المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب في الأيمان والنذور - الثمر الداني شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني

[صالح بن عبد السميع الأزهري]

فهرس الكتاب

- ‌مدخل

- ‌باب ما تنطق به الألسنة وتعتقده الأفئدة من واجب أمور الديانات

- ‌باب ما يجب منه الوضوء والغسل

- ‌باب طهارة الماء والثوب

- ‌باب صفة الوضوء ومسنونه ومفروضه

- ‌باب في الغسل

- ‌باب فيمن لم يجد الماء وصفة التيمم

- ‌باب في المسح على الخفين

- ‌باب في أوقات الصلاة وأسمائها

- ‌باب في الأذان والإقامة

- ‌باب صفة العمل في الصلوات المفروضة وما يتصل بها من النوافل والسنن

- ‌باب في الإمامة وحكم الإمام والمأموم

- ‌باب جامع في الصلاة

- ‌باب في سجود القرآن

- ‌باب في صلاة السفر

- ‌باب في صلاة الجمعة

- ‌باب في صلاة الخوف

- ‌باب في صلاة العيدين والتكبير أيام منى

- ‌باب في صلاة الخسوف

- ‌باب في صلاة الاستسقاء

- ‌باب ما يفعل بالمحتضر وفي غسل الميت

- ‌باب في الصلاة على الجنائز والدعاء للميت

- ‌باب في الدعاء للطفل والصلاة عليه وغسله

- ‌باب في الصيام

- ‌باب في الاعتكاف

- ‌باب في زكاة العين والحرث والماشية وما يخرج من المعدن وذكر الجزية وما يؤخذ من تجار أهل الذمة والحربيين

- ‌باب في زكاة الماشية وزكاة الإبل والبقر والغنم

- ‌باب في زكاة الفطر

- ‌باب في الحج والعمرة

- ‌باب في الضحايا والذبائح والعقيقة والصيد والختان وما يحرم من الأطعمة والأشربة

- ‌باب في الجهاد

- ‌باب في الأيمان والنذور

- ‌باب في النكاح والطلاق والرجعة والظهار والإيلاء واللعان والخلع والرضاع

- ‌باب في العدة والنفقة والاستبراء

- ‌باب في البيوع وما شاكل البيوع

- ‌باب في الوصايا والمدبر والمكاتب والمعتق وأم الولد والولاء

- ‌باب في الشفعة والهبة والصدقة والحبس والرهن والعارية والوديعة واللقطة والغصب

- ‌باب في أحكام الدماء والحدود

- ‌باب في الأقضية والشهادات

- ‌باب في الفرائض

- ‌باب جمل من الفرائض والسنن الواجبة والرغائب

- ‌باب في الفطرة والختان وحلق الشعر واللباس وستر العورة وما يتصل بذلك

- ‌باب في الطعام والشراب

- ‌باب في السلام والاستئذان والتناجي والقراءة والدعاء وذكر الله والقول في السفر

- ‌باب في التعالج وذكر الرقى والطيرة والنجوم والخصاء والوسم والكلاب والرفق بالمملوك

- ‌باب في الرؤيا والتثاوب والعطاس واللعب بالنرد وغيرها والسبق بالخيل والرمي وغير ذلك

الفصل: ‌باب في الأيمان والنذور

‌باب في الأيمان والنذور

.

ومن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت.

ــ

"باب في" بيان ما يجوز الحلف به من "الأيمان" وما لا يجوز وما يلزم منها وما لا يلزم "و" في بيان ما يجوز من "النذور" وما لا يجوز وما يلزم منها وما لا يلزم وغير ذلك أي غير الجائز الخ كالكفارة واليمين بمعنى القسم والحلف مؤنثة بلا خلاف وكذلك العضو المخصوص كما صرح به التتائي ومفاد المصباح أن اليمين حقيقة في الجارحة مجاز في غيرها قال اليمين الجارحة وسمي الحلف يمينا لأنهم كانوا إذا تحالفوا ضرب كل واحد منهم يمينه على يمين صاحبه فسمي الحلف يمينا مجازا انتهى "ومن كان حالفا فليحلف بالله" أي مريد الحلف فليحلف باسم الله أي لا بالنبي ولا بغيره مما هو معظم شرعا أو بصفة من صفاته كالوحدانية والقدم والوجود إلى آخر الصفات "أو ليصمت" أي لا يحلف لا أنه يلزمه الصمت إذا لم يحلف بالله وإنما كان منهيا عن الحلف بغير الله لما صح من قوله صلى الله عليه وسلم: "ألا - أداة استفتاح - إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت" فأمر بالصمت عما عدا اليمين بالله أي فاللام لام الأمر فظاهره الوجوب

