيضا على ثلاثة أقسام، فمثال الأول قد عرفته ومثال الثاني: إن شفيت فسالم وغانم حر فإذا شفي عتق، ومثال الثالث: أن يأتي بأو فيقول: إن شفيت فسالم أو غانم حر فإذا شفي عتق واحد منهما ويعينه السيد، وإذا ضربت ثلاثة في ثلاثة صارت تسعة، وقد أهمل المصنف اتحاد الشرط والمشروط اكتفاء بما تقدم، وذكر تعددهما على الجمع والبدل، ومجموع ذلك أربعة أقسام؛ لأنه الحاصل من ضرب اثنين في اثنين. قال في المحصول: واتفقوا على أنه يحسن التقييد بشرط يكون الخارج به أكثر من الباقي، وقد تقدم في الاستثناء حكم الشرط الداخل على الجمل. قال:"الثالث: الصفة مثل: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: 92] وهو كالاستثناء". أقول: هذا هو القسم الثالث من أقسام المخصصات المتصلة، وهو التخصيص بالصفة نحو: أكرم الرجال العلماء، فإن التقييد بالعلماء مخرج لغيرهم، ومثل له المصنف بقوله تعالى:

1 انظر المحصول، ص422، جـ1.

ص: 209

{فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: 92] وهو تمثيل غير مطابق، فإن هذا من باب تقييد المطلق لا من باب تخصيص العموم؛ لأن رقبة غير عامة لكونها نكرة في سياق الإثبات، ولم يزد الإمام على قوله، كقولنا: رقبة مؤمنة، وهو محتمل لما أراده المصنف ولغيره من الأمثلة الصحيحة، فأن تكون واقعة في نفي أو شرط كما تقدم. قوله:"وهي" أي: والصفة كالاستثناء يعني في وجوب الاتصال وعودها إلى الجمل، وفضل في المحصول ومختصراته كالحاصل وغيره، فقال: هذا إن كانت الجملة الثانية متعلقة بالأولى نحو: أكرم العرب والعجم المؤمنين، فإن لم تكن فإنها تعود إلى الأخيرة فقط، وقد عرفت ضابط التعلق في المسألة السابقة، وكلام المصنف مشعر بأن أبا حنيفة يقول بعودها إلى الأخيرة مطلقا كما قال به في الاستثناء، وليس كذلك: أكرم العرب والعجم المؤمنين فهي إما عائدة إليهما، وإما أن لا تكون. أرى هذا الصحيح يكون كذلك كقولك: أكرم الحكماء وجالس الفقهاء الزهاد فالصفة عائدة إلى الأخير، وإن كان للبحث فيه مجال كما في الاستثناء فظاهر هذ العبارة يدل على التشبيه بحسب البحث، والتفصيل لا بحسب تحقق المذاهب. "الرابع" من المخصصات المتصلة "الغاية وهي" أي: غاية الشيء "طرفه" ونهايته "وحكم ما بعدها مخالف لها قبلها" من الحكم، أو مخالف لحكم ما ذكر قبلها، إذ لو تبقى فيما وراء الغاية شيء منه لم تكن الغاية غاية "مثل" قوله تعالى:{ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187] فإن {اللَّيْلِ} عائد للصوم لدخول {إِلَى} فيه، وحكم الليل في الإمساك عن المفطرات خلاف حكم ما قبله، "ووجوب" هذا جواب سؤال تقديره: لو كان حكم ما بعد الغاية خلاف ما الحرف نفسه، وهو الصواب والتمثيل بالليل والمرافق يدل عليه، فيكون أراد بالغاية ثانيا خلاف ما أراد بها أولا وهو غير ممتنع، وأطلق على الحرف اسم الغاية، وهو مستعمل في عرف النحاة، وحاصل المسألة أن ما بعد الحرف مخالف في الحكم لما قبله، أي: ليس داخلا فيه بل محكوم عليه بنقض حكمه؛ لأن ذلك الحكم لو كان ثابتا فيه أيضا لم يكن الحكم منتهيا ومنقطعا فلا تكون الغاية غاية وهو محال، مثاله قوله تعالى:{ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187] فإن {إِلَى} دال على أن الليل ليس محلا للصوم، وهذه المسألة فيها مذاهب أحدها: ما اختاره المصنف وهو مذهب الشافعي كما تقدم نقله عنه في مفهوم العدد. والثاني: أنه داخل فيما قبله. والثالث: إن كان من الجنس دخل وإلا فلا، نحو: بعتك الرمان إلا هذه الشجرة، فينظر هل هي من الرمان أم لا؟ والرابع: إن لم يكن معه من دخل مثلناه وإلا فلا، نحو: بعتك من كذا إلى كذا. والخامس: إن كان منفصلا عما قبله بمفصل معلوم بالحس بقوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} فإنه لا يدخل، وإلا فيدخل كقوله تعالى:{وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6] فإن {الْمَرَافِقِ} ليس منفصلا عن اليد بمفصل معلوم غير مشتبه بما قبله وما بعده، كفصل الليل من النهار، بل بجزء مشتبه فلما كان كذلك لم يكن تعيين بعض

ص: 210

الأجزاء بأولى من الآخر، فوجب الحكم بالدخول، وفي المحصول والمنتخب أن هذا التفصيل هو الأولى، ومذهب سيبويه أنه إن اقترن بمن فلا يدخل، وإلا فيحتمل الأمرين وقد نقله عنه في البرهان، واختار الآمدي أن التقييد بالغاية لا يدل على شيء، ولم يصحح ابن الحاجب شيئا، وفي دخول غاية الابتداء أيضا مذهبان، وفائدة الخلاف ما إذا قال له: علي من درهم إلى عشرة، أو قال: بعتك من هذا الجدار إلى هذا الجدار، والمفتى به عندنا أنه لا يدخل الجدار في البيع ولا الدراهم. العاشر: في الإقرار، وفي الفرق نظر، فإن قيل: هذا الخلاف ينبغي أن يكون إلى خاصة، وأما حتى فقد نص أهل العربية على أن ما بعدها يجب أن يكون من جنسه وداخلا في حكمه، قلنا: الخلاف عام وكلام أهل العربية فيما إذا كانت عاطفة، أما إذا كانت غاية بمعنى إلى فلا، ومنه قوله تعالى:{سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} [القدر: 5] . قوله: "ووجوب غسل المرفق للاحتياط" جواب عن سؤال مقدر توجيهه أنه لو كان ما بعد الغاية غير داخل فيما قبله لكان غسل المرفق غير واجب وليس كذلك، وجوابه ما في الكتاب، وتقريره من وجهين، أحدهما:"أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فأدار الماء على مرفقيه" فاحتمل أن يكون غسله واجبا وتكون إلى بمعنى كما قد قيل في قوله تعالى: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} [النساء: 2] واحتمل أن لا يكون واجبا فأوجبناه للاحتياط. الثاني: أن المرفق لما لم يكن متميزا عن اليد امتيازا حسيا وجب غسله احتياطا حتى يحصل العلم بغسل اليد، وعلى هذا التقدير يكون فيه إشعار باختيار التفصيل الذي نقلناه عن اختيار الإمام. قال ابن الحاجب: وحكم الغاية في عودها إلى الجمل كحكم الصفة. قال: "والمنفصل ثلاثة، الأول: العقل كقوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الزمر: 62] الثاني: الحس مثل: {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} [النمل: 23] . الثالث: الدليل السمعي وفيه مسائل الأولى: الخاص إذا عارض العام يخصصه علم تأخره أم لا، وأبو حنيفة يجعل المتقدم منسوخا توقف حيث جهل، لنا إعمال الدليلين أولى". أقول: لما فرغ من المخصصات المتصلة، شرع في المنفصلة، والمنفصل هو الذي يستقل بنفسه أي: لا يحتاج في ثبوته إلى ذكر العام بخلاف المتصل كالشرط وغيره، وقسمه المصنف إلى ثلاثة أقسام وهي: العقل، والحس، والدليل السمعي، وللقائل أن يقول: يرد عليه التخصيص بالقياس والعادة وقرائن الأحوال، إلا أن يقال: إن القياس من الأدلة السمعية؛ ولهذا أدرجه في مسائل، ودلالة القرينة والعادة عقلية وفيه نظر؛ لأن العادة قد ذكرها في قسم الدليل السمعي وحينئذ فيلزم فساده أو فساد الجواب، الأول: العقل، والتخصيص به على قسمين، أحدهما: أن يكون بالضرورة كقوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الزمر: 62] فإنا نعلم بالضرورة أنه ليس خالقا لنفسه، والتمثيل بهذه الآية ينبني على أن المتكلم يدخل في عموم كلامه وهو الصحيح كما تقدم، وعلى أن الشيء يطلق على الله وفيه مذهبان للمتكلمين، والصحيح إطلاقه عليه لقوله تعالى: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ

