المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب في الشفعة والهبة والصدقة والحبس والرهن والعارية والوديعة واللقطة والغصب - الثمر الداني شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني

[صالح بن عبد السميع الأزهري]

فهرس الكتاب

- ‌مدخل

- ‌باب ما تنطق به الألسنة وتعتقده الأفئدة من واجب أمور الديانات

- ‌باب ما يجب منه الوضوء والغسل

- ‌باب طهارة الماء والثوب

- ‌باب صفة الوضوء ومسنونه ومفروضه

- ‌باب في الغسل

- ‌باب فيمن لم يجد الماء وصفة التيمم

- ‌باب في المسح على الخفين

- ‌باب في أوقات الصلاة وأسمائها

- ‌باب في الأذان والإقامة

- ‌باب صفة العمل في الصلوات المفروضة وما يتصل بها من النوافل والسنن

- ‌باب في الإمامة وحكم الإمام والمأموم

- ‌باب جامع في الصلاة

- ‌باب في سجود القرآن

- ‌باب في صلاة السفر

- ‌باب في صلاة الجمعة

- ‌باب في صلاة الخوف

- ‌باب في صلاة العيدين والتكبير أيام منى

- ‌باب في صلاة الخسوف

- ‌باب في صلاة الاستسقاء

- ‌باب ما يفعل بالمحتضر وفي غسل الميت

- ‌باب في الصلاة على الجنائز والدعاء للميت

- ‌باب في الدعاء للطفل والصلاة عليه وغسله

- ‌باب في الصيام

- ‌باب في الاعتكاف

- ‌باب في زكاة العين والحرث والماشية وما يخرج من المعدن وذكر الجزية وما يؤخذ من تجار أهل الذمة والحربيين

- ‌باب في زكاة الماشية وزكاة الإبل والبقر والغنم

- ‌باب في زكاة الفطر

- ‌باب في الحج والعمرة

- ‌باب في الضحايا والذبائح والعقيقة والصيد والختان وما يحرم من الأطعمة والأشربة

- ‌باب في الجهاد

- ‌باب في الأيمان والنذور

- ‌باب في النكاح والطلاق والرجعة والظهار والإيلاء واللعان والخلع والرضاع

- ‌باب في العدة والنفقة والاستبراء

- ‌باب في البيوع وما شاكل البيوع

- ‌باب في الوصايا والمدبر والمكاتب والمعتق وأم الولد والولاء

- ‌باب في الشفعة والهبة والصدقة والحبس والرهن والعارية والوديعة واللقطة والغصب

- ‌باب في أحكام الدماء والحدود

- ‌باب في الأقضية والشهادات

- ‌باب في الفرائض

- ‌باب جمل من الفرائض والسنن الواجبة والرغائب

- ‌باب في الفطرة والختان وحلق الشعر واللباس وستر العورة وما يتصل بذلك

- ‌باب في الطعام والشراب

- ‌باب في السلام والاستئذان والتناجي والقراءة والدعاء وذكر الله والقول في السفر

- ‌باب في التعالج وذكر الرقى والطيرة والنجوم والخصاء والوسم والكلاب والرفق بالمملوك

- ‌باب في الرؤيا والتثاوب والعطاس واللعب بالنرد وغيرها والسبق بالخيل والرمي وغير ذلك

الفصل: ‌باب في الشفعة والهبة والصدقة والحبس والرهن والعارية والوديعة واللقطة والغصب

الولاء إلى أخيه دون بنيه وإن مات واحد وترك ولدا ومات أخوه وترك ولدين فالولاء بين الثلاثة أثلاثا.

ــ

الولاء إلى أخيه دون بنيه" أطلق الإرث هنا على الولاء وهو لا يورث لأنه سببه وإلا فالولاء لا يورث وإنما يورث به "وإن مات واحد" من الابنين المذكورين "وترك ولد أو مات" بعد ذلك "أخوه و" الحال أنه "ترك ولدين فالولاء بين الثلاثة أثلاثا" لتساويهم في القرب من الميت المعتق.

ص: 549

‌باب في الشفعة والهبة والصدقة والحبس والرهن والعارية والوديعة واللقطة والغصب

وإنما الشفعة في المشاع

ــ

"باب في" بيان "الشفعة والهبة والصدقة والحبس والرهن والعارية والوديعة واللقطة والغصب" فهذه تسعة أشياء ذكرها في الباب كما ذكرها في الترجمة أما الشفعة فبضم الشين وسكون الفاء مأخوذة من الشفع ضد الوتر لأن الشفيع يضم الحصة التي يأخذها إلى حصته فتصير حصته حصتين وعرفها ابن الحاجب بأنها أخذ الشريك حصة شريكه جبرا شراء فخرج بإضافته إلى الشريك الجار فإنه لا شفعة له عندنا وبالجبر ما يأخذه بالشراء الاختياري وهي رخصة أرخص فيها دفعا لضرر الشريك قال جابر: "قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما ينقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة" رواه البخاري وغيره وأخذ من هذا الحديث حكمان وجوب الشفعة للشريك دون الجار لأنه حكم في الحديث بأنه لا شفعة بعد القسمة وهو بعد القسمة جار فالجار لا شفعة له ووجوبها في الرباع دون العروض وإلى هذا أشار بقوله: "وإنما الشفعة في المشاع" يعني الأرض

