المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الأول: تعريفه - نهاية السول شرح منهاج الوصول

[الإسنوي]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمات

- ‌ترجمة البيضاوي صاحب منهاج الوصول إلى علم الأصول

- ‌ترجمة الإسنوي: صاحب نهاية السول شرح منهاج الوصول

- ‌خطبة الكتاب:

- ‌تعريفات:

- ‌الباب الأول في الحكم:

- ‌الفصل الأول: تعريفه

- ‌الفصل الثاني: تقسيماته

- ‌التقسيم الأول:

- ‌التقسيم الثاني:

- ‌التقسيم الثالث:

- ‌التقسيم الرابع:

- ‌التقسيم الخامس:

- ‌التقسيم السادس:

- ‌الفصل الثالث: في أحكام الحكم الشرعي

- ‌المسألة الأولى

- ‌المسألة الثانية:

- ‌المسألة الثالثة:

- ‌المسألة الرابعة:

- ‌المسألة الخامسة:

- ‌المسألة السادسة:

- ‌المسألة السابعة:

- ‌الباب الثاني: فيما لا بد للحكم منه وهو الحاكم والمحكوم عليه وبه

- ‌الفصل الأول: في الحكم

- ‌مدخل

- ‌الفرع الأول:

- ‌الفرع الثاني:

- ‌الفصل الثاني: في المحكوم عليه

- ‌المسألة الأولى:

- ‌المسألة الثانية:

- ‌المسألة الثالثة:

- ‌المسألة الرابعة:

- ‌الفصل الثالث: في المحكوم به

- ‌المسألة الأولى:

- ‌المسألة الثانية:

- ‌المسألة الثالثة:

- ‌الكتاب الأول: في الكتاب والاستدلال به يتوقف على معرفة اللغة

- ‌مدخل

- ‌الباب الأول: في اللغات

- ‌الفصل الأول:

- ‌الفصل الثاني:

- ‌الفصل الثالث

- ‌مدخل

- ‌المسألة الأولى:

- ‌المسألة الثانية:

- ‌المسألة الثالثة:

- ‌الفصل الرابع:

- ‌الفصل الخامس:

- ‌المسألة الأولى:

- ‌المسالة الثانية:

- ‌المسألة الثالثة:

- ‌المسالة الرابعة:

- ‌المسألة الخامسة:

- ‌الفصل السادس

- ‌مدخل

- ‌الفرع الأول:

- ‌الفرع الثاني:

- ‌الفرع الثالث:

- ‌الفرع الرابع:

- ‌الفرع الخامس:

- ‌الفرع السادس:

- ‌الفصل السابع:

- ‌الفصل الثامن:

- ‌الفصل التاسع:

- ‌الباب الثاني: في الأوامر والنواهي

- ‌الفصل الأول: في لفظ الأمر

- ‌الفصل الثاني: في صيغته

- ‌الفصل الثالث: في النواهي

- ‌الباب الثالث: في العموم والخصوص

- ‌الفصل الأول: في العموم

- ‌الفصل الثاني: في الخصوص

- ‌الفصل الثالث: في المخصص

- ‌الباب الرابع: في المجمل والمبين

- ‌الفصل الأول: في المجمل

- ‌الفصل الثاني: في المبين

- ‌الفصل الثالث: في المبين له

- ‌الباب الخامس: في الناسخ والمنسوخ

- ‌الفصل الأول: في النسخ

- ‌الفصل الثاني: في الناسخ والمنسوخ

- ‌خاتمة في النسخ:

- ‌الكتاب الثاني: في السنة

- ‌الباب الأول: الكلام في أفعاله

- ‌الباب الثاني: في الأخبار

- ‌الفصل الأول: فيما علم صدقه

- ‌الفصل الثاني: فيما علم كذبه

- ‌الفصل الثالث: فيما ظن صدقه وهو خبر العدل الواحد

- ‌الكتاب الثالث: في الإجماع

- ‌الباب الأول: في بيان كونه حجة

- ‌الباب الثاني: في أنواع الإجماع

- ‌الباب الثالث: في شرائطه

- ‌الكتاب الرابع: في القياس

- ‌مدخل

- ‌الباب الأول: في بيان أنه حجة

- ‌الباب الثاني: في أركانه

- ‌الفصل الأول: في العلة

- ‌الفصل الثاني: في الأصل والفرع

- ‌الكتاب الخامس: في دلائل اختلف فيها

- ‌الباب الأول: في المقبولة

- ‌الباب الثاني: في المردودة

- ‌الكتاب السادس: في التعادل والتراجيح:

- ‌الباب الأول: في تعادل الأمارتين في نفس الأمر

- ‌الباب الثاني: في الأحكام الكلية للتراجيح

- ‌الباب الثالث: في ترجيح الأخبار

- ‌الباب الرابع: في ترجيح الأقيسة

- ‌الكتاب السابع: في الاجتهاد والإفتاء

- ‌الباب الأول: في الاجتهاد

- ‌مدخل

- ‌الفصل الأول: في الاجتهاد

- ‌الفصل الثاني: في حكم الاجتهاد

- ‌الباب الثاني: في الإفتاء

- ‌فهرس المحتويات

الفصل: ‌الفصل الأول: تعريفه

بعض، وقدم الكتب الخمسة المعقودة للأدلة على كتاب الترجيح؛ لأن الترجيح من صفات الأدلة فهو متأخر عنها قطعا، وقدم الكتب الأربعة التي هي في الأدلة المتفق عليها على الكتاب المعقود للأدلة المختلف فيها لقوة المتفق عليه، وقدم الكتاب والسنة والإجماع على القياس؛ لأن القياس فرع عنها، وقدم الكتاب والسنة على الإجماع لأنه فرع عنهما، وقدم الكتاب على السنة لأن الكتاب أصلها، وأما وجه الاحتياج إلى المقدمة فهو ما تقدم من أن الحكم بالإثبات والنفي موقوف على التصور، فلأجل ذلك احتاج قبل الخوض في أصول الفقه إلى مقدمة معقودة للأحكام ولمتعلقات الأحكام وهي أفعال المكلفين، فإن الحكم متعلق بفعل المكلف، وجعل المقدمة مشتملة على بابين: الأول في الحكم، والثاني فيما لا بد للحكم منه، وذكر في الباب الأول ثلاثة فصول: الأول في تعريف الحكم، والثاني في أقسامه، والثالث في أحكامه، وذكر في الباب الثاني ثلاثة فصول: الأول في الحاكم، والثاني في المحكوم عليه، والثالث في المحكوم به. واعلم أن حصر الكتاب فيما ذكره يلزم منه أن يكون تعريف الأصول والفقه، وما ذكر بعدهما من السؤال والجواب ليس من هذا الكتاب؛ لأنه لم يدخل في المقدمة ولا في الكتب، إلا أن يقال: الضمير في قوله: رتبناه، عائد إلى العلم لا الكتاب وفيه بعد وقوله:"المتفق عليه بين الأئمة" أشار به إلى أن المخالفين في هذه الأربعة ليسوا بأئمة يعتبر كلامهم، فلا عبرة بمخالفة الروافض في الإجماع، ولا بمخالفة النظام في القياس، ولا بمخالفة الدهرية في الكتاب والسنة على ما نقله عنهم ابن برهان في أول الوجيز وغيره، وقوله:"لا جرم رتبناه" أي: لأجل أن الأصول عبارة عن المعارف الثلاث كما تقدم بسطه، ولأجل أن التصور لا بد منه رتبناه على كذا وكذا، وهذا الترتيب فاسد، وصوابه: أنا رتبناه بزيادة أن كما وقع في القرآن، وذلك أن جرم فعل قال سيبويه: بمعنى حقا، والفراء وغيره بمعنى: ثبت، والذي بعدها هو فاعلها، ورتبناه لا تصلح للفاعلية؛ لأنه فعل ليس معه حرف مصدري. وقوله:"على مقدمة" المراد بالمقدمة ما تتوقف عليها المباحث الآتية، قال الجوهري في الصحاح: مقدمة الجيش -بكسر الدال: أوله، ثم قال: وفي مؤخرة الرجل وقادمته لغات، منها: مقدمة بفتح الدال شددة فيجوز هنا الوجهان؛ نظرا إلى هذين المعنيين.