ص: 421

ويؤدب من حلف بطلاق أو عتاق ويلزمه ولا ثنيا ولا كفارة إلا في اليمين بالله عز وجل أو بشيء من أسمائه وصفاته

ــ

وهو مستلزم لتحريم اليمين بغير الله قاله ابن عبد السلام "ويؤدب من حلف بطلاق أو عتاق" إذا كان بالغا عالما معتادا للحلف بذلك ويكون ذلك جرحة في شهادته وظاهر كلامه أنه يؤدب حنث أو لم يحنث والأدب عند مالك غير محدود بل على ما يراه الإمام من ضرب أو شتم أو غيره ويختلف باختلاف الأشخاص والأحوال "و" مع تأديب من حلف بطلاق أو عتاق "يلزمه" ما حلف به من طلاق أو عتق إذا أيقن بالحنث بل لو شك في الحنث أو توهمه أو ظنه فإنه يحنث على المشهور وأما لو شك هل قال أنت طالق أو لم يقل أو شك هل حلف وحنث أو لم يحلف ولم يحنث فلا شيء عليه "ولا" تنفع "ثنيا" أي استثناء بمشيئة الله تعالى مثل أن يقول الحالف بعد تلفظه بالمحلوف به إن شاء الله أو إلا أن يشاء الله "و" كذلك "لا" تنفع "كفارة" كما لا تنفع ثنيا ومعنى عدم نفعهما أنهما لا يفيدان في شيء من الأيمان "إلا في اليمين بالله عز وجل" أي بهذا الاسم العظيم أي والنذر المبهم كاليمين بالله كما في المدونة وكذا سائر ما فيه كفارة يمين كحلفه بالكفارة ويمكن دخول هذا في قول المصنف إلا في اليمين بالله أي حقيقة أو حكما والمراد به ما فيه كفارة يمين وليس من أسمائه تعالى ولا من صفاته "أو بشيء من أسماء الله" غير هذا الاسم كالعزيز والباري "وصفاته" أي أوبشيء من صفاته الذاتية كالعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام والحياة.

وأما الفعلية كالرزق بفتح الراء أي تعلق القدرة بالرزق والإحياء تعلق القدرة بالحياة والإمامة تعلق القدرة بالموت فإنه لا يحلف بها أصلا وظاهر كلامه أن الثنيا لا تنفع

ص: 422

ومن استثنى فلا كفارة عليه إذا قصد الاستثناء وقال إن شاء الله ووصلها بيمينه قبل أن يصمت وإلا لم ينفعه ذلك والأيمان بالله أربعة فيمينان تكفران وهو أن يحلف بالله إن فعلت

ــ

في الطلاق المعلق مثل أن يقول إن دخلت الدار فأنت طالق إن شاء الله وفيه تفصيل فقد قال ابن الماجشون إن رده للفعل وهو دخول الدار مثلا نفعه ذلك ومذهب ابن القاسم أنه لا ينفعه ولو رده للفعل وأنه متى دخل الدار وقع عليه الطلاق وهو الذي ذهب إليه العلامة خليل وهو المشهور "ومن استثنى" في اليمين بالله أو بصفة من صفاته "فلا كفارة عليه" بشروط ثلاثة:

أحدها: "إذا قصد الاستثناء" أي قصد حل اليمين لا فرق في القصد بين أن يكون قبل الحلف أو في أثنائه أو بعد تمامه فإنه ينفعه كما شهره التتائي أما لو جرى على لسانه من غير قصد كما لو نطق سهوا أو تكلم به تبركا فلا ينفعه في حل اليمين.