ص: 549

ولا شفعة فيما قد قسم ولا لجار ولا في طريق ولا عرصة دار قد قسمت بيوتها ولا في فحل نخل أو بئر إذا قسمت النخل أو الأرض ولا شفعة إلا في الأرض وما يتصل بها من البناء والشجر

ــ

وما يتصل بها من البناء والشجر قال الفاكهاني الحكمة في ثبوت الشفعة إزالة الضرر عن الشريك وخصت بالعقار لأنه أكثر الأنواع ضررا واتفقوا على أنه لا شفعة في الحيوان والثياب والأمتعة وسائر المنقولات ويشترط فيما فيه الشفعة أن يكون قابلا للقسمة احترازا عما لا يقبلها إلا بفساد كالحمام "ولا شفعة فيما قد قسم" لأن الشفعة شرعت إما لضرر القسمة أو لضرر الشركة وذلك غير موجود في المقسوم فلذلك لم تجب فيه شفعة "ولا شفعة لجار" باتفاق الأئمة الثلاثة وخالف أبو حنيفة فأثبت له الشفعة لكن الشريك مقدم عنده على الجار "ولا" شفعة "في طريق" خاص بين الشركاء إلى الدار أو إلى الجنان وأما الطريق العام فلا يجوز بيعه "ولا في عرصة دار قد قسمت بيوتها" وأما إذا كان الأصل غير مقسوم وباع أحد الشريكين حصته من الأصل والطريق فلشريكه الشفعة في الأصل والطريق باتفاق "و" كذا "لا" شفعة "في فحل" أي ذكر "نخل أو في بئر إذا قسمت النخل والأرض" فلو جوزت الشفعة في ذلك لصار مع الشريك الفحل كله وبقي المشتري من غير فحل لأن الشفعة إنما هي في الذي فيه الشركة الذي هو الفحل فقط وقوله أو بئر فيما إذا قسمت الأرض وبقيت البئر بلا قسم وقوله: "ولا شفعة إلا في الأرض وما يتصل بها من البناء والشجر" تكرار مع قوله: وإنما الشفعة

ص: 550

ولا شفعة للحاضر بعد السنة والغائب على شفعته وإن طالت غيبته وعهدة الشفيع على المشتري ويوقف الشفيع فإما أخذ أو ترك ولا توهب الشفعة ولا تباع وتقسم بين الشركاء بقدر الأنصباء

ــ

في المشاع وتسقط الشفعة بأحد أمور ثلاثة:

أحدها: الترك بصريح اللفظ كقوله أسقطت شفعتي.

ثانيها: ما يدل على الترك كرؤيته للمشتري يبني ويغرس وهو ساكت.

ثالثها: ما أشار إليه الشيخ بقوله: "ولا شفعة للحاضر" يعني في البلد دون العقد "بعد السنة" أما إذا حضر العقد وسكت عن طلب الشفعة شهرين فإن ذلك يسقط شفعته "و" أما "الغائب" غيبة بعيدة فإنه "على شفعته وإن طالت غيبته" إذا كانت غيبته قبل وجود الشفعة له علم بالبيع أو لم يعلم وليس للبعد والقرب حد على الصحيح "وعهدة الشفيع على المشتري" قال الفاكهاني إن استحقها أحد من يد الشفيع فإنه يأخذها من غير أن يدفع فيها شيئا ويرجع الشفيع على المشتري بما أعطاه ويرجع المشتري على البائع بالثمن "ويوقف الشفيع فإما أخذ أو ترك" يعني أن للمشتري أن يقوم على الشفيع ويلزمه بالترك أو الأخذ بالثمن الذي اشترى به إن كان مما له مثل أو قيمته إن كان من ذوات القيم فإن امتثل أحد الأمرين فلا كلام وإلا رفعه للحاكم وإذا طلب التأخير ليختار أو ليأتي بالثمن أخر ثلاثة أيام "ولا توهب الشفعة ولا تباع" يعني لا يجوز للشفيع أن يهب أو يبيع ما وجب له من الشفعة وصورة ذلك أن يقول زيد الذي قد وجبت له الشفعة لعمرو الذي لا شفعة له قد وهبتك شفعتي التي قد وجبت لي عند خالد أو اشترها مني بكذا لأن الشفعة إنما جعلت للشريك لأجل إزالة

ص: 551

ولا تتم هبة ولا صدقة ولا حبس إلا بالحيازة فإن مات قبل أن تحاز عنه فهي ميراث إلا أن يكون ذلك في المرض فذلك نافذ من الثلث إن كان لغير وارث والهبة لصلة الرحم أو لفقير كالصدقة لا رجوع فيها

ــ

الضرر عنه بأن يدخل عليه من لا يعرف شركته ولا معاملته "ولا تتم هبة ولا صدقة ولا حبس إلا بالحيازة" لا تفترق الهبة والصدقة إلا في شيئين:

أحدهما: أن الهبة تعتصر والصدقة لا تقتصر فإذا وهب الأب لابنه شيئا فله أن يعتصره منه ولا كذلك إذا تصدق عليه.