ص: 211

شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ} [الأنعام: 19] الآية. والثاني: أن يكون بالنظر كقوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران: 97] فإن العقل قاضٍ بإخراج الصبي والمجنون للدليل الدال على امتناع تكليف الغافل. الثاني: الحس أي المشاهدة، وإلا فالدليل السمعي من المحسوسات أيضا، وقد جعله المصنف قسيمه، ومثاله قوله تعالى إخبارا عن بلقيس:{وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} [النمل: 23] فإنها لم تؤت شيئا من الملائكة ولا من العرش، وقد اعترض على هذا التمثيل بأن العرش والكرسي ونحو ذلك، وإن كنا نقطع بعدم دخوله، لكنه لا يشاهد بالحس حتى يقال المخرج له، والأولى التمثيل بقوله تعالى:{تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ} [الأحقاف: 25] فإنا نشاهد أشياء كثيرة لا تدمير فيها كالسموات والجبال. الثالث: الدليل السمعي وجعله المصنف مشتملا على تسع مسائل، الأولى: في بيان ضابط كلي على سبيل الإجمال عند تعارض الدليلين السمعيين، والمسائل الباقية في بيان التخصيص بالأدلة السمعية مفصل فنقول: الخاص إذا عارض العام أي: دل على خلاف ما دل عليه فيؤخذ بالخاص سواء علم تأخيره عن العام أو تقديمه أو لم يعلم شيء منها، ونقله الإمام عن الشافعي واختاره هو وأتباعه وابن الحاجب، وذهب أبو حنيفة وإمام الحرمين إلى الأخذ بالمتأخر سواء كان هو الخاص أو العام لقول ابن عباس:"كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث" فعلى هذا إن تأخر العام نسخ الخاص وإن تأخر الخاص نسخ من العام بقدر ما دل عليه، فإن جهل التاريخ وجب التوقف إلا أن يترجح أحدهما عن الآخر بمرجح ما كتضمنه حكما شرعيا، أو اشتهار روايته، أو عمل الأكثر به، أو يكون أحدهما محرما والآخر غير محرم، فإنه لا توقف بل يقدر المحرم متأخرا ويعم به احتياطا، ومنهم من بالغ فقال: إن الخاص وإن تأخر عن العام، ولكنه ورد عقبه من غير تراخ، فإنه لا يقدم على العام بل لا بد من مرجح حكاه في المحصول1. حجة الشافعي أنا إذا جعلنا الخاص المتقدم مخصوصا للعام المتأخر فقد أعملنا الدليلين، أما الخاص فواضح، وأما العام ففي بعض ما دل عليه. وإذا لم نجعله مخصصا له بل جعلناه منسوخا فقد ألغينا أحدهما، ولا شك أن إعمال الدليلين أولى. واعلم أن ما قاله المصنف من الأخذ بالخاص الوارد بعد العام محله إذا كان وروده قبل حضور وقت العمل بالعام؛ لأنه إذا كان كذلك كان بيانا لتخصيص سابق، يعني دالا على أن المتكلم كان قد أراد به البعض، وتأخير البيان جائز على الصحيح. فأما إذا ورد بعد حضور وقت العمل بالعام فإنه يكون نسخا وبيانا لمراد المتكلم الآن دون ما قبل؛ لأن البيان لا يتأخر عن وقت الحاجة، هكذا قاله في المحصول، وحينئذ فلا نأخذ به مطلقا، وإنما نأخذ به حيث لا يؤدي إلى نسخ المتواتر بالآحاد كما سيأتي. قال: "الثانية: يجوز تخصيص الكتاب بالكتاب وبالسنة

1 انظر المحصول، ص427، جـ1.

ص: 212

المتواترة والإجماع، كتخصيص:{الْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228] بقوله تعالى: {وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ} [الطلاق: 4] وقوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ} [النساء: 11] الآية بقوله عليه الصلاة والسلام: "القاتل لا يرث" و {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا} [النور: 2] برجمه للمحصن، وتنصيف حد القذف على العبد". أقول: شرع في بيان تخصيص المقطوع بالمقطوع، فذكر أنه يجوز تخصيص الكتاب بالكتاب وبالسنة المتواترة قولا كانت أو فعلا، وبالإجماع. ثم ذكر أمثلتها بطريق اللفظ والنشر، وأهمل تخصيص السنة المتواترة بهذه الثلاثة أيضا وهو جائز، وفي المحصول عن بعض الظاهرية أن الكتاب لا يكون مخصصا أصلا لا لكتاب ولا لسنة، واحتج بقوله لتبين ففوض أمر البيان إلى رسوله فلا يحصل إلا بقوله، ومثل المصنف تخصيص الكتاب بالكتاب بقوله تعالى:{وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4] فإنه مخصص لعموم قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228] . وللخصم أن يقول: لا أسلم أن تخصيص المطلقات بهذه الآية فقد يكون بالسنة، وجوابه أن الأصل عدم دليل آخر، ومثال تخصيص الكتاب بالسنة القولية قوله صلى الله عليه وسلم:"القاتل لا يرث" فإنه مخصص لعموم قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ} [النساء: 11] وهذا التمثيل غير صحيح فإن الحديث المذكور غير متواتر اتفاقا، بل غير ثابت. فإن الترمذي نص على أنه لم يصح، وقد ذكره ابن الحاجب مثالا لتخصيص الكتاب بالآحاد، نعم إذا جاز التخصيص بالآحاد فالمتواتر أولى، وأما تخصيص الكتاب بالسنة الفعلية؛ فلأن النبي -صلى الله عليه سلم- رجم المحصن فكان فعله مخصصا لعموم قوله تعالى:{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2] وفي هذا نظر أيضا لجواز أن يكون إخراج المحصن إنما هو بالآية التي نسخت تلاوتها وبقي حكمها وهو قوله تعالى: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم" فإن هذا كان قرآنا ولكن نسخت تلاوته فقط كما سيأتي في كلام المصنف. فيجوز أن يكون التخصيص به لا بالسنة، فإن المراد بالشيخ والشيخة إنما هو الثيب والثيبة، ثم إن المصنف أيضا قد ذكر هذا بعينه مثالا لنسخ الكتاب بالسنة كما سيأتي، ومثال تخصيص الكتاب بالإجماع تنصيف حد القذف على العبد فإنه ثابت بالإجماع مخصص لعموم قوله تعالى:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور: 4] فإن قيل: الكتاب والسنة المتواترة موجودان في عصره عليه الصلاة والسلام مشهوران وانعقاد الإجماع بعد ذلك على خلافهما خطأ، وفي عصره لا ينعقد قلنا: لا نسلم أن التخصيص بالإجماع، بل ذلك إجماع على التخصيص ومعناه: أن العلماء لم يخصوا العام بنفس الإجماع، وإنما أجمعوا على تخصيصه بدليل آخر، ثم إن الآتي بعدهم يلزمه متابعتهم وإن لم يعرف المخصص. قال: "الثالثة: يجوز تخصيص الكتاب والسنة المتواترة بخبر الواحد، ومنع قوم وابن حبان فيما لم يخصص بمقطوع