"و" ثانيها: إذا "قال" أي تلفظ بـ "إن شاء الله" فلا تكفي النية وحدها.

"و" ثالثها: إن "وصلها" أي إن شاء الله "بيمينه قبل أن يصمت" أي يسكت ما لم يضطر لتنفس أو سعال فإن اضطر لم يضر "وإلا" أي وإن لم يقصد الاستثناء أو لم ينطق به أو لم يصله بيمينه "لم ينفعه ذلك" الاستثناء "والأيمان بـ" اسم "الله أربعة" وفي نسخة أربع "فيمينان تكفران وهو" أي ما يكفر يمينان أحدهما أن تكون اليمين منعقدة على بر وحقيقتها أن يكون الحالف بأثر حلفه موافقا لما كان عليه من البراءة الأصلية مثل "أن يحلف بالله إن فعلت كذا" أو لا أفعل كذا ثم يفعل المحلوف عليه والأخرى أن تكون اليمين منعقدة على حنث وحقيقتها أن يكون الحالف بأثر حلفه مخالفا لما كان عليه

ص: 423

أو يحلف ليفعلن ويمينان لا تكفران إحداهما لغو اليمين وهو أن يحلف على شيء يظنه كذلك في يقينه ثم يتبين له خلافه فلا كفارة عليه ولا إثم

ــ

من البراءة الأصلية مثل أن يحلف إن لم يفعل كذا "أو يحلف ليفعلن كذا" ثم لم يفعل المحلوف عليه واليمين على الحنث مقيدة بما إذا لم يؤجل أما إن أجل فإنه على بر إلى الأجل مثل أن يقول إن لم أفعل كذا قبل شهر فإنه على بر إلى الأجل وإن ولي صيغة الحنث حرف شرط كقوله والله إن لم أتزوج لا أقيم في هذه البلدة وفي صيغة البر حرف نفي إذا لم يكن ثم جزاء نحو والله إن كلمت فلانا معناه والله لا أكلم فلانا لأن كلم هنا وإن كان ماضيا معناه الاستقبال إذ الكفارة لا تتعلق إلا بالمستقبل وإن كان ثم جزاء فهي مع الجزاء شرط كقولك والله إن كلمت فلانا لأعطينك مائة "ويمينان لا تكفران إحداهما لغو اليمين" وهو أي لغو اليمين على المشهور في تفسيره "أن يحلف على شيء يظنه" بمعنى يتيقنه هذا جواب عما يقال إن قوله يظنه يقتضي أن اليمين على الظن لغو وليس كذلك بل من أقسام الغموس أفاده الحطاب والمراد بالتيقن الاعتقاد لا الجزم المطابق لدليل لقوله ثم تبين له خلافه "كذلك في يقينه" المعنى يعتقده في عقله مماثلا لنا في نفس الأمر فالمشار له ما في نفس الأمر ومثل الاعتقاد الظن القوي لا إن كان غير قوي فغموس وأولى الشك "ثم يتبين له خلافه" وقوله: "فلا كفارة عليه" تكرار ذكره ليترتب عليه قوله: "ولا إثم" وإنما لم يكن عليه إثم لقوله تعالى: {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} قال في المدونة ولا لغو إلا في اليمين بالله أو نذر لا مخرج له أي النذر

ص: 424

والأخرى الحالف متعمدا للكذب أو شاكا فهو آثم ولا تكفر ذلك الكفارة وليتب من ذلك إلى الله سبحانه وتعالى والكفارة إطعام عشرة مساكين من المسلمين الأحرار مدا لكل مسكين بمد النبي صلى الله عليه وسلم.