ثانيهما: أن عود الهبة إلى ملك واهبها ببيع أو هبة أو صدقة أو غير ذلك جائز ولا كذلك الصدقة بل يكره عودها إلى ملك المتصدق بما ذكر من الأنواع المتقدمة في الهبة وحكمها الندب دل عليه الكتاب والسنة والإجماع فمن الكتاب قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ} وقوله: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ} وفي الحديث: "من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب فإن الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل" والإجماع على ذلك حكاه ابن رشد وغيره "فإن مات" الواهب "قبل أن تحاز عنه فهي ميراث" يرثه الورثة وتبطل لمن جعلت له "إلا أن يكون ذلك في المرض فذلك نافذ من الثلث" لأنه خرج مخرج الوصية "إن كان لغير وارث" لأن الوصية للوارث غير جائزة أي غير نافذة أي فهي باطلة وإن أجاز الوارث كان ابتداء عطية منه "والهبة لصلة الرحم" أي الهبة للرحم لأجل صلته "أو لفقير" حكمها "كالصدقة لا رجوع" له "فيها" أما منعه الرجوع في الصدقة والهبة للفقير فإنهما

ص: 552

ومن تصدق على ولده فلا رجوع له وله أن يعتصر ما وهب لولده الصغير أو الكبير ما لم ينكح لذلك أو يداين أو يحدث في الهبة حدثا والأم تعتصر ما دام الأب حيا فإذا مات لم تعتصر ولا يعتصر من يتيم واليتم من قبل الأب وما وهبه لابنه الصغير فحيازته له جائزة إذا لم يسكن ذلك

ــ

خرجتا عن ملكه على طريق الثواب وابتغاء وجه الله تعالى "ومن تصدق على ولده فلا رجوع له" مستغنى عنه بما قبله "وله أن يعتصر ما وهب لولده" أي لا لصلة الرحم ولا لفقره ولا لقصد ثواب الآخرة بل وهبه لوجهه ولا فرق بين أن يكون الولد ذكرا أو أنثى غنيا أو فقيرا "الصغير والكبير ما لم ينكح لذلك" أي للهبة "أو يداين" لها "أو يحدث في الهبة حدثا" مثل أن يهبه حديدا فيصنعه آنية "والأم تعتصر" ما وهبته لولدها سواء كان صغيرا أو كبيرا "ما دام الأب حيا" أي ولو مجنونا زمن الهبة إلا أن تكون قصدت بهبتها صلة رحم أو ثواب آخرة أو لفقره فلا تعتصر وأما إن كان حين الهبة لا أب له فليس لها أن تعتصرها لأنه يتيم وبعد ذلك كالصدقة "فإن مات لم تعتصر ولا يعتصر من يتيم" ويسمى يتيما ما لم يبلغ فإذا بلغ لم يسم يتيما "واليتم من قبل الأب" هذا في الآدمي وأما في الحيوان فمن قبل الأم وفي الطير من قبلهما معا "وما وهبه" الأب "لابنه الصغير فحيازته له جائزة" أي معمول بها ولو استمر عند الأب إلى أن أفلس أو مات "إذا لم يسكن" الأب "ذلك" الشيء الموهوب

ص: 553

أو يلبسه إن كان ثوبا وإنما يجوز له ما يعرف بعينه وأما الكبير فلا تجوز حيازته له ولا يرجع الرجل في صدقته ولا ترجع إليه إلا بالميراث ولا بأس أن يشرب من لبن ما تصدق به ولا يشتري ما تصدق به والموهوب للعوض إما أثاب القيمة أو رد الهبة

ــ

"أو يلبسه إن كان ثوبا" وأما إذا كان الموهوب دار سكناه واستمر ساكنا لجميعها أو أكثرها أو استمر لابسا لما وهبه حتى حصل المانع بطلت الهبة وأما إن سكن الأقل وأكرى الأكثر فلا بطلان "وإنما يجوز له ما يعرف بعينه" مثل أن يقول له وهبتك الدار التي صفتها كذا وكذا وأما ما لا يعرف بعينه فلا مثل أن يقول له وهبتك دارا من دوري "وأما" الابن "الكبير فلا تجوز حيازته" أي حيازة الأب "له" إن كان رشيدا وأما السفيه فتجوز حيازته له وقوله: "ولا يرجع الرجل في صدقته" مفهوم مما تقدم "ولا ترجع" الصدقة "إليه" أي إلى المتصدق بعد الحوز مطلقا أعني كانت بشراء أو غيره ولا يستثنى من ذلك شيء "إلا" إذا كانت "بالميراث" فإنه يجوز له تملكها به إذ لا تسبب منه في رجوعها ولا تهمة فيه "ولا بأس أن يشرب" المتصدق "من لبن ما" أي الشيء الذي "تصدق به" كالبقرة والشاة واستعمل لا بأس هنا لما غيره خير منه "و" كذا "لا يشتري" المتصدق "ما" أي الشيء الذي "تصدق به" لا من المتصدق عليه ولا من غيره وكلامه محتمل للمنع والكراهة وهو المذهب "والموهوب" أي الشيء الذي وهب له "لـ" أجل أخذ "العوض" منه "إما أثاب" أي عاوض "القيمة أو رد الهبة" تعرض هنا لهبة الثواب