ص: 16

‌الباب الأول في الحكم:

‌الفصل الأول: تعريفه

الحكم خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء، أو التخيير.

قال: "الباب الأول في الحكم وفيه فصول، الأول وفي تعريفه: الحكم خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء، أو التخيير" أقول: يقال: خاطب زيد عمرًا يخاطبه خطابا ومخاطبة أي: وجه اللفظ المفيد إليه، وهو بحيث يسمعه فالخطاب هو التوجيه، وخطاب الله تعالى توجيه ما أفاد إلى المستمع أو من في حكمه، لكن مرادهم هنا بخطاب الله تعالى هو ما أفاد وهو الكلام النفساني؛ لأنه الحكم الشرعي لا توجيه ما أفاد؛ لأن التوجيه ليس بحكم، فأطلق المصدر وأريد ما خوطب به على سبيل المجاز، من باب إطلاق المصدر على سم المفعول، فالخطاب جنس، وبإضافته إلى

ص: 16

الله تعالى خرج عنه الملائكة والجن والإنس، وهذا التقييد لا ذكر له في المحصول ولا في المنتخب ولا في التحصيل، نعم ذكره صاحب الحاصل فتبعه عليه المصنف وهو الصواب؛ لأن قول القائل لغيره: أفعل ليس بحكم شرعي مع أن الحد صادق عليه، قيل: إن هذا الحد صحيح من هذا الوجه، لكن يرد عليه أحكام كثيرة ثابتة بقول النبي صلى الله عليه وسلم وبفعله وبالإجماع وبالقياس، وقد أخرجها بقوله: خطاب الله تعالى، فالجواب: أن الحكم هو خطاب الله تعالى مطلقا وهذه الأربع المعرفات له لا مثبتات، واختلفوا: هل يصدق اسم الخطاب على الكلام في الأزل؟ على مذهبين حكاهما ابن الحاجب من غير ترجيح. قال الآمدي في مسألة أمر المعدوم الحق: إنه لا يسمى بذلك، ووجهه أن الخطاب والمخاطبة في اللغة لا يكون إلا من مخاطِب ومخاطَب بخلاف الكلام، فإنه قد يقوم بذاته طلب التعلم من ابن سيولد كما ستعرفه، وعلى هذا فلا يسمى خطابا إلا إذا عبر عنه بالأصوات بحيث يقع خطابا لموجود قابل للفهم، وكلام المصنف يوافق القائل بالإطلاق؛ لأنه فسر الحكم بالخطاب والحكم قديم فلو كان الخطاب حادثا للزم تفسير القديم بالحادث وهو محال. وقوله:"المتعلق بأفعال المكلفين" احترز به عن المتعلق بذاته الكريمة كقوله تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} [آل عمران: 18] المتعلق بالجماعات كقوله تعالى: {وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا} [الطور: 10] فإنه خطاب من الله تعالى ومع ذلك ليس بحكم لعدم الأحكام في الأزل أنها متعلقة مجازا؛ لأنها تئول إلى التعلق وقد قال الغزالي في مقدمة المستصفى: إنه يجوز دخول المجاز والمشترك في الحد إذا كان السياق مرشدا إلى المراد، فإن قيل: تقييده المتعلق بالفعل يخرج المتعلق بالاعتقاد كأصول الدين وبالأقوال كتحريم الغيبة والنميمة، ويخرج أيضا وجوب النية وشبهها مع أن الجميع أحكام شرعية، قلنا: يمكن حمل الفعل على ما يصدر من المكلف وهو أعم، وأجاب بعضهم عن أصول الدين بأن المحدود هو الحكم الشرعي الذي هو فقه لا مطلق الحكم الشرعي، فإن أصول الفقه لا يتكلم فيها إلا الحكم الشرعي الذي هو فقه. وقوله:"بالاقتضاء أو التخيير" الاقتضاء هو الطلب، وهو ينقسم إلى: طلب فعل وطلب ترك، وأما التخيير فهو الإباحة، فدخلت الأحكام الخمسة في هذين اللفظين واحترز بذلك عن الخبر إن كان جازما فهو الإيجاب وإلا فهو الندب، وطلب الترك إن كان جازما فهو التحريم، وإلا فهو الكراهة، كقوله تعالى:{وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96] وقوله تعالى: {وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ} [الروم: 3] فإن القيود وجدت فيه مع أنه ليس بحكم شرعي لعدم الطلب والتخيير، وهذا التعريف رسم لأحد. قال الأصفهاني في شرح المحصول: لأن أو مذكورة فيه وليست للشك، بل المراد أن ما وقع على أحد هذه الوجوه، فإنه يكون حكما كما سيأتي، والنوع الواحد يستحيل أن يكون له فصلان على البدل بخلاف الخاصتين على البدل كما تقرر