ص: 213

والكرخي بمنفصل، لنا إعمال الدليلين ولو من جه أولى. قيل: قال عليه الصلاة والسلام: "إذا روي عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فاقبلوه، وإن خالفه فردوه"1. قلنا: منقوض بالمتواتر قيل: الظن لا يعارض القطع، قلنا: العام مقطوع المتن مظنون الدلالة، والخاص بالعكس فتعادلا. قيل: لو خصص فنسخ قلنا: التخصيص أهون". أقول: أخذ المصنف يتكلم على تخصيص المقطوع بالمظنون، فذكر في تخصيص الكتاب والسنة المتواترة بخبر الواحد أربعة مذاهب، أصحها الجواز، ونقله الآمدي عن الأئمة الأربعة، وقال قوم: لا يجوز مطلقا، وقال عيسى بن أبان2: إن خص قبل ذلك بدليل قطعي جاز؛ لأنه يصير مجازا بالتخصيص فتضعف دلالته، وأما إذا لم يخص أصلا فإنه لا يجوز لكونه قطعيا، وقال الكرخي: إن خص بدليل منفصل جاز، وإن خص بمتصل أو لم يخص أصلا فلا يجوز، وتعليله كتعليل مذهب ابن أبان؛ لأن الكرخي يرى أن المخصوص بمتصل يكون حقيقة دون المخصوص بمنفصل. قوله: "والكرخي بمنفصل" أي: ومنع الكرخي فيما لم يخصص بمنفصل سواء خص بمتصل أو لم يخص أصلا، فإذا خص بمنفصل جاز. واعلم أن الإمام وصاحب الحاصل وابن الحاجب وغيرهم إنما حكوا هذه المذاهب في تخصيص الكتاب بخبر الواحد ولم يحكوها في تخصيص السنة المتواترة به، فهل ذكر المصنف ذلك قياسا أم نقلا؟ فلينظر، وأيضا فقد تقدم من كلامه أن ابن أبان يرى أن العلم المخصوص ليس بحجة أصلا، فكيف يستقيم مع ذلك ما حكاه عنه، قوله: "لنا" أي: الدليل على الجواز مطلقا أن فيه إعمالا للدليلين، أما الخاص فمن جميع وجوهه أي في جميع ما دل عليه، وأما العام فمن وجه دون وجه أي: في الأفراد التي سكت عنها الخاص دون ما نفاها، وفي منع التخصيص إلغاء لأحد الدليلين وهو الخاص، ولا شك أن إعمال الدليلين ولو من وجه أولى من إلغاء أحدهما. احتج الخصم بثلاثة أوجه، أحدها: الحديث الذي ذكره المصنف وهو حديث غير معروف ثم إن هذا الدليل خاص بالكتاب والدعوى المنع فيه وفي السنة المتواترة، وهو يقوي الاعتراض السابق في نقل الخلاف في تخصيص السنة، وأجاب المصنف بأن الاستدلال به منقوض بالسنة المتواترة، فإنها تخصص بالكتاب اتفاقا، مع أنها مخالفة له، وهذا الجواب ضعيف، فإن غاية ما يلزم منه تخصيص دليله والعام المخصص حجة في الباقي. الثاني: أن الكتاب والسنة المتواترة قطعيان وخبر الواحد ظني، والظن لا يعارض القطع لعدم مقاومته لقطعيته، وجوابه أن العام الذي هو الكتاب أو السنة المتواترة متنه مقطوع به أي: يقطع بكونه من القرآن

1 أخرجه الفتني في تذكرة الموضوعات "38"، والشوكاني في الفوائد المجموعة "291".

2 عيسى بن أبان بن صدقة: أبو موسى، قاضٍ من كبار الفقهاء الحنفية، ولي قضاء البصرة عشرين سنة وتوفي بها، له كتب منها: إثبات القياس، والجامع، والحجة الصغيرة، وغيرها، توفي سنة "221هـ"، "الأعلام: 5/ 100".

ص: 214

أو السنة؛ لأنا قد علمنا استنادا إلى الرسول قطعا، ودلالته مظنونة لاحتمال التخصيص، والخاص بالعكس أي: متنه مظنون لكونه من رواية الآحاد ودلالته مقطوع بها؛ لأنه لا يحتمل الأفراد الباقية، بل لا يحتمل إلا ما تعرض له، فكل واحد منهما مقطوع به من وجه ومظنون من وجه فتعادلا، فإن قيل: إذا كانا متساويين فلا يقدم أحدهما على الآخر بل يجب التوقف وهو مذهب القاضي قلنا: يرجح تقديم الخاص بأن فيه إعمالا للدليلين، وما قاله المصنف ضعيف لأن خبر الواحد مظنون الدلالة أيضا؛ لأنه يحتمل المجاز والنقل وغيرهما مما يمنع القطع غايته أنه لا يحتمل التخصيص، نعم يمكنه أن يدعي أن دلالة الخاص على مدلوله الخاص أقوى من دلالة العام عليه، فلذلك قدم. الثالث: لو جاز تخصيصهما بخبر الواحد لجاز نسخهما به؛ لأن النسخ أيضا في الأزمان لكن النسخ باطل بالاتفاق فكذلك التخصيص، وجوابه أن التخصيص أهون من النسخ؛ لأن النسخ يرفع الحكم بخلاف التخصيص، ولا يلزم من تأثير الشيء في الأضعف تأثيره في الأقوى. قال:"وبالقياس ومنع أبو علي وشرط ابن أبان التخصيص والكرخي بمنفصل، وابن شريح الجلأ في المقياس واعتبره حجة الإسلام أرجح الظنين، وتوقف القاضي وإمام الحرمين. لنا ما تقدم قيل: القياس فرع فلا يقدم قلنا: على أصله قيل: مقدماته أكثر، قلنا: قد يكون بالعكس ومع هذا فإعمال الكل أحرى". أقول: هذا معطوف على قوله: بخبر الواحد أي: يجوز تخصيص الكتاب والسنة المتواترة بخبر الواحد وبالقياس أيضا، واعلم أن القياس إن كان قطعيا فيجوز التخصيص به بلا خلاف كما أشار إليه الأنباري شارح البرهان وغيره، وإن كان ظنيا ففيه مذاهب، حكى المصنف منها سبعة والصحيح الجواز مطلقا، ونقله الإمام عن الشافعي ومالك وأبي حنيفة والأشعري ونقله الآمدي وابن الحاجب عن أحمد أيضا. والثاني قاله أبو علي الجبائي: لا يجوز مطلقا، واختاره الإمام في المعالم وبالغ في إنكار مقابله مع كونه قد صححه في المحصول والمنتخب وموضعها في المعالم هو آخر القياس. والثالث قاله عيسى بن أبان: إن خص قبل ذلك بدليل آخر غير القياس جاز، سواء كان التخصيص متصلا أو منفصلا، وإن لم يخصص فلا يجوز لكن يشترط في الدليل المخصص على هذا المذهب أن يكون مقطوعا به؛ لأن تخصيص المقطوع بالمظنون عنده لا يجوز كما تقدم في أول المسألة فافهم ذلك، وحذفه المصنف للاستغناء عنه بما تقدم. والرابع قاله الكرخي: إن كان قد خصص بدليل منفصل جاز وإلا فلا. الخامس قاله ابن شريح: إن كان القياس جليا جاز، وإن كان خفيا فلا، وفي الجلي مذاهب حكاها في المحصول1 ولم يرجح شيئا منها، ورجح في المنتخب أنه قياس المعنى والخفي قياس الشبه، وقال ابن الحاجب: الجلي هو ما قطع بنفي تأثير الفارق فيه. وستعرف