ص: 554

فإن فاتت فعليه قيمتها وذلك إذا كان يرى أنه أراد الثواب من الموهوب له ويكره أن يهب لبعض ولده ماله كله وأما الشيء منه فذلك سائغ ولا بأس أن يتصدق على الفقراء بماله كله لله ومن وهب هبة فلم يحزها الموهوب له حتى مرض الواهب

ــ

وهي أن يعطي الرجل شيئا من ماله لآخر ليثيبه عليه وهي عقد معاوضة بعوض مجهول وحكمها الجواز أي المستوي الطرفين قال الباجي هبة الثواب ليست على وجه القربة وإنما هي على وجه المعاوضة فإن الموهوب له إما عاوض القيمة عن عين الهبة أو ردها إذا كانت الهبة قائمة لم تفت يدل عليه قوله: "فإن فاتت فعليه قيمتها وذلك" أي الإثابة بالقيمية أو رد الهبة "إذا كان يرى" بالبناء للمفعول أي يظن "أنه" أي الواهب "أراد" بهبته "الثواب من الموهوب له" يعرف أي يظن ذلك بقرائن الأحوال "و" من كان له ولدان فأكثر ومعه مال "يكره" له كراهة تنزيه على المشهور "أن يهب لبعض ولده ماله كله" أو جله ويمضي ما لم يقم عليه أولاده الآخرون فيمنعونه من ذلك فلهم رده والأصل ما في الحديث من قوله عليه الصلاة والسلام: "اتقوا الله واعدلوا في أولادكم""وأما" إذا وهب له "الشيء" اليسير "منه فذلك سائغ" أي جائز "ولا بأس أن يتصدق على الفقراء بماله كله لله" عز وجل وهو مقيد أيضا بما لم يمنعه ولده من ذلك ومقيد أيضا بما لم يمرض وأما إذا كان مريضا فتخرج من ثلثه "ومن وهب هبة فلم يحزها الموهوب له حتى مرض الواهب" مرضا

ص: 555

أو أفلس فليس له حينئذ قبضها ولو مات الموهوب له كان لورثته القيام فيها على الواهب الصحيح ومن حبس دارا فهي على ما جعلها عليه إن حيزت قبل موته

ــ

مخوفا "أو أفلس فليس له" أي للموهوب له "حينئذ" أي حين مرض الواهب أو أفلس "قبضها" أي الهبة ومثلها الصدقة والحبس "ولو مات الموهوب" أي الذي وهب له وكان حرا قبل قبض الهبة "كان لورثته القيام فيها" أي الهبة "على الواهب الصحيح" غير المفلس ثم انتقل يتكلم على الحبس بضم الحاء وسكون الباء وهو إعطاء المنافع إما على سبيل التأبيد أو على مدة معينة ثم يرجع ملكا وحكمه الندب لأنه من أحسن ما يتقرب به إلى الله والأصل في جوازه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حبس وعمر بن الخطاب وعثمان وعلي وطلحة والزبير رضي الله عنهم وغيرهم من الصحابة دورا وحوائط "ومن حبس" وشرطه أن يكون أهلا للتصرف بأن يكون من أهل التبرع "دارا" وكذا يجوز وقف الحيوان والعروض ويشترط في الموقوف أن يكون مملوكا للواقف ذاتا أو منفعة ولم يتعلق به حق لغيره وإن لم يجز بيعه كجلد الأضحية وكلب الصيد "فهي" أي الدار "على ما جعلها عليه" يفهم منه أنه عين الجهة الموقوف عليها وأما لو أوقف داره ولم يعين الشيء الموقوف عليه فإنه يصرف في غالب مصارف تلك البلد "إن حيزت قبل موته" هذا إذا كان الوقف على معين فإن لم تحز حتى مات الواقف أو أفلس بطل الوقف أما إذا كان على غير معين كالمسجد فلا يحتاج إلى حيازة معين بل إذا خلى بين الناس وبين الصلاة

ص: 556

ولو كانت حبسا على ولده الصغير جازت حيازته له إلى أن يبلغ وليكرها له ولا يسكنها فإن لم يدع سكناها حتى مات بطلت وإن انقرض من حبست عليه رجعت حبسا على أقرب الناس بالمحبس يوم المرجع ومن أعمر رجلا حياته دارا رجعت بعد موت الساكن ملكا لربها وكذلك إن أعمر عقبه

ــ

فيها صح الوقف "ولو كانت" الدار "حبسا على ولد الصغير" الحر "جازت حيازته له إلى أن يبلغ" فغاية الحيازة البلوغ بشرط أن يعلم منه الرشد "وليكرها له" من غيره "ولا يسكنها فإن لم يدع سكناها" أي لم يترك سكناها "حتى مات" أو مرض أو أفلس "بطلت" صوابه بطل أي الحبس وعلى إثبات التاء يحتمل الحيازة وقيدنا الصغير بالحر احترازا عما إذا كان عبدا فإن سيده هو الذي يحوز له "فإن انقرض من حبست" الدار "عليه رجعت حبسا على أقرب الناس بالمحبس" سواء كان المحبس حيا أو ميتا مثل أن يكون للمحبس أخ شقيق وأخ لأب فيموت الشقيق ويترك ابنا ثم ينقرض من حبس عليه فإنه يرجع للأخ للأب دون ابن الأخ الشقيق والعبرة في رجوع الحبس على الأقرب إنما هو "يوم المرجع" لا يوم الحبس لأنه قد يصير البعيد يوم التحبيس قريبا يوم المرجع كالمثال المذكور "ومن أعمر رجلا حياته" أي حياة الرجل "دارا رجعت بعد موت الساكن ملكا لربها" أو لوارثه إن مات "وكذلك إن أعمرها عقبه"