ص: 17

في علم المنطق؛ ولهذا المعنى عبر المنصف بقوله الأول في تعريفه ولم يقل في حده؛ لأن التعريف يصدق على الرسم فافهمه، وفي التعريف المذكور نظر من وجوه: أحدها: ما أورده الأصفهاني في شرح المحصول وهو أن الكلام صفة حقيقية من صفات الله تعالى والحكم الشرعي ليس من الصفات الحقيقية، بل من الصفات الإضافية كما هو مقرر في علم الكلام، فامتنع أن يكون الحكم عبارة عن الكلام القديم، فبطل قولهم: الحكم خطاب الله تعالى، الثاني: أن الحكم غير الخطاب الموصوف بل هو دليله؛ لأن قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاةَ} [الإسراء: 78] ليس نفس وجوب الصلاة بل هو دال عليه. ألا ترى أنهم يقولون: الأمر المطلق يدل على الجوب، والدال غير المدلول، الثالث من الأحكام الشرعية: ما هو متعلق بفعل مكلف واحد كخصائص النبي صلى الله عليه وسلم والحكم بشهادة خزيمة وحده، وإجزاء الأضحية بالعتاق في حق أبي بردة وحده، وذلك كله خارج عن الحد لتقييده بالمكلفين، فإنه جمع محلى بالألف واللام وأقله ثلاثة إن قلنا: لا يعم فلو عبر بالمكلف لصح حمله على الجنس، وقد يجاب بأن الأفعال والمكلفين متعددان، ومقابلة المتعدد بالمتعدد قد تكون باعتبار الجمع بالجمع، أو الآحاد بالآحاد كقولنا: ركب القوم دوابهم، الرابع: أنه يخرج من هذا الحد كثير من الأحكام الشرعية كالصلاة الصبي وصومه وحجه، فإنها صحيحة ويثاب عليها، والصحة حكم شرعي، ومع ذلك فإنها متعلقة بفعل غير مكلف، الخامس: أورده القشواني في التلخيص فقال: إن هذا الحد يلزم منه الدور، فإن المكلف من تعلق به حكم الشرع ولا يعرف الحكم الشرعي إلا بعد معرفة المكلف؛ لأنه الخطاب المتعلق بأفعال المكلف، ولا يعرف المكلف إلا بعد معرفة الحكم الشرعي؛ لأنه من يطالب بحكم الشرع، وأجاب الأصفهاني في شرح المحصول بأن المراد بالمكلف البالغ العاقل وهما لا يتوقفان على الخطاب فلا دور، وفيه نظر لأنه عناية بالحد، ولأن المكلف من قام بالتكليف وهو الإلزام، ولأنه قد يبلغ ويعقل ولا يكلف لعدم وصول الحكم إليه. قال:

"قالت المعتزلة: خطاب الله تعالى قديم عندكم، والحكم حادث لأنه يوصف به، ويكون صفة العهد، ومعللا به كقولنا: حلت بالنكاح وحرمت بالطلاق، وأيضا فموجبية الدلوك ومانعية النجاسة وصحة البيع وفساده خارجة عنه، وأيضا فيه الترديد وهو ينافي التحديد" قوله: أوردت المعتزلة على هذا الحد الذي لأصحابنا ثلاثة أسئلة: "أحدها": أن خطاب الله تعالى قديم والحكم حادث وإذا كان أحدهما قديما والآخر حادثا فكيف يصح أن تقولوا: الحكم خطاب الله تعالى؟ فأما قدم الخطاب فلا حاجة إلى دليل عليه؛ لأنكم قائلون به، وذلك لأن خطاب الله تعالى هو كلامه، ومذهبكم أن الكلام قديم، وإلى هذا أشار بقوله: عندكم، وأما حدوث الحكم فالدليل عليه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يوصف بالحدوث كقولنا: حلت المرأة بعدما لم تكن حلالا، فالحل من الأحكام الشرعية وقد وصف بأنه لم يكن وكان، وكل ما لم يكن وكان فهو حادث، وإليه أشار

