الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب في الرؤيا والتثاوب والعطاس واللعب بالنرد وغيرها والسبق بالخيل والرمي وغير ذلك
.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ومن رأى منكم ما يكره في منامه فإذا استيقظ فليتفل عن يساره ثلاثا وليقل: اللهم إني أعوذ بك من شر ما رأيت في منامي أن يضرني
ــ
"باب في الرؤيا" أي في بيان كون ما يراه الرجل الصالح في منامه جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة "و" في "التثاؤب" أي بيان ما يفعله من تثاءب "والعطاس" أي بيان ما يقول من عطس ومن سمعه "و" في بيان حكم "اللعب بالنرد" وبيان معناها "و" اللعب بـ "غيرها" وهو الشطرنج وحكم الجلوس إلى من يلعب بها وحكم السلام عليه "و" في بيان حكم "السبق بالخيل" والإبل "و" السبق "بالرمي" بالسهام "و" بيان حكم "غير ذلك" أي غير ما ذكر كقتل القمل والضفادع وبيان أفضل العلوم "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح" أي وكذا المرأة الصالحة والمراد غالب رؤياهم وإلا فالصالح قد يرى الأضغاث ولكنه نادر "جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة" لأن فيها اطلاعا على الغيب من وجه ما وأما تفصيل النسبة فيختص بمن عرف درجة النبوة وقال صلى الله عليه وسلم: "من رأى منكم ما يكره في منامه فإذا استيقظ فليتفل عن يساره ثلاثا وليقل: اللهم إني أعوذ بك من شر ما رأيت في منامي أن يضرني
في ديني ودنياي" ومن تثاءب فليضع يده على فيه ومن عطس فليقل الحمد الله وعلى من سمعه يحمد الله أن يقول له يرحمك الله ويرد العاطس عليه يغفر الله لنا ولكم أو يقول يهديكم الله ويصلح بالكم ولا يجوز اللعب بالنرد ولا بالشطرنج ولا بأس أن يسلم على من يلعب بها
ــ
في ديني ودنياي" وفي رواية: "فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم ثلاثا وليتحول عن جنبه الذي كان عليه" وحكمة التحول التفاؤل بأن الله يبدل المكروه بالحسن "ومن تثاءب فليضع يده" اليمنى ظاهرها أو باطنها "على فيه" فإذا زال عنه التثاؤب نفث ثلاثا إن كان في غير صلاة "ومن عطس" خارج الصلاة "فليقل الحمد لله" وقيل يزيد رب العالمين "وعلى من سمعه يحمد الله أن يقول له: يرحمك الله" ونقل ابن ناجي عن البيان أن الأشهر أنه فرض عين ويدل له حديث البخاري: "حقا على كل مسلم سمعه أن يقول له: يرحمك الله"، "ويرد العاطس عليه بيغفر الله لنا ولكم، أو يقول" له:"يهديكم الله ويصلح بالكم" والثاني أفضل لأن الهداية أفضل من المغفرة لأنها لا تكون إلا عن ذنب "ولا يجوز اللعب بالنرد" لا بعوض ولا بغيره لما صح أنه صلى الله عليه وسلم قال: "من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله" قال ابن عمرو النرد قطع تكون من العاج أي الذي هو عظم الفيل أو من البقس ملونة يلعب بها ليس فيها كيس أي ليس فيها فطانة لأنها تجري على حكم الاتفاق "ولا بأس أن يسلم على من يلعب بها" في غير حال اللعب وأما في حال اللعب فلا يجوز لأنهم متلبسون بمعصية وعند مالك لا تسقط الشهادة إلا
ويكره الجلوس إلى من يلعب بها والنظر إليهم ولا بأس بالسبق بالخيل وبالإبل وبالسهام بالرمي وإن أخرجا شيئا جعلا بينهما محللا يأخذ ذلك المحلل إن سبق هو وإن سبق غيره لم يكن عليه شيء هذا قول ابن المسيب وقال مالك إنما يجوز أن يخرج الرجل سبقا فإن سبق غيره أخذه وإن سبق هو كان للذي يليه من المتسابقين وإن لم يكن غير جاعل السبق