1 انظر المحصول، ص437، جـ1.

ص: 215

ذلك في القياس إن شاء الله تعالى. والسادس قاله حجة الإسلام الغزالي: أن هذا العام وإن كان مقطوع المتن لكن دلالته ظنية كما تقدم، والقياس أيضا دلالته ظنية وحينئذ فإن تفاوتا في الظن فالعبرة بأرجح الظنين، وإن تساويا فالوقف. والسابع: التوقف وهو مذهب القاضي أبي بكر وإمام الحرمين، والمختار عند الآمدي أن علة القياس إن كانت ثابتة بنص أو إجماع جاز التخصيص وإلا فلا وقال ابن الحاجب: المختار أنه يجوز إذا ثبتت العلة بنص أو إجماع أو كان أصل القياس من الصور التي خصت عن العموم. قال: فإن لم يكن شيء من ذلك نظر، إن ظهر في القياس رجحان خاص أخذنا به وإلا فنأخذ بالعموم. قوله:"لنا ما تقدم" أي: في خبر الواحد وهو أن إعمال الدليلين ولو من جهة أولى. قوله: "قيل: القياس فرع أي: احتج أبو علي على أنه يجوز مطلقا" بوجهين، أحدهما: أن القياس فرع عن النص؛ لأن الحكم المقاس عليه لا بد وأن يكون ثابتا بالنص؛ لأنه لو كان ثابتا بالقياس لزم الدور أو التسلسل، وإذا كان فرعا عنه فلا يجوز تخصيصه به، وإلا يلزم تقديم الفرع على الأصل، وأجاب المصنف بقوله: قلنا على أصله، يعني: سلمنا أن القياس لا يقدم على الأصل الذي له، لكنا إذا خصصنا العموم به لم نقدمه على أصله، وإنما قدمناه على أصل آخر. الثاني: أنه لما ثبت أن القياس فرع عن النص لزم أن تكون مقدماته أكثر مقدمات النص، فإن كانت مقدمة يتوقف عليها النص في إفادة الحكم كعدالة الراوي، ودلالة اللفظ على المعنى فإن القياس يتوقف عليها أيضا، ويختص القياس بتفوقه على مقدمات أخرى، كبيان العلة وثبوتها في الفرع وانتفاء المعارض عنه، وإذا كانت مقدماته المحتملة أكثر، كان احتمال الخطأ إليه أقرب، فيكون الظن الحاصل منه أضعف، فلو قدمنا القياس على العام لقدمنا الأضعف على الأقوى وهو ممتنع، وأجاب المصنف بوجهين أحدهما: أن مقدمات العام الذي يريد تخصيصه قد تكون أكثر من مقدمات القياس، وذلك بأن يكون العام لمخصوص كثير الوسائط أي: بيننا وبين النبي صلى الله عليه وسلم، أو كثير الاحتمالات المخلة بالفهم، ويكون العام الذي هو أصل القياس قريبا من النبي صلى الله عليه وسلم، قليل الاحتمالات بحيث تكون مقدماته المعتبرة في القياس أقل من مقدمات العام المخصوص، قال في المحصول: وعند هذا يظهر أن الحق ما قاله الغزالي. الثاني: سلمنا أن مقدمات القياس أكثر من مقدمات العام، وأن الظن مع ذلك يضعف، لكن مع هذا يجب التخصيص لأن إعمال الدليلين أحرى أي: أولى. قال: "الرابعة: يجوز تخصيص المنطوق بالمفهوم لأنه دليل، كتخصيص "خلق الله الماء طهورا، لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه" بمفهوم "وإذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا" ". أقول: إذا فرغنا إلى أن المفهوم حجة، جاز عند المصنف تخصيص المنطوق به، وبه جزم الآمدي وابن الحاجب وقال الآمدي: لا نعرف فيه خلافا سواء كان مفهوم موافقة أو مخالفة، وقد توقف في المحصول فلم يصرح بشيء إلا أنه ذكر دليلا يقتضي المنع على لسان