ص: 18

بقوله: لأنه يوصف به أي: لأن الحكم يوصف بالحدوث، الثاني: أن الحكم يكون صفة فعل العبد كقولنا: هذا وطء حلال، فالحل حكم شرعي وجعلناه صفة للوطء الذي هو فعل العبد وفعل العبد حادث، وصفه الحادث أولى بالحدوث لأنها إما مقارنة للموصوف أو متأخرة عنه، وإليه أشار بقوله: ويكون صفة لفعل العبد، الثالث: أن الحكم الشرعي يكون معللا بفعل العبد كقولنا: حلت المرأة بالنكاح وحرمت بالطلاق، فالنكاح علة للإباحة الطلاق علة للتحريم، والنكاح والطلاق حادثان؛ لأن النكاح هو الإيجاب والقبول والطلاق قول الزوج: طلقت، وإذا كانا حادثين كان المعلول حادثا بطريق الأول؛ لأن المعلول إما مقارن لعلته أو متأخر عنها، وإليه أشار بقوله: ومعللا به أي: ويكون الحكم معللا به أي: بفعل العبد. "السؤال الثاني": أن هذا الحد غير جامع لأفراد المحدود كلها؛ لأن خطاب الوضع وهو جعل الشيء سببا أو شرطا أو مانعا، خارج عنه؛ لأنه لا طلب فيه ولا تخيير، فمن ذلك موجبية الدلوك وهو كون دلوك الشمس موجبا للصلاة فإنه حكم شرعي؛ لأنا لم نستفدها إلا من الشارع، وكونه موجبا لا طلب فيه ولا تخيير، ودلوك الشمس: زوالها وقيل: غروبها، قاله الجوهري. وقال الآمدي في القياس: إنه طلوعها، ومنها مانعية النجاسة للصلاة والبيع أي: كونها مانعة من الصحة، فإنها حكم شرعي لأنا استنفدنا ذلك من الشارع، وكونها مانعة لا طلب فيه ولا تخيير، ومنها الصحة والفساد أيضا لما قلناه. "السؤال الثالث" وقد أسقطه صاحب التحصيل: أن الحد فيه أو وهي موضوعة للتردد أي: للشك، والمقصود من الحد إنما هو التعريف فيكون الترديد منافيا للتحديد. قال:"قلنا: الحادث التعلق والحكم يتعلق بفعل العبد لا صفته كالقول المتعلق بالمعلومات، والنكاح والطلاق ونحوهما معرفات له كالعالم للصانع والموجبية والمانعية أعلام الحكم لا هو، وإن سألتم فالمعنى بهما اقتضاء الفعل والترك وبالصحة إباحة الانتفاع وبالبطلان حرمته والترديد في أقسام المحدود لا في الحد" أقول: أجاب المصنف عن الاعتراض الأول وهو قولهم: كيف تقولون: إن الحكم هو الخطاب مع أن الخطاب قديم والحكم حادث؟ فقال: لا نسلم أن الحكم حادث بل هو قديم أيضا كالخطاب، وحينئذ فيصح قولنا: الحكم خطاب الله تعالى، أما قولهم في الدليل الأول على حدثه: إن الحكم يوصف بالحدوث، كقولنا: حلت المرأة بعد أن لم تكن فليس كذلك؛ لأن معنى قولنا: الحكم قديم كما قال في المحصول، هو أن الله تعالى قال في الأزل: أذنت لفلان أن يطأ فلانة مثلا، إذا جرى بينهما نكاح وإذا كان هذا معناه، فيكون الحل قديما لكنه لا يتعلق به إلا بوجود القبول والإيجاب، وحينئذ فقولنا: حلت المرأة بعد أن لم تكن معناه تعلق الحل بعد أن لم يكن، فالموصوف بالحدوث إنما هو التعلق وإلى هذا أشار بقوله: قلنا: الحادث التعلق، وأما قولهم في الدليل الثاني على حدوثه: إن الحكم يكون صفة لفعل العبد كقولنا: هذا وطء حلال، فلا نسلم أن هذا صفة. قال في المحصول: لأنه لا معنى لكون الفعل