ص: 557

فانقرضوا بخلاف الحبس فإن مات المعمر يومئذ كانت لورثته يوم موته ملكا ومن مات من أهل الحبس فنصيبه على من بقي ويؤثر في الحبس أهل الحاجة بالسكنى والغلة ومن سكن فلا يخرج لغيره

ــ

أي عقب الرجل "فانقرضوا" فإنها ترجع ملكا لربها أو لوارثه إن مات فحقيقة العمرى في العرف أي عرف أهل الشرع هبة منافع الملك مدة عمر الموهوب له أو مدة عمره وعمر عقبه لا هبة الرقبة ولا يتعين التقييد بعمر الموهوب له بل لو قيد بعمر المعمر كانت عمرى أيضا "بخلاف الحبس" فإنه لا يرجع بعد موت المحبس عليه ملكا لربه بل يكون حبسا على أقرب الناس بالمحبس وإنما فارق الحبس العمرى لأن الحبس تمليك الرقاب والعمرى تمليك المنافع "فإن مات المعمر" بكسر الميم "يومئذ كان" ما أعمره وهي الدار "لورثته يوم موته ملكا" قال ابن عمر يحتمل قوله يومئذ أن يعود على يوم التعمير ويكون على هذا إنما يملكون الرقاب دون المنافع ويحتمل أن يعود على موت المعمر فعلى هذا يملكون الرقاب والمنافع

"ومن مات من أهل الحبس" المعينين "فنصيبه" يقسم "على" رؤوس "من بقي" من أصحابه الذكور والإناث فيه سواء "ويؤثر في الحبس أهل الحاجة بالسكنى والغلة" أي يجب على متولي الوقف على غير معين كالفقراء أن يؤثر في قسم الحبس أهل الحاجة والعيال على غيرهم بالسكنى والغلة باجتهاده لأن قصد الواقف الإرفاق وأما لو كان على معينين فإنه يسوي بين الجميع ولا يفضل فقير على غني "ومن سكن" من المحبس عليهم "فلا يخرج لغيره".

ص: 558

إلا أن يكون في أصل الحبس شرط فيمضي ولا يباع الحبس وإن خرب ويباع الفرس الحبس يكلب ويجعل ثمنه في مثله أو يعان به فيه واختلف في المعاوضة بالربع الخرب بربع غير خرب.

ــ

ولولم يجد الغير مسكنا ولا كراء ولو استغنى من سكن لأجل فقره بعد أن سكن لأجل هذا الوصف لأن العبرة بالاحتياج في الابتداء لا في الدوام وأيضا لا تؤمن عودته فإن سبق غير الأحوج وسكن أخرج فإن تساووا في الحاجة فمن سبق بالسكنى فهو أحق "إلا أن يكون في أصل الحبس شرط فيمضي" أي فيجري الحبس على شرط المحبس "ولا يباع الحبس إن خرب" بحيث صار لا ينتفع به ولو لم يرج عوده وكذا لا يجوز بيع أنقاضه وهذا مقيد بما إذا لم يكن الواقف شرط للموقوف عليه بيعه وإلا عمل بالشرط واستثنى في المختصر المقدار الذي احتيج إليه لتوسعة المسجد أي مسجد الجمعة لا غيره ومثل مسجد الجمعة مقبرة المسلمين وطريقهم لأن نفع المسجد والطريق والمقبرة أكثر من نفع الوقف فهو غرض قريب للواقف ويستبدل بالثمن خلافه فإن امتنع فلا يقضى عليه بذلك "ويباع الفرس الحبس يكلب" بفتح الياء واللام والكلب شيء يعتري الخيل كالجنون "و" إذا بيع فإنه "يجعل ثمنه في" شراء فرس "آخر أو يعان به فيه" بأن يجعل ثمنه مع شيء آخر فيشتري به فرس آخر أو يتصدق بثمنه في الجهاد "واختلف في المعاوضة بالربع" الحبس "الخرب بربع غير خرب" حمله بعضهم على ظاهره بأن يعاوض الربع الخرب بربع

ص: 559

والرهن جائز ولا يتم إلا بالحيازة ولا تنفع الشهادة في حيازته إلا بمعاينة البينة وضمان الرهن من المرتهن فيما يغاب عليه ولا يضمن ما لا يغاب عليه