ص: 216

غيره، فقال ما معناه: ولقائل أن يقول: المفهوم أضعف دلالة من المنطوق، فيكون التخصيص به تقديما للأضعف على الأقوى. وذكر صاحب التحصيل نحوه أيضا فقال: في جوازه نظر. نعم جزم في المنتخب هنا بالمنع، وصرح به في المحصول في الكلام على تخصيص العام بذكر بعضه، وقال في الحاصل: إنه الأشبه، واستدل المصنف على الجواز بأن المفهوم دليل شرعي، فجاز تخصيص العموم به جمعا بين الدليلين كسائر الأدلة، مثاله: قوله عليه الصلاة والسلام: "خلق الله الماء طهورا، لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه" مع قوله صلى الله عليه وسلم: "وإذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا" فإن الأول يدل بمنطوقه على أن الماء لا ينجس عند عدم التغير سواء كان قلتين أم لا. والثاني: يدل بمفهومه على أن الماء القليل ينجس وإن لم يتغير، فيكون هذا المفهوم مخصصا لمنطوق الأول ولم يمثل المصنف لمفهوم الموافقة، ومثاله ما إذا قال: من دخل داري فاضربه ثم قال: إن دخل زيد فلا تقل له: أف. قال: "الخامسة: العادة التي قررها رسول الله صلى الله عليه وسلم تخصص، وتقريره عليه الصلاة والسلام على مخالفة العام تخصيص له، فإن ثبت "حكمي على الواحد حكمي على الجماعة" يرتفع الحرج عن الباقين"" 1. أقول: لا إشكال في أن العادة القولية تخصص العموم نص عليه الغزالي وصاحب المعتمد والآمدي ومن تبعه كما إذا كان من عادتهم إطلاق الطعام على المقتات خاصة، ثم ورد النهي عن بيع الطعام بجنسه متفاضلا، فإن النهي يكون خاصا بالمقتات؛ لأن الحقيقة العرفية مقدمة على اللغوية، وأما العادة الفعلية وهي مسألة الكتاب ففيها مذهبان، وذلك كما إذا كان من عادتهم أن يأكلوا طعاما مخصوصا وهو البر مثلا، فورد النهي المذكور وهو بيع الطعام بجنسه، فقال أبو حنيفة: يختص النهي بالبر لأنه المعتاد، وخلافه الجمهور فقالوا بإجراء العموم على عمومه. هكذا نقله الآمدي وابن الحاجب وغيرهما، وقال في المحصول: اختلفوا في التخصيص بالعادات، والحق أنها إن كانت موجودة في عصره عليه الصلاة والسلام وعلم بها وأقرها، كما إذا اعتادوا مع الموز بالموز متفاضلا بعد ورود النهي وأقره، فإنها تكون مخصصة، ولكن المخصص في الحقيقة هو التقرير، وإن لم تكن بهذه الشروط فإنها لا تخصص؛ لأن أفعال الناس لا تكون حجة على الشرع، نعم إن أجمعوا على التخصيص لدليل آخر فلا كلام، وتابع المصنف على هذا التفصيل وهو في الحقيقة موافق لما نقله الآمدي عن الجمهور، فإنهم يقولون: إن العادة بمجردها لا تخصص وإن التقرير يخصص، وعلى هذا فالمراد من قول الجمهور: إن العادة لا تخصص أن غير المعتاد يكون ملحقا بالمعتاد في الدخول، والمراد من قول الإمام: إن العادة التي قررها الرسول تخصص، أن المعتاد يكون خارجا عن غير المعتاد، فهما مسألتان في الحقيقة فافهم ذلك. قوله: "وتقريره" يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى شخصا يفعل فعلا مخالفا للدليل

1 أخرجه العجلوني في كشف الخفاء "1/ 436"، والشوكاني في الفوائد المجموعة "200".

ص: 217

العام فأقره عليه فيكون إقراره تخصيصا للفاعل، بمعنى أن حكم العام لا يثبت في حقه؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لا يقر على باطل. نعم إن ثبت هذا الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو:"حكمي على الواحد حكمي على الجماعة" يرتفع حكم العام على الباقين أيضا ويكون ذلك نسخا لا تخصيصا، قال ابن الحاجب: كذلك إن لم يثبت، ولكن ظهر معنى يقتضي جواز ذلك فإنا نلحق بالمخالف من وافقه في ذلك المعنى، وهذا الحديث سئل عنه الحافظ جمال الدين المزي فقال: إنه غير معروف، فلذلك توقف فيه المصنف. قال الآمدي قبيل الإجماع: ولا فرق في دلالة التقرير على الجواز بين أن يكون الشخص عالما يسبق التحريم أم لا، وإلا كان فيه تأخير البيان عن وقت الحاجة، ثم قال هو وابن الحاجب: إنه يشترط أن يكون عليه الصلاة والسلام قادرا على الإمكان وأن لا يعلم من الفاعل الإصرار على ذلك الفعل، واعتقاده الإباحة كتردد اليهود إلى كنائسهم. قال:"السادسة: خصوص السبب لا يخصص؛ لأنه لا يعارضه، وكذا مذهب الراوي كحديث أبي هريرة رضي الله عنه، وعمله في الولوغ لأنه ليس بدليل. قيل: خالف الدليل وإلا لانقدحت روايته، قلنا: ربما ظنه دليلا ولم يكن". أقول: هذه المسألة وما بعدها إلى آخر الباب فيما جعله بعضهم مخصصا مع أن الصحيح خلافه، وفي هذه المسألة منه أمران، إذا تقرر هذا فاعلم أنه إذا ورد الخطاب جوابا عن سؤال فإن كان لا يستقل بنفسه كان تابعا للسؤال في عمومه وخصوصه فأما العموم فكقوله عليه الصلاة والسلام وقد سئل عن بيع الرطب بالتمر:"أينقص الرطب إذا جف؟ " قالوا: نعم فقال: "فلا إذًا" 1 فإنه يعم كل بيع وارد على الرطب وأما الخصوص فكما لو قال قائل: توضأت بماء البحر فقال: يجزئك قال الآمدي: وهذا لا يدل على جوازه في حق غيره؛ لأنه سأله عن وضوئه خاصة فأجابه عنه ولا عموم في اللفظ لعل الحكم على ذلك الشخص لمعنى يخصه كتخصيص خزيمة بقبول شهادته وحده وأبي بردة بإجزاء العناق في الأضحية ومن هذا القسم على ما قاله هو والإمام قول القائل: والله لا آكل جوابا لمن سأله فقال: كل عندي فإن العرف يقتضي عود السؤال في الجواب كقوله: من أفطر في رمضان بجماع فعليه الكفارة جوابا لمن سأل عن مطلق الإفطار في رمضان قال في المحصول: فلا يجوز إلا بثلاثة شروط أحدها: أن يكون في المذكور تنبيه على ما لم يذكر. والثاني: أن يكون السائل مجتهدا. والثالث: أن لا تفوت المصلحة باشتغال السائل بالاجتهاد وإن كان أعلم كقوله عليه الصلاة والسلام: "والخراج بالضمان" حين سئل عمن اشترى عبدا فاستعمله ثم وجد به عيبا فرده وكقوله وقد سئل عن بشر بضاعة: "خلق الله الماء طهورا" 2 فهل العبرة بعموم اللفظ أو بخصوص السبب؟ فيه مذهبان

1 أخرجه النسائي في سننه، كتاب البيوع باب "36"، والترمذي "1225"، أبو داود في سننه، كتاب البيوع باب "18".

2 أخرجه الدارمي في سننه "2/ 85" والنسائي في سننه كتاب الفرع والعتيرة باب "4" والخطيب البغدادي في تاريخه "2/ 295".