ــ
إذا أدمن والمدمن لا يخلو من الأيمان الحانثة وأما على وجه الندرة فيجب عليه تركه ولا تسقط عدالته وبئسما صنع "ويكره الجلوس إلى من يلعب بها" مخافة أن ينسب إليهم "ولا بأس بالسبق بالخيل وبالإبل وبالسهام بالرمي" بجعل وبغير جعل ولا يجوز السبق بغير هذه الثلاثة إلا بغير جعل "وإن أخرجا شيئا جعلا بينهما محللا" على أنه "يأخذ ذلك المحلل إن سبق" هو أي المحلل "وإن سبق غيره" أي غير المحلل من جاعل الجعل "لم يكن عليه" أي المحلل "شيء" ويأخذ السابق الجميع "وقال" إمامنا "مالك" رحمه الله "إنما يجوز" السبق إلا "أن يخرج الرجل" من المتسابقين "سبقا" بفتح الباء أي جعلا على أن لا يرجع إليه "فإن سبق غيره" وهو الآخر من المتسابقين الذي لم يخرج جعلا "أخذه" أي أخذ الغير الجعل "وإن سبق هو" أي الرجل خارج الجعل "كان للذي يليه من المتسابقين وإن لم يكن" ثم "غير جاعل السبق" بفتح الباء أي الجعل
وآخر فسبق جاعل السبق أكله من حضر ذلك وجاء فيما ظهر من الحيات بالمدينة أن تؤذن ثلاثا وإن فعل ذلك في غيرها فهو حسن ولا تؤذن في الصحراء ويقتل ما ظهر منها ويكره قتل القمل والبراغيث بالنار ولا بأس إن شاء الله بقتل النمل إذا آذت ولم يقدر على تركها ولو لم تقتل
ــ
"وآخر" وهو من يسابقه فقط "فـ" إنه "إذا سبق جاعل السبق أكله من حضر ذلك" أي المسابقة "وجاء" عن النبي صلى الله عليه وسلم "فيما ظهر من الحيات بالمدينة" المشرفة "أن تؤذن" أي تعلم "ثلاثا" أي ثلاثة أيام وجوبا والدليل على طلب الاستئذان ما في الموطأ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن بالمدينة جنا قد أسلموا فإذا رأيتم منها شيئا فآذنوه ثلاثة أيام فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان" وصفة الاستئذان أن تقول: إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وأنت مسلم فلا تظهر لنا خلاف اليوم ولا تؤذنا فإن ظهرت لنا قتلناك، "ولا تؤذن" الحيات "في الصحراء" ونحوها كالطرقات "ويقتل ما ظهر منها" بغير استئذان "ويكره قتل القمل والبراغيث" وغيرهما كالبق والبعوض "بالنار" ما لم تضر لكثرتها فيجوز "ولا بأس إن شاء الله بقتل النمل إذا آذت ولم يقدر على تركها" وأتى الشيخ بالمشيئة كأنه من عنده لم يقف فيه لمالك على شيء "ولولم تقتل" النمل
كان أحب إلينا ويقتل الوزغ ويكره قتل الضفادع وقال النبي عليه السلام: "إن الله أذهب عنكم غبية الجاهلية وفخرها بالآباء مؤمن تقي أو فاجر شقي أنتم بنو آدم وآدم من تراب" وقال النبي عليه السلام في رجل تعلم أنساب الناس: "علم لا ينفع وجهالة لا تضر" وقال عمر: "تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم" وقال مالك: وأكره أن
ــ
"كان أحب إلينا إن كان يقدر على تركها" بأن أمكنه التبعد عنها "ويقتل الوزغ حيث وجد ويكره قتل الضفادع" ما لم تؤذ وإلا جاز قتلها "وقال النبي عليه" الصلاة و "السلام: "إن الله أذهب عنكم غبية الجاهلية وفخرها" والغبية التكبر والتجبر "بالآباء مؤمن تقي أو فاجر شقي" أي لأنكم ما بين مؤمن تقي أي ممتثل للمأمورات مجتنب للمنهيات فيكون مرتفعا عند الله بتقواه وإن لم يكن نسيبا أو فاجرا أي كافر شقي بعدم تقواه ولو كان نسيبا فالتفاضل بالآباء لا يكسب شيئا "أنتم بنو آدم وآدم من تراب" فكيف تتكبرون وتفتخرون.