ــ

المبهم كقوله إن فعلت كذا فعلي نذر ولا يفيد اللغو في نحو طلاق أو عتق أو نذر غير مبهم "والأخرى" اليمين الغموس وفسرها بأنها "الحالف متعمدا للكذب" مثل أن يحلف أنه لقي فلانا بالأمس وهولم يلقه "أو شاكا" مثل أن يحلف أنه لقيه وهو شاك هل لقيه أم لا ومثل الشك الظن أي غير القوي وظاهر قوله: "فهو" أي الحالف متعمدا للكذب أو شاكا آثم وإن وافق ما حلف عليه أي فهو "آثم" مطلقا وافق أم لا على الراجح "ولا تكفر ذلك" الحلف "الكفارة" أي فلا كفارة في الغموس إن تعلقت بماض وأما إن تعلقت بالحال أو الاستقبال كفرت واللغو كذلك إن تعلقت بمستقبل وإن تعلقت بماض أو حال لم تكفر "و" إذا كانت الكفارة لا تكفر اليمين فـ "ليتب من ذلك إلى الله سبحانه وتعالى" لأنها من الكبائر ويتقرب إليه بما قدر عليه من عتق وصدقة وصوم "والكفارة" في اليمين بالله تعالى تتنوع إلى أربعة أنواع ثلاثة على التخيير وهي الإطعام والكسوة والعتق وواحد مرتب بعد العجز عن هذه الثلاثة وهو الصوم وأفضلها الإطعام ولذا بدأ به فقال: "إطعام عشرة مساكين من المسلمين الأحرار مدا لكل مسكين بمد النبي صلى الله عليه وسلم" أخذ من كلامه أن الإطعام له شروط خمسة العدد معتبر من قوله عشرة فلا يجزىء إعطاؤه لأكثر ولا لأقل ولا لواحد مرارا فإذا أعطى خمسة مدين مدين بنى على خمسة وكمل

ص: 425

وأحب إلينا أن لو زاد على المد مثل ثلث مد أو نصف مد وذلك بقدر ما يكون من وسط عيشهم في غلاء أو رخص ومن أخرج مدا على كل حال أجزأه وإن كساهم كساهم للرجل قميص وللمرأة قميص وخمار

ــ

لخمسة أخرى وله نزع الزائد بشرط أن يبقى بيد المسكين لم يتلفه وكان وقت الدفع له بين أنها كفارة وإن أطعم عشرين نصف مد نصف مد لم يجزه ثانيها أن يكونوا مساكين فلو دفعها لأغنياء مع علمه بذلك فإنه لا يجزئه ثالثها أن يكونوا مسلمين فلو دفعها لفقراء أهل الذمة فإنها لا تجزئه قياسا على الزكاة رابعها أن يكونوا أحرارا فلو دفعها لرقيق فلا يجزئ خامسها أن يكون المعطى مدا لكل مسكين بمده عليه الصلاة والسلام فلا يجزىء دونه ويقوم مقام المد شيئان على سبيل البدل إما رطلان من الخبز مع أدم زيت أو لبن أو لحم وإما شبعهم غداء وعشاء أو غداءين أو عشاءين ولا يكفي غداء أو عشاء ولو بلغ مدا "وأحب إلينا" يعني نفسه "أن لو زاد على المد مثل ثلث مد أو نصف مد وذلك" أي استحباب الزيادة على المد "بقدر ما يكون من وسط عيشهم" ما مصدرية أي بقدر وجود أي حال عيشهم الوسط ووسط العيش الحب المقتات غالبا وقوله: "في غلاء" راجع لقوله ثلث مد وقوله: "أو رخص" راجع إلى نصف مد "ومن أخرج مدا على كل حال" أي في كل بلد وفي كل زمان من غير زيادة "أجزأه" لأنه هو الواجب "وإن كساهم" أي وإن اختار كسوة العشرة مساكين "كساهم للرجل قميص وللمرأة قميص وخمار"

ص: 426

أو عتق رقبة مؤمنة فإن لم يجد ذلك ولا إطعاما فليصم ثلاثة أيام يتابعهن فإن فرقهن أجزأه وله أن يكفر قبل الحنث أو بعده وبعد الحنث أحب إلينا

