الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فضرب صلى الله عليه وسلم بذلك المثل الأعلى في الشجاعتين: القلبية، والعقلية، مع بعد النظر، وأصالة الرأي، وإصابته؛ فإن من الحكمة أن يتنازل الداعية عن أشياء لا تضره بأصل قضيته لتحقيق أشياء أعظم منها (1).
وجميع ما تقدم نماذج من شجاعته صلى الله عليه وسلم وثباته، وهذا نقطة من بحر، وإلا فإنه لو كتِبَ في شجاعته صلى الله عليه وسلم بالاستقصاء لكُتِبَ مجلدات، فيجب على كل مسلم، وخاصة الدعاة إلى الله- عز وجل أن يتخذوا الرسول صلى الله عليه وسلم قدوةً في كل أحوالهم وتصرفاتهم، وبذلك يحصل الفوز والنجاح، والسعادة في الدنيا والآخرة، {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21] (2)
المسلك الثالث: مواقف الحكمة الفردية:
كان النبي صلى الله عليه وسلم أحكم خلق الله، فقد كان يتألف الناس ليدخلوا في الإسلام، ويصبر على أذاهم، ويعفو عن إساءتهم، ويقابلها بالإحسان، وله صلى الله عليه وسلم مواقف في الكرم، والجود، والعفو، والحلم، والرفق، والعدل، تظهر في النقاط الآتية:
1 صلى الله عليه وسلم مع ثمامة بن أثال، سيد أهل اليمامة: روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خيلا قِبَلَ نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة، يقال له: ثمامة بن أثال، سيد أهل اليمامة، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:"ماذا عندك يا ثمامة؟ " فقال: عندي
(1) انظر وثيقة صلح الحديبية كاملة في البخاري مع الفتح 5/ 329، وشرح الوثيقة في الفتح 5/ 333 - 352، ومسند أحمد، 4/ 328 - 331، وانظر. هذا الحبيب يا محب ص 532.
(2)
سورة الأحزاب، الآية 21.
يا محمد خير، إن تقتل تقتل ذا دم (1) وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فتركه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كان بعد الغد، فقال:"ما عندك يا ثمامة " فقال: ما قلت لك، إن تنعم تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فتركه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كان من الغد، فقال:"ماذا عندك يا ثمامة؟ " فقال: عندي ما قلت لك، إن تنعم تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال، فسل تعط منه ما شئت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أطلقوا ثمامة "، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل، ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، يا محمد! والله ما كان على الأرض وجه أبغض إليَّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إليَّ، والله ما كان من دين أبغض إليَّ من دينك، فأصبح دينك أحب الدين كله إليَّ، والله ما كان من بلد أبغض إليَّ من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إليَّ، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى؟ فبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل: أصبوت؟ فقال: [لا والله]، ولكني أسلمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم» (2).
«ثم خرج- رضي الله عنه إلى اليمامة فمنعهم أن يحملوا إلى مكة شيئًا، فكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك تأمر بصلة الرحم، وإنك قد قطعت
(1) معناه: إن تقتل تقتل صاحب دم يدرك قاتله به ثأره لرئاسته وفضيلته، وقيل: معناه نقتل من عليه دم مطلوب به، وهو مستحق عليه فلا عتب عيك في قتله. انظر: فتح الباري 8/ 88.
(2)
البخاري مع الفتح، كتاب المغازي، باب وفد بني حنيفة وحديث ثمامة بن أثال 8/ 87، ومسلم - واللفظ له إلا ما بين المعكوفين فمن البخاري- في كتاب الجهاد والسير، باب ربط الأسير وحبسه وجواز المن عليه 3/ 1386.
أرحامنا، وقد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع، فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ثمامة أن يخلي بينهم وبين الحمل» (1) وذكر ابن حجر أن ابن منده روى بإسناده عن ابن عباس قصة إسلام ثمامة ورجوعه إلى اليمامة، ومنعه عن قريش الميرة، وَنزول قوله تعالى:{وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} [المؤمنون: 76](2) وقد ثبت ثمامة على إسلامه لما ارتد أهل اليمامة، وارتحل هو ومن أطاعه من قومه، فلحقوا بالعلاء بن الحضرمي، فقاتل معه المرتدين من أهل البحرين (3).