ــ

غير خرب فيدفعه بعينه في الربع الصحيح وحمله آخر على أنه يباع الربع الخرب ويشترى بقيمته صحيحا فيصير ما كان حبسا غير حبس وما ليس بحبس حبسا فالمباع يكون غير حبس والمشترى يكون حبسا قائلا هو البين اه من التتائي والربع بفتح الراء الدار بعينها حيث كانت وجميعها رباع وربوع وأرباع وأربع كذا في التنبيه ثم انتقل يتكلم على الرهن وبدأ بحكمه فقال: "والرهن جائز" حضرا وسفرا وإنما خص السفر في قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} لغلبة فقدان الكاتب الذي هو البينة فيه وقد رهن عليه الصلاة والسلام درعه وهو بالمدينة فدل ذلك على الجواز حضرا "ولا يتم" الرهن "إلا بالحيازة" ظاهره أنه يصح قبل القبض لكن لا يختص المرتهن به عن الغرماء إلا بالقبض قال ابن الحاجب فإن تراخى إلى الفلس أو الموت بطل اتفاقا "ولا تنفع الشهادة في حيازته إلا بمعاينة البينة" قال ابن عمر هذا فيما يبان وينقل وأما إذا رهنه ما لا يبان ولا ينقل فإن الشهادة تنفع فيه على إقرارهما "وضمان الرهن" أي المرهون "من المرتهن" بكسر الهاء آخذ الرهن ما لم يكن بيد أمين فإنه من الراهن وهو دافع الرهن وإنما يلزم المرتهن الضمان "فيما يغاب عليه" كالحلي إلا أن تقوم بينة على هلاكه فلا يضمن "ولا يضمن ما لا يغاب عليه" كالدور والحيوان على المشهور ولو شرط المرتهن نفي الضمان فيما يغاب عليه أو اشترط الراهن الضمان على

ص: 560

وثمرة النخل الرهن للراهن وكذلك غلة الدور والولد رهن مع الأمة الرهن تلده بعد الرهن ولا يكون مال العبد رهنا إلا بشرط وما هلك بيد أمين فهو من الراهن والعارية مؤداة يضمن ما يغاب عليه

ــ

المرتهن فيما لا يغاب عليه ويحلف المتهم لقد ضاع ولا فرطت ولا ضيعت ولا تعديت ولا أعرف موضعه وغير المتهم لا يحلف إلا على عدم التفريط خاصة لأنه لا يتهم في إخفائه "وثمرة النخل الرهن للراهن" وهو دافع الرهن كانت الثمار موجودة أو معدومة حين الرهن مأبورة أو لا إلا أن يشترط ذلك المرتهن فإنها تدخل على أي حالة كانت "وكذلك غلة الدور" للراهن على المشهور إلا أن يشترط المرتهن ذلك فيكون له "والولد رهن مع الأمة الرهن تلده بعد الرهن" ولو شرط عدم دخول الولد في الرهن لم يجز وحينئذ يكون الرهن باطلا "ولا يكون مال العبد رهنا معه إلا بشرط" كان ماله معلوما أو مجهولا لأن رهن الغرر جائز "وما هلك بيد أمين" مما يغاب عليه "فهو من الراهن" دون الأمين لأنه لا ضمان على الأمين ثم انتقل يتكلم على العارية بتشديد الياء وقد عرفها ابن الحاجب بأنها تمليك منافع العين بغير عوض وحكمها الندب وتتأكد في القرابة والجيران والأصحاب والأصل فيها قوله تعالى: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} وفي الحديث أنه عليه الصلاة والسلام استعار من صفوان درعه فقال: أغصبا يا محمد؟ فقال: "لا بل عارية مضمونة " وإلى هنا أشار الشيخ بقوله: "والعارية مؤداة" ثم فسر ذلك بقوله: "يضمن ما يغاب عليه" إلا إذا قامت بينة على هلاكه فإنه لا يضمن على المشهور لأن الضمان للتهمة وهي

ص: 561

ولا يضمن ما لا يغاب عليه من عبد أو دابة إلا أن يتعدى والمودع إن قال رددت الوديعة إليك صدق إلا أن يكون قبضها بإشهاد وإن قال

ــ

تزول بالبينة "ولا يضمن ما لا يغاب عليه من عبد أو دابة" قال ابن عمر وعليه اليمين متهما كان أو غير متهم ولو شرط المعير الضمان على المستعير لا ينفعه ذلك وكذلك لو شرط المستعير على المعير عدم الضمان مما فيه الضمان لا ينفعه وعليه الضمان على أحد قولي ابن القاسم وأشهب ولهما أيضا ينفعه ويعمل بالشرط لأن العارية باب معروف أي وإسقاط الضمان من المعروف ثم استثنى مما لا ضمان فيه صورة فقال: "إلا أن يتعدى" المستعير فيضمن ووجوه التعدي كثيرة منها الزيادة في الحمل والزيادة في المسافة وكذلك يضمن في صورة أخرى وهي أن يتبين كذبه كما إذا قال تلفت في موضع كذا ولم يسمع أحد من الرفقة بتلفها ثم انتقل يتكلم على الوديعة من الودع وهو الترك قال تعالى: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} أي ما ترك عادة إحسانه في الوحي إليك وهي في الاصطلاح: مال وكل على حفظه ويجب رده مهما طلب المالك وانتفى العذر ويصدق في ردها إلى المودع بالكسر إلا أن يقبض ذلك ببينة فلا يبرأ إلا ببينة وإلى ذلك أشار بقوله: "والمودع" بفتح الدال "إن قال رددت الوديعة إليك صدق إلا أن يكون قبضها بإشهاد" فلا يبرأ إلا بإشهاد على ردها لأنه حين أشهد عليه لم يكتف بأمانته ولا بد أن تكون البينة مقصودة للتوثق وبذلك قيد غير واحد المدونة فلا تعتبر البينة إلا إذا قال اشهدوا بأني استودعته كذا وكذا وظاهر قوله صدق أنه لا يمين عليه وعزوا للمدونة أن عليه اليمين "وإن قال"