ــ

المراد بالرجل الذكر وبالمرأة الأنثى لأنه لا فرق بين الصغير والكبير في إعطاء الكسوة والإمداد ولا يشترط في الكسوة أن تكون من وسط كسوة أهله لأن الله تعالى شرط ذلك في الإطعام دون الكسوة "أو عتق رقبة" شرطوا فيها شروطا أحدها أشار إليه بقوله: "مؤمنة" فلا تجزىء الكافرة ثانيها أن تكون سليمة من العيوب التي تشين كالعمى والهرم والعرج الشديدين أما ما لا يشين كقطع الظفر فيجزئ ثالثها أن تكون ممن يستقر ملكه عليه بعد الشراء لا ممن يعتق عليه بمجرد الشراء أو يشتريه بشرط العتق رابعها أن تكون كاملة لا إن كانت مشتركة خامسها أن لا يكون فيها عقد حرية فلا تجزىء أم الولد ولا المكاتب

فإن عجز عن الخصال الثلاثة وهي الإطعام والكسوة والعتق انتقل إلى الخصلة الرابعة وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: "فإن لم يجد" المكفر "ذلك" أي العتق أي أو الكسوة بدليل قوله: "ولا إطعاما فليصم ثلاثة أيام يتابعهن" استحبابا لأن المبادرة إلى براءة الذمة أولى "فإن فرقهن" أي الأيام الثلاثة "أجزأه" ولكن لا بد من تبييت النية في كل ليلة "و" يباح "له" أي للحالف "أن يكفر قبل الحنث وبعده" ظاهره مطلقا سواء كانت يمينه على بر أو على حنث كانت كفارته بالصوم أو غيره "و" لكن تكفيره "بعد الحنث أحب إلينا" يعني نفسه إشارة إلى الرد على أشهب القائل بعدم الإجزاء أو على من يقول بعدم جواز تقديم الصوم دون غيره ثم انتقل يتكلم على

ص: 427

ومن نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه ولا شيء عليه ومن نذر صدقة مال غيره أو عتق عبد غيره لم يلزمه شيء ومن قال إن فعلت كذا فعلي نذر كذا وكذا لشيء يذكره من فعل البر من صلاة أو صوم أو حج أو عمرة أو صدقة شيء سماه

ــ

النذور فقال: "ومن نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه" النذر لغة الإيجاب وشرعا التزام ما يلزم من القرب وهو على قسمين نذر طاعة يجب الوفاء به ونذر معصية لا يجب الوفاء به ومع عدم وجوب الوفاء به هل يكون عليه كفارة وهو قول أبي حنيفة أو لا كفارة عليه وهو مذهب الجمهور وإليه أشار بقوله: "ولا شيء عليه ومن نذر صدقة مال غيره أو عتق" رقبة "عبد غيره" كره و "لم يلزمه شيء" لا صدقة ولا عتق ما لم يعلق فإن علق على شرط لزم عند وجود الشرط على المشهور نحو لله علي أن أعتق عبد فلان إن ملكته "ومن قال إن فعلت كذا" سواء كان واجبا أو حراما "فعلي نذر كذا" أي منذور هو كذا فإنه يلزمه ما نذر إن فعل ما شرطه "وكذا" إن قال "لشيء" اللام زائدة أي وكذا إن ذكر شيئا بلسانه أو بقلبه فقوله: "يذكره" توكيد وقوله: "من فعل البر" بيان لشيء وإضافة فعل لما بعده من إضافة العام للخاص فهي للبيان وقوله من صلاة أي صلاة تطوع بيان لفعل البر واحترز به من الحرام والمباح فلا يلزمه "أو صوم" كذلك "أو حج" كذلك "أو عمرة أو صدقة شيء سماه" أي بين قدره لفظا أو نية فالتعميم

ص: 428

فذلك يلزمه إن حنث كما يلزمه لو نذره مجردا من غير يمين وإن لم يسم لنذره مخرجا من الأعمال فعليه كفارة يمين ومن نذر معصية من قتل نفس أو شرب خمر أو شبهه أو

ــ

الأول متعلق بأصل العبادة وهذا متعلق ببيان القدر "فذاك" أي كل واحد مما ذكر من الصلاة وما بعدها يريد ونحو ذلك من القرب كالعتق والذكر "يلزمه" ما سماه "إن حنث" أما إذا لم ينو الصلاة أي لم ينو قدرها ولا سماه فيلزمه أقل ما يطلق عليه اسم الصلاة وهو ركعتان وكذا الصوم إذا لم يسمه فيلزمه أقل ما يطلق عليه اسم الصوم وهو يوم وأما إن قال إن كلمت فلانا فعلي المشي إلى مكة فكلمه لزمه المشي في حج أو عمرة وأما الصدقة إذا لم يسم شيئا فيلزمه ثلث ماله أما إذا سمى فظاهر كلامه أنه يلزمه ما سماه ولو كان كل ماله.