"وقال النبي عليه" الصلاة و "السلام في رجل تعلم أنساب الناس:" مثل أن يقول فلان ابن فلان من بني فلان وبنو فلان يجتمعون مع بني فلان: "علم لا ينفع" في الدنيا ولا في الآخرة "وجهالة لا تضر" فلا يقال لمن جهله جاهل "وقال عمر" بن الخطاب رضي الله عنه: "تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم" وهو كل من بينك وبينه قرابة "وقال مالك" رحمه الله "وأكره أن
يرفع في النسبة فيما قبل الإسلام من الآباء والرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ومن رأى في منامه ما يكره فليتفل عن يساره ثلاثا وليتعوذ من شر ما رأى ولا ينبغي أن يفسر الرؤيا من لا علم له بها ولا يعبرها على الخير وهي عنده على المكروه ولا بأس بإنشاد الشعر وما خف من الشعر أحسن ولا ينبغي أن يكثر منه ومن الشغل به وأولى العلوم وأفضلها وأقربها إلى الله علم دينه
ــ
يرفع في النسبة" فيما "قبل الإسلام من الآباء" مثل أن يعد أجداده المسلمين حتى يبلغ الكفار وقوله: "والرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ومن رأى في منامه ما يكره فليتفل عن يساره ثلاثا وليتعوذ من شر ما رأى" تكرار مع ما تقدم "ولا ينبغي" بمعنى يحرم "أن يفسر الرؤيا من لا علم له بها" لأنه يكون كاذبا ومخالفا لقوله تعالى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} "ولا يعبرها" أي الرؤيا المعبر "على الخير وهي عنده على المكروه" وهذا نهي تحريم لأنه كذب وغرر بالرائي فإن ظهر له خير ذكره وإن ظهر له مكروه يقول خيرا إن شاء الله "ولا بأس بإنشاد الشعر" إذا لم يكن فيه ذم أحد "وما خف من" إنشاد "الشعر" ونظمه "فهو أحسن ولا ينبغي أن يكثر منه و" لا "من الشغل به" لأن ذلك بطالة مما كان أولى واشتغال بغير الأولى "وأولى العلوم وأفضلها وأقربها" أي التي يتقرب بها "إلى الله تعالى علم دينه" أي العلم
وشرائعه مما أمر به ونهى عنه ودعا إليه وحض عليه في كتابه وعلى لسان نبيه والفقه في ذلك والفهم فيه والتهمم برعايته والعمل به والعلم أفضل الأعمال وأقرب العلماء إلى الله تعالى وأولاهم به أكثرهم له خشية وفيما عنده رغبة والعلم دليل إلى الخيرات وقائد إليها واللجأ إلى كتاب الله عز وجل وسنة نبيه
ــ
المشتمل على العقائد الدينية كمعرفة الصانع وعلم وجوده إلى آخر الصفات "و" علم "الشرائع" وهو علم الحلال والحرام والشرائع النسب التامة "مما أمر" الله "به" من الواجبات والمندوبات "ونهى عنه" من المحرمات والمكروهات "ودعا إليه وحض عليه في كتابه" وعلى لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم "والفقه في ذلك" أي في فهم دين الله وعلم شرائعه وهو بمعنى قوله: "والفهم فيه والتهمم" أي الاهتمام "برعايته" أي بحفظه "والعمل به" وإنما كان العمل به أفضل وأقرب إلى الله تعالى لأن ثمرة العلم العمل ثم بين أفضل الأعمال فقال: "والعلم أفضل الأعمال" أراد به علم الدين وعلم الشرائع لما قال عليه الصلاة والسلام: "أفضل العبادة الفقه وأفضل الدين الورع""وأقرب العلماء إلى الله عز وجل وأولاهم به أكثرهم له خشية" أي خوفا "و" أكثرهم "فيما عنده رغبة" أي رجاء "والعلم دليل إلى الخيرات وقائد إليها" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقا يلتمس فيها علما سهل الله له طريقا إلى الجنة"، "واللجأ" بفتح اللام والجيم أي الاستناد والرجوع "إلى كتاب الله عز وجل" أي القرآن "و" إلى "سنة نبيه" محمد صلى الله عليه وسلم وهي أقواله وأفعاله وتقريراته