ص: 562

ذهبت فهو مصدق بكل حال والعارية لا يصدق في هلاكها فيما يغاب عليه ومن تعدى على وديعة ضمنها وإن كانت دنانير فردها في صرتها ثم هلكت فقد اختلف في تضمينه ومن اتجر بوديعة فذلك مكروه والربح له إن كانت عينا وإن باع الوديعة وهي عرض فربها مخير في الثمن

ــ

المودع بفتح الدال "ذهبت" بمعنى تلفت الوديعة "فهو مصدق بكل حال" قبضها بإشهاد أو لا ويحلف المتهم دون غيره على المشهور وقيل يحلف المتهم وغيره وصدر به ابن عمر قاله التتائي وقوله: "والعارية لا يصدق في هلاكها فيما يغاب عليه" تكرار لأنه داخل في قوله: والعارية مؤداة "ومن تعدى على وديعة ضمنها" وأوجه التعدي أشياء كثيرة منها الإيداع عند الغير لغير عذر في السفر والحضر والسفر بها من غير عذر والانتفاع بها فتهلك وإليه يشير قول الشيخ "وإن كانت" الوديعة "دنانير أو دراهم" مربوطة أو مختومة فتسلفها أو بعضها "فرد" مثلها "في صرتها ثم هلكت" الوديعة "فقد اختلف في تضمينه" فقيل عليه الضمان لأنه متعد في حلها وقيل لا ضمان عليه وبه أخذ ابن القاسم وغيره وشهره قال في التوضيح وعليه فلا يصدق إلا بيمين "ومن اتجر بوديعة فذلك مكروه والربح له" أي والخسارة عليه لأنه ضامن وقوله: "إن كانت عينا" قيد في قوله وذلك مكروه تقدير كلامه ومن اتجر بوديعة فذلك مكروه إن كانت عينا قاله الأقفهسي "وإن باع" المودع "الوديعة وهي عرض فربها مخير في" أخذ "الثمن"

ص: 563

أو القيمة يوم التعدي ومن وجد لقطة فليعرفها سنة بموضع يرجو التعريف بها فإن تمت سنة ولم يأت لها أحد فإن شاء حبسها وإن شاء تصدق بها وضمنها لربها إن جاء وإن انتفع بها

ــ

الذي باعها به "أو" في أخذ "القيمة يوم التعدي" هذا إذا فاتت السلعة وأما إن كانت قائمة فهو مخير بين رد البيع وأخذ السلعة وبين أخذ الثمن الذي بيعت به ثم انتقل يتكلم على اللقطة فقال: "ومن وجد لقطة" بضم اللام وفتح القاف ما يلتقط "فليعرفها سنة" وجوبا على الفور فلو توانى حتى ضاعت ثم جاء ربها ضمنها قاله التتائي وإنما وجب تعريفها لأمره عليه الصلاة والسلام بذلك ففي الموطأ أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن اللقطة فقال: "أعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة" الخ الحديث والتعريف سنة مختص بالكثير وأما التافه الذي لا تلتفت إليه النفوس وهو ما دون الدرهم الشرعي كما قاله أبو الحسن شارح المدونة فلا يعرف وما فوق التافه ودون الكثير فيعرف أياما هي مظنة طلبه وأما ما يفسد بالتأخير كالفاكهة فيختص به الملتقط ولا يعرفه والتعريف يكون "بموضع يرجو التعريف بها" أي ثمرة التعريف وهو الموضع الذي التقطت فيه وإذا عرفها لا يذكر جنسها بل يذكرها بأمر عام بأن يقول من ضاع له شيء "فإن تمت سنة ولم يأت لها أحد فإن شاء حبسها وإن شاء تصدق بها" عن نفسه أو عن ربها "و" إذا تصدق بها "ضمنها لربها إن جاء" وإن وجدها ربها قائمة أخذها "وإن انتفع" الملتقط "بها" أي باللقطة

ص: 564

ضمنها وإن هلكت قبل السنة أو بعدها بغير تحريك لم يضمنها وإذا عرف طالبها العفاص والوكاء أخذها ولا يأخذ الرجل ضالة الإبل من الصحراء وله أخذ الشاة وأكلها إن كانت بفيفاء لا عمارة فيها ومن استهلك عرضا