قال ابن عمر: فإن ذكر الدار ولم يكن عنده إلا هي لزمه ذلك وفي كلام المصنف من المخالفة لما يأتي له بعد من قوله ومن جعل ماله صدقة أو هديا أجزأه ثلثه ما لا يخفى "كما يلزمه لو نذره مجردا من غير يمين" أي يلزمه المقيد بوقوع شيء عند وقوع ذلك الشيء كما يلزمه الذي لا تعليق فيه نحو لله علي صوم أو صلاة أو غيرهما "وإن لم يسم لنذره مخرجا من الأعمال" أي لم يسم لنذره شيئا يخرج منه النذر أي يتحقق به من تحقق الكلي في بعض جزئياته كقوله لله علي نذر ولم يسم هل هو صلاة أو صوم أو حج أو ما أشبه ذلك "فعليه كفارة يمين" على المذهب "ومن نذر معصية من قتل نفس أو شرب خمر" هو المسكر من ماء العنب "أو شبهه" كالنبيذ وهو المسكر من غير ماء العنب "أو"

ص: 429

ما ليس بطاعة ولا معصية فلا شيء عليه وليستغفر الله وإن حلف بالله ليفعلن معصية فليكفر عن يمينه ولا يفعل ذلك وإن تجرأ وفعله أثم ولا كفارة عليه ليمينه ومن قال علي عهد الله وميثاقه في يمين فحنث فعليه كفارتان وليس على من وكد اليمين فكررها في شيء واحد غير كفارة واحدة

ــ

نذر "ما ليس بطاعة ولا معصية" كالمباح والمكروه "فلا شيء" أي لا كفارة "عليه ليمينه" في الفرعين وفي كلامه تكرار بالنسبة للفرع الأول الذي هو قوله ومن نذر معصية وهل قوله: "وليستغفر الله" راجع لنذر المعصية فقط أو له ولما بعده الراجح الثاني "وإن حلف" إنسان "بـ" اسم "الله" أو بصفة من صفاته النفسية أو المعنوية "ليفعلن معصية" من المعاصي كشرب الخمر أو قتل النفس أو سب من لا يجوز سبه "فليكفر عن يمينه" الذي حلفه "ولا يفعل ذلك" المحلوف عليه "وإن تجرأ" أي اقتحم "وفعله" عطف تفسير أي وإن ارتكب فعل المحلوف عليه مع علمه بأنه معصية ولم يبال بعقوبة عاقبته "فهو آثم" لفعله المعصية "ولا كفارة عليه ليمينه" لأنه بر في يمينه "ومن قال علي عهد الله وميثاقه في يمين فحنث فعليه كفارتان" لأن العهد يمين والميثاق يمين فإذا جمعهما فقد حلف يمينين وما ذكره خلاف المشهور والمشهور ما في التوضيح من عدم تعدد الكفارة سواء قصد الحالف التأكيد أو الإنشاء أو لا قصد له إلا أن ينوي كفارات "وليس على من وكد اليمين فكررها في شيء واحد غير كفارة واحدة" قال ابن الحاجب وإذا كرر اليمين على شيء واحد لم تتعدد

ص: 430

ومن قال أشركت بالله أو هو يهودي أو نصراني إن فعل كذا فلا شيء عليه ولا يلزمه غير الاستغفار ومن حرم على نفسه شيئا مما أحل الله له فلا شيء عليه