ص: 218

وهذه هي مسألة الكتاب أصحهما عن ابن برهان، والآمدي والإمام وأتباعهما كالمصنف وابن الحاجب أن العبرة بعموم اللفظ؛ ولهذا قال: خصوص السبب لا يخصصه أي: لا يخصص العام الوارد على ذلك السبب بل يكون باقيا على مدلوله من العموم سواء كان السبب هو السؤال كما مثلناه ولم يكن كما روي أنه عليه الصلاة والسلام مر على شاة ميمونة وهي متية فقال: "أيما إهاب دبغ فقد طهر" 1 هكذا قال الآمدي وابن الحاجب وغيرهما، وكأنهم جعلوا الشاة سببا لذكر العموم ثم استدل المصنف على ما اختار بأن اللفظ العام مقتضاه شمول الألفاظ وخصوص السبب لا يعارضه؛ لأنه لا منافاة بينهما بدليل أن الشارع لو قال: يجب عليكم حمل اللفظ على سببه لكان جائزا، ولو كان معارضا له لكان ذلك متناقضا، وإذا لم يعارضه فيجب حمله على العموم عملا بالمقتضى السالم عن المعارض. هكذا استدل الإمام على عدم المنافاة والمعارضة، واعترض عليه صاحب التنقيح فقال: إن الشارع لو تعبدنا بترك التخصيص بكل ما دل الدليل على كونه مخصصا لكان جائزًا ولا يوجب ذلك خروجه عن أن يكون مخصصا قبل التعبد بتركه، فكذلك هذا، والأولى الاستدلال على عدم المعارضة بإمكان إعمال العام في صاحب السبب وغيره، وذهب مالك وأبو ثور والمزني إلى أن العبرة بخصوص السبب، ونقله بعض الشارحين للمحصول عن القفال والدقاق أيضا، واستدلوا بأمور منها: أن السبب لو لم يكن مخصصا لما نقله الراوي لعدم فائدته، وجوابه: أن فائدته هي معرفة السبب وامتناع إخراجه عن العموم بالاجتهاد، أي: بالقياس، فإنه لا يجوز بالإجماع، كما نقله الآمدي وغيره؛ لأن دخوله مقطوع به لأن الحكم ورد بيانا له بخلاف غيره، فإن دخوله مظنون. ونقله الآمدي وابن الحاجب وغيرهما عن الشافعي أنه يقول بأن العبرة بخصوص السبب معتمدين على قول إمام الحرمين في البرهان: إنه الذي صح عندي من مذهب الشافعي، ونقله عنه في المحصول، وما قاله الإمام مردود، فإن الشافعي رحمه الله قد نص على أن السبب لا أثر له، فقال في باب ما يقع في الطلاق وهو بعد باب طلاق المريض ما نصه: وما يصنع السبب شيئا إنما يصنعه الألفاظ؛ لأن السبب قد يكون ويحدث الكلام على غير السبب ولا يكون مبتدأ الكلام الذي حكم، فإذا لم يصنع السبب بنفسه شيئا لم يصنعه لما بعده، ولم يمنع ما بعده أن يصنع ما له حكم، إذا قيل هذا لفظه بحروفه، ومن الأم نقلته فهذا نص بين دافع لما قاله ولا سيما قوله: ولا يمنع ما بعده

إلخ، وذكر ابن برهان في الوجيز نحوه أيضا، فقال: قالوا: فإن كان اللفظ على عمومه فلماذا قدم الشافعي العموم العري عن السبب على العموم الوارد على سبب؟ قلنا: ما أورده من السبب وإن لم يكن مانعا من الاستدلال ومانعا من التعلق به، فإنه يوجب ضعفا، فقدم العري عن السبب لذلك أهمل كلامه. وهذه الفائدة التي حصلت بطريق العرض

1 أخرجه البخاري في صحيحه "5/ 192" والهيثمي في مجمع الزوائد "5/ 13" والهندي في كنز العمال، حديث رقم "12917" و"14574".

ص: 219

فائدة حسنة؛ وذلك لأن الشافعي رحمه الله يقول: إن الأمة تصير فراشا بالوطء، حتى إذا أتت بولد يمكن أن يكون من الوطء سواء اعترف به أم لا، لقصة عبد بن زمعة اختصم هو وسعد بن أبي وقاص في المولود فقال سعد: هو ابن أخي عهد إلي أنه منه، وقال عبد بن زمعة: هو أخي، ولد على فراش أبي من وليدته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"الولد للفراش وللعاهر الحجر" 1، وذهب أبو حنيفة إلى أن الأمة لا تصير فراشا بالوطء ولا يلحقه الوالد إلا إذا اعترف به، وحمل الحديث المتقدم على الزوجة وأخرج الأمة من عمومه فقال الشافع: إن هذا قد ورد على سبب خاص وهي الأمة لا الزوجة. قال الإمام فخر الدين: فتوهم الواقف على هذا الكلام، أن الشافعي يقول: إن العبرة بخصوص السبب، ومراده أن خصوص السبب لا يجوز إخراجه عن العموم بالإجماع كما تقدم، والأمة هي السبب في ورود العموم فلا يجوز إخراجها، ومن تفاريع هذه القاعدة اختلاف أصحابنا في أن العري هل يختص بالفقراء أم لا؟ فإن اللفظ الوارد في جوازه عام، وقد قالوا: إنه ورد على سبب وهو الحاجة، ولما كان الراجح هو الأخذ بعموم اللفظ كان الراجح عدم الاختصاص. وقوله:"وكذا مذهب الراوي" أي: لا يكون أيضا مخصصا للعموم على الصحيح عند الإمام والآمدي وأتباعهما، ونقله في المحصول عن الشافعي قال بخلاف حمل الخبر على أحد محمليه، فإن الشافعي يأخذ فيه بمذهب الراوي. قال القرافي: وقد أطلقوا المسألة، والذي أعتقده أن الخلاف مخصوص بالصحابي ثم مثل المصنف بقوله صلى الله عليه وسلم:"إذا ولغ الكلب في الإناء، فاغسلوه سبعا" 2 "الحديث" فإن أبا هريرة رواه مع أنه كان يغسل ثلاثا فلا نأخذ بمذهبه؛ لأن قول الصحابي ليس بدليل كما ستعرفه إن شاء الله تعالى، وهذا المثال غير مطابق؛ لأن التخصيص فرع العموم، والثلاث والسبع وغيرهما من أسماء الأعداد نصوص مدلولاتها لا عامة. وقد ظفرت بمثال صحيح ذكره ابن برهان في الوجيز، وهو قوله صلى الله عليه وسلم:"من بدل دينه فاقتلوه" 3 فإن راويه هو ابن عباس ومذهبه أن المرأة إذا ارتدت لا تقتل؛ فلذلك منع أبو حنيفة قتل المرتدة، احتج الخصم بأن الراوي إنما خالف العام لدليل لو خالفه لغير دليل، لكان ذلك فسقا قادحا في قبول روايته، وإذا ثبت أنه خالف دليلا كان ذلك الدليل هو المخصص، والجواب أنه ربما خالف لشيء ظنه دليلا وليس هو بدليل في نفس الأمر فلا يلزم القدح لظنه، ولا التخصيص لعدم مطابقته، وهذا الجواب يتجه إذا كان الراوي مجتهدا فإن كان مقلدا فلا. قال:"السابعة: إفراد فرد لا يخصص، مثل قوله عليه الصلاة والسلام: "أيما إهاب دبغ فقد طهر" مع قوله في شاة ميمونة: "دباغها طهورها" لأنه غير مناف قيل: المفهوم مناف، قلنا: مفهوم اللقب

1 أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الطهارة "93" والدارمي في سننه "1/ 188"، والهيثمي في مجمع الزوائد "1/ 287"، والإمام أحمد في مسنده "2/ 245".

2 أخرجه البخاري "4/ 75" والهندي في كنز العمال "387" والهيثمي في مجمع الزوائد "6/ 261".

3 أخرجه أحمد في مسنده "1/ 2526" والدارمي في سننه "2/ 86".