واتباع سبيل المؤمنين وخير القرون من خير أمة أخرجت للناس نجاة ففي المفزع إلى ذلك العصمة وفي اتباع السلف الصالح النجاة وهم القدوة في تأويل ما تأولوه واستخراج ما استنبطوه وإذا اختلفوا في الفروع والحوادث لم يخرج عن جماعتهم {والْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ
ــ
"و" إلى "اتباع سبيل" أي طريق "المؤمنين" المراد بها هنا الإجماع "و" اتباع "خير القرون" وهم الصحابة رضي الله عنهم أجمعين "من خير أمة أخرجت للناس" وقوله: "نجاة" خبر اللجأ ثم بين ثمرة الرجوع إلى هذه الثلاثة بقوله: "ففي المفزع" أي اللجأ "إلى ذلك" أي الكتاب والسنة والإجماع والسلف الصالح "العصمة" أي الحفظ "وفي اتباع" سبيل "السلف الصالح" وهم أهل القرون الثلاثة الأول من العلماء العاملين ومن اتصف بأوصافهم من المتأخرين "النجاة" أي الخلاص كرره ليرتب عليه قوله: "وهم القدوة في تأويل ما تأولوه واستخراج ما استنبطوه" التأويل صرف اللفظ عن ظاهره كقوله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" فظاهره لا صلاة صحيحة وحاصله أن مدلول اللفظ الأصلي نفي الحقيقة من أصلها وهو لا يصح قطعا فيلتفت إلى القريب منه وهو نفي الكمال والاستخراج القياس كقياس حد الخمر على القذف "وإذا اختلفوا في الفروع والحوادث" أي النوازل "لم يخرج عن جماعتهم" أي الصحابة لأن إجماعهم حجة يجب اتباعه وتحرم مخالفته {والْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا} أي وفقنا "لـ" تأليف "هذا" الكتاب والإقدار عليه {وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ
لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ}
قال أبو محمد عبد الله بن أبي زيد:
قد أتينا على ما شرطنا أن نأتي به في كتابنا هذا مما ينتفع به إن شاء الله من رغب في تعليم ذلك من الصغار ومن احتاج إليه من الكبار وفيه ما يؤدي الجاهل إلى علم ما يعتقده من دينه ويعمل به من فرائضه ويفهم كثيرا من أصول الفقه وفنونه ومن السنن والرغائب والآداب وأنا أسأل الله عز وجل أن ينفعنا وإياك بما علمنا ويعيننا
ــ
لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} ثم بين أنه وفى بما شرطه في ديباجة كتابه فقال "قال أبو محمد عبد الله بن أبي زيد: قد أتينا على ما شرطنا" في أول كتابنا "أن نأتي به في كتابنا هذا" من المسائل "مما ينتفع به إن شاء الله تعالى من رغب في تعليم ذلك من الصغار ومن احتاج إليه من الكبار وفيه ما يؤدي" أي يبلغ "الجاهل إلى علم ما يعتقده من دينه" وهو ما ذكره في العقيدة "ويعمل به من فرائضه" كالطهارة والصوم والحج "ويفهم كثيرا من أصول الفقه وفنونه" أي فروعه "و" يفهم كثيرا "من السنن والرغائب والآداب" كما علمت ذلك كله ولله الحمد "وأنا أسأل الله عز وجل" أي أطلب منه "أن ينفعنا وإياك بما علمنا ويعيننا
وإياك على القيام بحقه فيما كلفنا ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد نبيه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
ــ
وإياك على القيام بحقه فيما كلفنا ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد نبيه وعلى آله وصحبه" وأزواجه وذريته "وسلم تسليما كثيرا".