ــ

وإن قصد التكرار أي الإنشاء ما لم ينو كفارات قال ابن عبد السلام يعني أن الحالف بشيء من أسماء الله تعالى أو صفاته إذا حلف على شيء ثم كرر اليمين بذلك الاسم بعينه أو الصفة بعينها على ذلك الشيء بعينه فإن نوى باليمين الثانية تأكيد الأولى أو لم تكن له نية لم تتعدد الكفارة عليه بالحنث اتفاقا وإن قصد تعدد الكفارة تعددت اتفاقا وإن قصد الإنشاء به ولم يتعرض إلى تعدد الكفارة فالمشهور أنها لا تتعدد اه ومفهوم في شيء واحد أنه لو كررها في شيئين مثلا لزم لكل كفارة يمين نحو والله لا أكلم فلانا والله لا آكل من هذا الطعام والله لا ألبس هذا الثوب "ومن قال" والعياذ بالله "أشركت بالله أو هو يهودي أو نصراني" أو عابد وثن ونحو ذلك "إن فعل كذا" ثم فعله "فلا شيء" أي لا كفارة "عليه" أي في شيء من ذلك لأن الحلف بغير أسماء الله أو صفاته لا تنعقد به يمين "ولا يلزمه غير الاستغفار" المراد منه التوبة أي ولا تطلب منه الشهادة فلا ينافي أنه يطلب منه زيادة على الاستغفار التقرب بشيء من أنواع القربات كعتق أو صدقة أو صوم ولو قال إن فعل كذا يكون مرتدا أو على غير ملة الإسلام أو يكون واقعا في حق رسول الله فكذلك "ومن حرم على نفسه شيئا مما أحل الله له" من طعام أو شراب أو غير ذلك "فلا شيء" أي لا كفارة "عليه" ويلزمه الاستغفار لأنه آثم بذلك لأن المحلل والمحرم هو الله تعالى وقد ذم الله تعالى من فعل ذلك بقوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ

ص: 431

إلا في زوجته فإنها تحرم عليه إلا بعد زوج ومن جعل ماله صدقة أو هديا أجزأه ثلثه ومن حلف بنحر ولده فإن ذكر مقام إبراهيم أهدى هديا يذبح بمكة وتجزئه شاة

ــ

لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} ويستثنى مما قال مسألتان أشار إلى إحداهما بقوله: "إلا في زوجته" إذا قال هي علي حرام "فإنها تحرم عليه" لأن تحريمها طلاقها ثلاثا لا تحل له "إلا بعد زوج" هذا في المدخول بها وأما غير المدخول بها فيلزمه فيها الثلاث إلا أن ينوي أقل والمسألة الثانية إذا حرم أمته ونوى بها العتق فإنها تصير حرة بذلك تحرم عليه لا يطؤها إلا بنكاح جديد وأما إذا لم يقصد العتق فهي كتحريم الطعام والشراب فلا يلزمه إلا الاستغفار "ومن جعل ماله كله صدقة" لله تعالى "أو هديا" يبعثه "إلى بيت الله" الحرام "أجزأه ثلثه" قال ابن عمر: يريد إذا كان ذلك في يمين أو نذر ويريد أيضا ما لم يسم شيئا أما إذا سمى لزمه ولو كان كل ماله ويريد أيضا ما لم يتصدق به على معين بالشخص كزيد أو بالوصف كبني زيد فيلزمه الجميع حين حلفه إلا أن ينقص فما بقي ويترك له ما يترك للمفلس "ومن حلف بنحر ولده" مثل أن يقول إن فعلت كذا فعلي نحر ولدي "فإن ذكر مقام إبراهيم" الخليل عليه الصلاة والسلام أي قصته مع ولده "أهدى هديا" أعلاه بدنة ثم بقرة ثم شاة "يذبح بمكة" بعد أن يدخل به من الحل أو بمنى إن أوقفه بعرفة واختلف في حكم الهدي المذكور فقيل مستحب وقيل واجب وهو الراجح "وتجزئه شاة" أي مع الكراهة مع القدرة على أعلى منها والمراد بها هنا الذكر والأنثى والراجح أن الأجنبي مثل ولده في لزوم الهدي إذا