ص: 220

مردود" أقول: إذا أفرد الشارع فردًا من أفراد العام أي: نص على واحد مما تضمنه وحكم عليه بالحكم الذي حكم به على العلم فإنه لا يكون مخصصا له كقوله عليه الصلاة والسلام: "أيما إهاب دبغ فقد طهر" مع قوله في شاة ميمونة: "دباغها طهورها" والدليل عليه أن الحكم على الواحد لا ينافي الحكم على الكل؛ لأنه لا منافاة بين بعض الشيء وكله، بل الكل محتاج إلى البعض، وإذا لم يكن منافيا لم يكن مخصصا؛ لأن المخصص لا بد أن يكون منافيا للعام، واعلم أن الواقع في الصحيحين من رواية ابن عباس أن الشاة كانت لمولاة ميمونة تصدق بها عليها، وقد تقدم تمثيل خصوص السبب بقصة ميمونة أيضا وهو صحيح لكونه بلفظ آخر غير هذا، واحتج الخصم وهو أبو ثور1 بأن تخصيص الشاة بالذكر يدل بمفهومه على نفي الحكم عما عداه، وقد تقدم أنه يجوز تخصيص المنطوق بالمفهوم وجوابه أن هذا مفهوم لقب وقد تقدم أنه مردود أي: ليس بحجة، وهذا الجواب ذكره ابن الحاجب بلفظه وهو أحسن من جواب الإمام، فإنه أجاب هو وصاحب الحاصل بأنا لا نقول بدليل الخطاب أي: بمفهوم المخالفة، وهذا الإطلاق مخالف لما قرره في مفهوم الصفة والشرط وغيرهما. واعلم أن مقتضى جواب المصنف وابن الحاجب تسليم التخصيص إذا كان المفهوم معمولا به، كما لو قيل: "اقتلوا المشركين" ثم قيل: اقتلوا المشركين المجوس، وبه صرح أبو الخطاب الحنبلي على ما نقله عنه الأصفهاني شارح المحصول في المطلق والمقيد، وحينئذ فيكون الكلام هنا في التخصيص بمجرد ذكر البعض من حيث هو بعض، مع قطع النظر عما يعرض له مما هو معمول به فافهمه، لكن ذكر الآمدي وابن الحاجب فيما إذا كان المطلق والمقيد منفيين ما حاصله أن ذكر البعض لا أثر له وإن اقترن بما هو حجة وسأذكره إن شاء الله تعالى في موضعه. وصرح به أيضا هناك أبو الحسين البصري في كتابه المعتمد على ما نقله عنه الأصفهاني المذكور، وحينئذ فيكون الجواب غير مستقيم، وقد اختلفوا في تحرير مذهب أبي ثور فنقل عنه الإمام في المحصول أن المفهوم مخرج لما عدا الشاة ونقل عنه ابن برهان في الوجيز وإمام الحرمين في باب الآنية عن النهاية أن المفهوم مخرج لما يؤكل لحمه. قال: "الثامنة: عطف العام على الخاص لا يخصص مثل "ألا لا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده "2 وقال بعض الحنفية بالتخصيص تسوية بين المعطوفين، فلنا التسوية في جميع الأحكام غير واجبة". أقول: إذا كان المعطوف عليه مشتملا على اسم عام، واشتمل المعطوف على ذلك الاسم بعنيه، لكن على وجه يكون مخصوصا بوصف أو بغيره

1 أبو ثور: إبراهيم بن خالد، الكلبي، البغدادي، من رواة القديم، قال أحمد بن حنبل: أعرفه بالسنة منذ خمسين سنة، قال: وهو عندي كسفيان الثوري، مات في صفر سنة "240هـ" وكان أبو ثور على مذهب الحنفية، فلما قدم الشافعي بغداد تبعه، وقرأ كتبه ويسر علمه "طبقات الشافعية: 1/ 25".

2 أخرجه الإمام أحمد في المسند، حديث رقم "995" جـ1، وابن حجر في فتح الباري "4/ 85".

ص: 221

فلا يقتضي ذلك تخصيص المعطوف عليه عندنا، وقال الحنفية على ما نقله في المحصول أو بعضهم على ما نقله المصنف أنه يقتضيه تسوية بين المعطوف والمعطوف عليه، وجوابه أن التسوية بينهما في جميع الأحكام غير واجبة بل الواجب إنما هو التسوية في مقتضى العامل، مثال ذلك أن أصحابنا قد استدلوا على أن المسلم لا يقتل بالكافر سواء كان حربيا أو ذميا بقوله عليه الصلاة السلام:"ألا لا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده" فإن الكافر هنا وقع بلفظ التنكير في سياق النفي فيعم، فقالت الحنفية: الحديث يدل على أن المسلم لا يقتل بالكافر الحربي ونحن نقول به، وبيانه أن قوله:"ولا ذو عهد في عهده" معطوف على "مسلم" فيكون معناه: لا يقتل مسلم ولا ذو عهد في عهده بكافر، ومما يقوي أن المراد عدم قتله بالكافر أن تحريم قتل المعاهد معلوم ولا يحتاج إلى بيان وإلا لم يكن للعهد فائدة ثم إن الكافر الذي لا يقتل به المعاهد هو الحربي؛ لأن الإجماع قائم على قتله بمثله وبالذمي، وحينئذ فيجب أن يكون الكافر الذي لا يقتل به المسلم أيضا هو الحربي تسوية بين المعطوف والمعطوف عليه، وجوابه ما تقدم، وهذا الجواب الذي ذكره المصنف باطل؛ لأن الحنفية لا يقولون باشتراك المعطوف والمعطوف عليه في جميع الأحكام، بل باشتراكهما في المتعلقات، والاشتراك فيها واجب عند المصنف كما نص عليه في الاستثناء عقب الجمل فقال: لنا الأصل اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في المتعلقات كالحال والشرط وغيرهما هذا كلامه، وهو مخالف للمذكور هنا لا سيما وقد صرح بالحال وهو غير المتنازع فيه هنا، أعني الصفة، بل الجواب أن قوله:"ولا ذو عهد في عهده" كلام مفيد لا يحتاج إلى إضمار الكافر؛ لأنه ربما يوهم أن المعاهد لا يقتل مطلقا فذكر ذلك دفعا لهذا التوهم. واعلم أن من الناس من يعبر عن هذه المسألة بأن العطف على العام لا يوجب العموم في المعطوف خلافا للحنفية، وهو أيضا صحيح فإن الحنفية قالوا: لو أن الكافر المذكور في الحديث عام للحربي والذمي، لكان المعطوف أيضا كذلك لكنه ليس كذلك، فإن الكافر الذي لا يقتل به المعاهد إنما هو الحربي دون الذمي، وممن عبر بهذه العبارة الغزالي في المستصفى وابن الحاجب في مختصره إلا أن الغزالي قال: إن مذهبهم غلط وابن الحاجب قال: إنه الصحيح قال: إلا إذا دل دليل منفصل على التخصيص بهذا المثال بخصوصه. قال: "التاسعة: عود ضمير خاص لا يخصص مثل: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} مع قوله تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ} لأنه لا يزيد على إعادته". أقول: إذا ورد بعد العام ضمير عائد على بعض أفراده فلا يخصصه عند المصنف، واختاره الآمدي وابن الحاجب، وقيل: يخصص وهو رأي الشافعي على ما نقله عنه القرافي، وقيل بالوقف وهو المختار في المحصول ومختصراته كالحاصل وغيره، ونقله الآمدي عن الإمام وأبي الحسين ونقل ابن الحاجب عنهما التخصيص،