ص: 19

حلالا إلا قول الله تعالى: رفعت الحرج عن فاعله، فحكم الله تعالى هو هذا القول وهو متعلق بفعل العبد، ولا يلزم من كون القول متعلقا بشيء أن يكون صفة لذلك الشيء، فإنا إذا قلنا: شريك البارئ معدوم كان هذا القول الوجودي متعلقا بشريك الإله وهو معدوم فلو كان صفة له لكان شريك الإله متصفا بصفة وجودية وهو محال؛ لأن ثبوت الصفة فرع عن ثبوت الموصوف، وإلى هذا أشار بقوله: والحكم متعلق

إلخ. وأما قولهم في الدليل الثالث: إن الحكم الشرعي يكون معللا بفعل العبد كقولنا: حلت بالنكاح ويلزم من حدوث العلة حدوث المعلول، فلا نسلم أن النكاح والطلاق والبيع والإجارة وغير ذلك من أفعال العباد علل للأحكام الشرعية بل معرفات لها، إذ المراد من العلة في الشرعيات إنما هو المعرف للحكم، ويجوز أن يكون الحادث معرفا للقديم كما أن العالم المعروف للصانع سبحانه وتعالى؛ لأنا نستدل على وجوده به، وللعالم بفتح اللام وهو الخلق والجمع: العوالم قاله الجوهري، وإلى هذا أشار بقوله: النكاح والطلاق.

قوله: "والموجبية والمانعية أعلام" جواب عن الاعتراض الثاني وهو قولهم: إن هذا الحد غير جامع؛ لأنه قد خرج منه هذه الأحكام التي لا اقتضاء فيها ولا تخيير، فقال: لا نسلم أن الموجبية والمانعية من الأحكام بل من العلامات على الأحكام؛ لأن الله تعالى جعل زوال الشمس علامة على وجوب الظهر ووجود النجاسة علامة على بطلان الصلاة وإن سلمنا أنهما من الأحكام فليسا خارجين من الحد؛ لأنه لا معنى لكون الزوال موجبا إلا طلب فعل الصلاة، ولا معنى لكون النجاسة مانعة إلا طلب الترك، ولا نسلم أيضا أن الصحة والبطلان خارجان عن الحد، فإن المعنى بالصحة إباحة الانتفاع، والمعنى بالبطلان حرمته، فاندرجا في قولنا: بالاقتضاء أو التخيير، وإنما عبر في السؤال بالفساد، وفي الجواب بالبطلان إعلاما بالترادف. واعلم أن في موجبية الدلوك ثلاثة أمور، أحدها: وجوب الظهر ولا إشكال في أنه من الأحكام، والثاني: نفس الدلوك وهو زوال الشمس وليس حكما بلا نزاع بل علامة عليه، والثالث: كون الزوال موجبا الشرع وأنه لا معنى للشرعي إلا ذلك، وإذا كان كذلك فكيف يحسن الجواب بأنه علامة على الحكم؟ إنما العلامة هو نفس الزوال وكذلك القول في المانعية، وأما دعواه أن المعنى بهما اقتضاء الفعل والترك فممنوع أيضا؛ لأن الموجبية غير الوجوب والمانعية غير المنع قطعا كما بيناه، وأما دعواه أن الصحة هي الإباحة فينتقض بالمبيع إذا كان الخيار فيه للبائع فإنه صحيح ولا يباح للمشتري الانتفاع به، وأيضا يقال له: صحة العبادات داخلة في أي الأحكام الخمسة، فالصواب ما سلكه ابن الحاجب وهو زيادة قيد آخر في الحد وهو الوضع فيقال: بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع. قوله: "والترديد في أقسام المحدود لا في الحد" جواب عن الاعتراض الثالث وهو قولهم: إن في الحد صيغة أو وهي للشك، فقال: لا نسلم وقوع الشك في الحد

ص: 20