ص: 432

وإن لم يذكر المقام فلا شيء عليه ومن حلف بالمشي إلى مكة فحنث فعليه المشي من موضع حلفه فليمش إن شاء في حج أو عمرة فإن عجز عن المشي ركب ثم يرجع ثانية إن قدر فيمشي أماكن ركوبه فإن علم أنه لا يقدر قعد وأهدى

ــ

حلف بنحره وذكر مقام إبراهيم كما تقدم "وإن لم يذكر المقام فلا شيء عليه" لا هدي ولا كفارة وإنما عليه الاستغفار من ذلك "ومن حلف بالمشي إلى مكة" مثل أن يقول إن فعلت كذا فعلي المشي إلى مكة "فحنث فعليه المشي" لزوما "من موضع حلفه" يريد من البلد الذي حلف فيه لا من المكان الذي هو مستقر عليه حال حلفه إلا أن يعين موضعا بعينه وما ذكره من التخيير في قوله: "فليمش إن شاء في حج أو عمرة" محله إذا لم تكن له نية في أحدهما وهو المشهور أي إن التخيير عند عدم النية هو المشهور وذكر مبدأ المشي ولم يذكر منتهاه ومنتهاه في العمرة بعد الفراغ من السعي وفي الحج بعد الفراغ من طواف الإفاضة وما ذكره من لزوم المشي إلى مكة للحالف به محله إن استطاعه "فإن عجز عن المشي" إليها بعد أن شرع في المشي "ركب ثم يرجع" مرة "ثانية" ماشيا "إن قدر" عليه لتلافي ما ركب فإن لم يقدر فإنه يلزمه الهدي "فيمشي أماكن ركوبه" ويركب التي مشى إذا علم ما ركب فيه وما مشى ويهدي لتفرقة المشي بدنة فإن لم يجدها فبقرة فإن لم يجدها فشاة وإن لم يعلم ما مشى وما ركب فإنه يمشي الطريق كله "فإن علم" هذا مقابل قوله: إن قدر عليه أي ظن "أنه لا يقدر" على المشي "قعد وأهدى" ولا يلزمه الرجوع مرة

ص: 433

وقال عطاء لا يرجع ثانية وإن قدر ويجزئه الهدي وإذا كان صرورة جعل ذلك في عمرة فإذا طاف وسعى وقصر أحرم من مكة بفريضة وكان متمتعا والحلاق في غير هذا أفضل وإنما يستحب له التقصير في هذا استبقاء للشعث في الحج ومن نذر مشيا إلى المدينة أو إلى بيت المقدس أتاهما راكبا

ــ

ثانية "وقال عطاء" أي ابن أبي رباح من المجتهدين "لا يرجع" مرة "ثانية وإن قدر" على المشي ثانيا "ويجزئه الهدي" هذا خلاف المذهب أدى إليه اجتهاده وما ذكر من التخيير المتقدم إذا كان غير صرورة "و" أما "إذا كان صرورة" بالصاد المهملة وهو من لم يحج قط إذا حلف بالمشي إلى مكة وحنث أو نذر "جعل ذلك" المشي "في عمرة" وجوبا على ما في المختصر إذا لم تكن له نية أما إذا كان له نية مشى فيما نوى "فإذا طاف وسعى وقصر أحرم" من الحل استحبابا فإن لم يحرم منه أحرم "من مكة" ويستحب له أن يحرم من المسجد أي من جوفه على مذهب المدونة أو بابه على قول ابن حبيب "بفريضة" وهي حجة الإسلام "وكان متمتعا" إذا صادفت عمرته أو بعضها أشهر الحج "والحلاق في غير هذا" التمتع "أفضل" من التقصير "وإنما يستحب له التقصير في هذا" التمتع "استبقاء للشعث في الحج ومن نذر مشيا إلى المدينة" المشرفة على ساكنها أفضل الصلاة وأكمل السلام "أو إلى بيت المقدس" مثل أن يقول لله علي أن أمشي إلى مدينة النبي صلى الله عليه وسلم أو أمشي إلى بيت المقدس وكذا إذا حلف بالمشي إليهما "أتاهما راكبا" إن شاء أو ماشيا على المشهور وقال ابن وهب

ص: 434