ص: 222

مثله قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228] ثم قال: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ} [البقرة: 228] فإن المطلقات يشملن البوائن والرجعيات، والضمير في قوله:{وَبُعُولَتُهُنَّ} عائد على الرجعيات فقط؛ لأن البائن لا يملك الزوج ردها، ولو ورد بعد العام حكم لا يتأتى إلا في بعض أفراده كان حكمه كحكم الضمير كما صرح به في المحصول، ومثل له بقوله تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 1] ثم قال: {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} [الطلاق: 1] يعني الرغبة في مراجعتهن والمراجعة لا تتأتى في البائن، واستدل المصنف على بقاء العموم بقوله؛ لأنه لا يزيد على إعادته، وفيه ضميران ملفوظ بهما، فالأول يعود على لفظ الضمير من قوله: عود الضمير خاص أي: لأن الضمير الخاص لا يزيد، وأما الثاني فيحتمل أن يكون عائدا على العام، ومعناه أن الضمير لا يزيد على إعادة العام المتقدم، ولو أعيد فقيل: وبعولة المطلقات أحق بردهن لم يكن مخصصا اتفاقا، وإن كان المراد به الرجعيات فبطريق الأولى إعادة ما قام مقامه، ويحتمل أن يكون عائدا على بعض الخاص وهو ما فهمه كثير من الشراح، ويعني بذلك أنه لو قيل: وبعولة الرجعيات أحق بردهن لم يكن مخصصا لما قبله، فبالأولى ما قام مقامه الأول، أصوب لتعبيره بالإعادة دون الإظهار، ولأنه أبلغ في الحجة لكون الأول بعينه قد أعيد، ولم يلزم منه التخصيص، وعلى كل حال فللخصم أن يقول: إن الضمير يزيد على إعادة الظاهر؛ لأن الظاهر مستقل بنفسه فينقطع معه الالتفات عن الأول بخلاف الضمير، واستدل المتوقف بأن العموم مقتضاه ثبوت الحكم لكل فرد، والضمير مقتضاه عوده لكل ما تقدم فليست مراعاة ظاهر العموم أولى من مراعاة ظاهر الضمير، فوجب التوقف ولا ذكر لهذه المسألة في المنتخب. قال:"تذنيب: المطلق والمقيد إن اتحد سببهما حمل المطلق عليه عملا بالدليلين، وإلا فإن اقتضى القياس تقييده قيدا وإلا فلا". أقول: لما كان المطلق عاما عموما بدليا، والمقيد أخص منه كان تعارضهما من باب تعارض العام والخاص فلذلك ذكره في بابه وترجم له بالتذنيب، وقد سبق الكلام على هذه اللفظة في أوائل الكتاب، وحاصل المسألة أنه إذا ورد لفظ مطلق ولفظ مقيد نظر إن اختلف حكمهما نحو: اكس ثوبا هرويا وأطعم طعاما، فلا يحمل أحدهما على الآخر باتفاق، أي: لا يقيد الطعام أيضا بالهروي لعدم المنافاة، واستثنى الآمدي وابن الحاجب صورة واحدة وهو ما إذا قال: أعتق رقبة ثم قال: لا تملك كافرة ولا تعتقها، وهذا القسم تركه المصنف لوضوحه، وصرح الآمدي بأنه لا فرق فيه بين أن يتحد سببهما أم لا، لكن نقل القرافي عن أكثر الشافعية أنه يحمل عليه عند اتحاد السبب، ومثل له بالوضوء والتيمم، فإن سببهما واحد وهو الحدث، وقد وردت اليد في التيمم مطلقة، وفي الوضوء مقيدة بالمرافق، وإن اتحد حكمهما نظر، إن اتحد سببهما كما لو قيل في الظهار: أعتق رقبة وقيل فيه أيضا: أعتق رقبة مؤمنة، فلا خلاف كما قال الآمدي: إنا نحمل

ص: 223

المطلق على المقيد حتى يتعين إعتاق المؤمنة، لا المقيد على المطلق حتى يجزئ إعتاق الكافرة، وإنما حملنا المطلق على المقيد عملا بالدليلين؛ وذلك لأن المطلق جزء من المقيد فإذا عملنا بالمقيد عملنا بهما، وإن لم نعمل به فقد ألغينا أحدهما، ثم اختلفوا فصحح ابن الحاجب وغيره أن هذا الحمل بيان للمطلوب أي: دال على أنه كان المراد من المطلق هو المقيد، وقيل: يكون نسخا أي: دالا على نسخ حكم المطلق السابق بحكم المقيد الطارئ، واعلم أن مقتضى إطلاق المصنف أنه لا فرق في حمل المطلق على المقيد بين الأمر والنهي، فإذا قال: لا تعتق مكاتبا وقال أيضا: لا تعتق مكاتبا كافرا، فإن نحمل الأول على الثاني ويكون المنهي عنه هو إعتاق المكاتب الكافر، وصرح به الإمام في المنتخب وذكر في المحصول والحاصل نحوه أيضا، لكن ذكر الآمدي في الأحكام أنه لا خلاف في العمل بمدلولهما، والجمع بينهما في النفي إذ لا تعذر فيه، هذا لفظه وهو يريد أنه يلزم من نفي المطلق نفي المقيد فيمكن العمل بهما، ولا يلزم من ثبوت المطلق ثبوت المقيد، وتابعه ابن الحاجب وأوضحه فقال: فإن اتحد موجبهما مثبتين فيحمل المطلق على المقيد، ثم قال: فإن كانا منفيين عمل بهما، وحاصله أنه لا يعتق مكاتبا مؤمنا أيضا، إذ لو أعتقه لم يعمل به، وصرح به أبو الحسين البصري في المعتمد وعلله بأن قوله: لا تعتق مكاتبا عام، والمكاتب الذمي فرد من أفراده، وذكره لا يقتضي التخصيص، هكذا نقله عنه الأصفهاني شارح المحصول، ونقل عن أبي الخطاب الحنبلي بناؤها على أن مفهوم الصفة هل هو حجة أم لا؟ وقد غلط الأصفهاني المذكور في فهم كلام الآمدي وابن الحاجب، فادعى أن المراد منه حمل المطلق على المقيد. قوله:"وإلا" أي: وإن لم يتحد سببهما كقوله تعالى في كفارة الظهار: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المجادلة: 3] وقوله تعالى في كفارة القتل: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطًَا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: 92] ففيه ثلاثة مذاهب حكاها في المحصول، أحدها: أن تقييد أحدها يدل بلفظه على تقييد الآخر؛ لأن القرآن كالكلمة الواحدة، ولهذا فإن الشهادة لما قيدت بالعدالة مرة احدة وأطلقت في سائر الصور حملنا المطلق على المقيد. الثاني قول الحنفية: أنه لا يجوز تقييده بطريق ما لا باللفظ ولا بالقياس. الثالث وهو الأظهر من مذهب الشافعي كما قاله الآمدي وصححه هو والإمام وأتباعهما وجزم به المصنف: أنه إن حصل قياس صحيح مقتضٍ لتقييده قيد كاشتراك الظهار والقتل في خلاص الرقبة المؤمنة عن قيد الرق لتشوف الشارع إليه، وإن لم يحصل ذلك فلا. "فرع": إذا أطلق الحكم في موضع ثم قيد في موضعين بقيدين متنافيين، فإن قلنا: إن التقييد بالقياس فلا كلام وتحمله على المقيد المشارك له في المعنى، وإن قلنا: إنه باللفظ تساقطا وترك المطلق على إطلاقه؛ لأنه ليس تقييده بأحدهما أولى من الآخر،

ص: 224