ــ

"ضمنها" إن تلفت وأما إن لم يحصل تلف فإنما يلزمه كراؤها لصاحبها إن كان مثله يكري الدواب "وإن هلكت قبل السنة أو بعدها بغير تحريك" أي تعد وتفسير التحريك بالتعدي إشارة إلى أنه ليس المراد مطلق التحريك إذ قد يكون التحريك مأذونا فيه كما إذا كان للعلف مثيلا "لم يضمنها" لأنها أمانة عنده "وإذا عرف طالبها" أي اللقطة "العفاص" بكسر العين وبالفاء والصاد المهملة وهو الوعاء الذي تكون فيه النفقة "والوكاء" بالمد وهو الخيط الذي يشد به الوعاء "أخذها" ظاهر كلامه أنه لا بد من مجموع الأمرين وليس كذلك بل أحدهما كاف لأنه قد ينسى الآخر وظاهره أيضا أن معرفة عدد الدراهم والدنانير لا تشترط وهو كذلك عند أصبغ واعتبر ذلك ابن القاسم وأشهب والمعتمد ما عليه الإمام أصبغ وغلة اللقطة في مدة التعريف للملتقط "ولا يأخذ الرجل ضالة الإبل من الصحراء" ولا يلحق بضالة الإبل الخيل والحمير بل هي داخلة في اللقطة فلواجدها أخذها "وله" أي للرجل "أخذ الشاة وأكلها إن كانت بفيفاء" وهي الصحراء التي "لا عمارة فيها" ولا ضمان عليه أكلها في الصحراء أو العمران لكن إن أتى بها إلى العمران وهي حية فعليه تعريفها لأنها صارت كاللقطة ثم انتقل يتكلم على ما تبرع به في الباب فقال: "ومن استهلك عرضا

ص: 565

فعليه قيمته وكل ما يوزن أو يكال فعليه مثله والغاصب ضامن لما غصب فإن رد ذلك بحاله فلا شيء عليه وإن تغير في يده فربه مخير بين أخذه بنقصه

ــ

فعليه قيمته" على المشهور ومقابله ما حكى الباجي عن مالك بأن له قولا بأن جميع المتلفات مثلية كقول أبي حنيفة والشافعي وعلى المشهور من اعتبار القيمة فبموضع الاستهلاك سواء كان عمدا أو خطأ إذ العمد والخطأ في أموال الناس سواء "وكل ما يوزن أو يكال" أو يعد مما لا تختلف آحاده كالبيض "فعليه مثله" في الموضع الذي استهلكه فيه ثم انتقل يتكلم على ما ختم به الترجمة وهو الغصب ومعناه اصطلاحا: أخذ مال قهرا تعديا بلا حرابة وحكمه الحرمة لما ورد في شأنه من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية من الآيات: {إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} ومن الأحاديث ما في الصحيحين من قوله عليه الصلاة والسلام: "من أخذ شبرا من أرض ظلما فإنه يطوقه يوم القيامة من سبع أرضين" ومن أحكامه الضمان وإليه أشار بقوله: "والغاصب ضامن لما غصب" قال القرافي وهو أي الغاصب كل آدمي يتناوله عقد الإسلام أو الذمة لقوله عليه الصلاة والسلام: "على اليد ما أخذت حتى ترده" أي ملزمة بدفعه إن كان باقيا أو قيمته أو مثله إن فات والمراد ذي اليد والمشهور أن الضمان يعتبر حالة الغصب إن فات المغصوب "فإن" لم يفت "رد" الغاصب "ذلك" المغصوب "بحاله" إن لم يتغير في بدنه "فلا شيء" أي لا قيمة "عليه" وإنما يلزمه الأدب والتوبة والاستغفار من إثم الاغتصاب "وإن تغير" المغصوب بنقص في ذاته بأمر سماوي حالة كونه "في يده" أي يد الغاصب "فربه مخير بين أخذه بنقصه" من غير

ص: 566

أو تضمينه القيمة ولو كان النقص بتعديه خير أيضا في أخذه وأخذ ما نقصه وقد اختلف في ذلك ولا غلة للغاصب ويرد ما أكل من غلة أو انتفع وعليه الحد إن وطىء وولده رقيق لرب الأمة ولا يطيب لغاصب المال ربحه حتى يرد رأس المال على ربه

ــ

أرش العيب "أو تضمينه" أي الغاصب "القيمة" يوم الغصب "ولو كان النقص" في المغصوب "بتعديه" أي الغاصب "خير" المغصوب منه "أيضا في أخذه وأخذ" أي مع أخذ "ما نقصه" قال الفاكهاني أو تضمينه القيمة يوم التعدي وعن أشهب وابن القاسم في أحد قوليه إنما له أخذ القيمة أو أخذه ناقصا ولا شيء له معه وإلى هذا الخلاف أشار بقوله: "وقد اختلف في ذلك" ثم شرع يبين غلة المغصوب لمن هي فقال: "ولا غلة للغاصب ويرد ما أكل من غلة أو انتفع" ظاهره وجوب رد الغلة مطلقا سواء كان المغصوب ربعا أو حيوانا أو رقيقا أو غير ذلك وهي رواية أشهب وابن زياد عن مالك قال الفاكهاني: وظاهر الكتاب اختصاص الضمان بغلة الرباع دون الرقيق والحيوان وهو قول ابن القاسم في المدونة "وعليه" أي الغاصب "الحد إن" ثبت ببينة أو إقرار أنه "وطىء الأمة" لأنه زان لا شبهة له البتة "وولده رقيق لرب الأمة" لأن كل ولد نشأ عن زنى أو أو عقد نكاح تابع لأمه في الملك "ولا يطيب لغاصب المال ربحه حتى يرد رأس المال على ربه" قال الفاكهاني يعني إذا غصب مالا فاتجر فيه ونما في يده وتعلق بذمته كان الربح له كما أن الضمان عليه ولكنه مكروه

ص: 567