الله أكبر، ما أحكم النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم. وما أعظمه من موقف، فقد كان صلى الله عليه وسلم يتألف القلوب، ويلاطف من يرجى إسلامه من الأشراف الذين يتبعهم على إسلامهم خلق كثير.
وهكذا ينبغي للدعاة إلى الله- عز وجل أن يعظموا أمر العفو عن المسيء، لأن ثمامة أقسم أن بغضه انقلب حبًّا في ساعة واحدة؛ لما أسداه النبي صلى الله عليه وسلم إليه من العفو والمنّ بغير مقابل، وقد ظهر لهذا العفو الأثر الكبير في حياة ثمامة، وفي ثباته على الإسلام ودعوته إليه (4).
(1) سيرة ابن هشام 4/ 317. بتصرف يسير، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري 8/ 88.
(2)
سورة المؤمنون، الآية 76. وقال ابن حجر عن هذا الأثر: إسناده حسن. انظر: الإصابة في تمييز الصحابة 1/ 253.
(3)
انظر: الإصابة في تمييز الصحابة 1/ 203 وهناك أبيات شعرية له رضي الله عنه تدل على تأثره بعفوه صلى الله عليه وسلم.
(4)
انظر. شرح النووي على مسلم12/ 89، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري 8/ 88.
2 -
موقفه صلى الله عليه وسلم مع الأعرابي الذي أراد قتله: روى البخاري ومسلم، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: غزونا مع رسول صلى الله عليه غزوة قِبَل نجد (1) فأدركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في واد كثير العضاه، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة، فعلق سيفه بغصن من أغصانها، قال: وتفرق الناس في الوادي يستظلون بالشجر، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن رجلا أتاني وأنا نائم، فأخذ السيف، فاستيقظت وهو قائم على رأسي، فلم أشعر إلا والسيف صلتا (2) في يده، فقال لي، من يمنعك مني؟ قال: قلت: الله، ثم قال في الثانية: من يمنعك مني؟ قال: قلت الله، قال: فشام السيف (3) فها هو ذا جالس» ، ثم لم يعرض له رسول الله صلى الله عليه وسلم (4) الله أكبر، ما أعظم هذا الخلق! وما أكبر أثره في النفس! أعرابي يريد قتل النبي صلى الله عليه وسلم ثم يعصمه الله منه، ويمكِّنه من القدرة على قتله، ثم يعفو عنه! إن هذا لخلق عظيم، وصدق الله العظيم إذ يقول للنبي صلى الله عليه وسلم:{وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4](5) وهذا الخلق الحكيم قد أثر في حياة الرجل، وأسلم بعد ذلك، فاهتدى به خلق كثير (6).
(1) وقع في رواية البخاري التصريح باسمها " ذات الرقاع"، انظر: البخاري مع الفتح 7/ 426.
(2)
والسيف صلتا: أي مسلولا. انظر: شرح النووي 15/ 45.
(3)
شام السيف: أي رده في غمده. انظر: المرجع السابق15/ 45.
(4)
البخاري مع الفتح، كتاب الجهاد، باب من علق سيفه بالشجر في السفر عند القائلة، 6/ 96، 97، وكتاب المغازي، باب غزوة ذات الرقاع، 7/ 426، ومسلم، واللفظ له، كتاب الفضائل، باب توكله على الله- تعالى-، وعصمة الله- تعالى- له من الناس، 4/ 1786، 1/ 576، وأحمد 3/ 311، 364. وانظر: الأخلاق الإسلامية وأسسي للميداني فقد ذكر رواية مطولة عزاها لأب بكر الإسماعيلي في صحيحه 2/ 335.
(5)
سورة القلم، الآية 4.
(6)
انظر: فتح الباري7/ 428، وشرح النووي على مسلم 15/ 44، وذكر ابن حجر والنووي في هذا الموضع أن اسم الأعرابي: غورث بن الحارث، بل ذكره البخاري في صحيحه برقم 4136.
3 -
موقفه صلى الله عليه وسلم مع اليهودي زيد بن سعنة، أحد أحبار اليهود: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعفو عند القدرة، ويحلم عند الغضب، ويحسن إلى المسيء، وقد كانت هذه الأخلاق العالية من أعظم الأسباب في إجابة دعوته والإيمان به، واجتماع القلوب عليه، ومن ذلك ما فعله مع زيد بن سعنة، أحد أحبار اليهود وعلمائهم الكبار (1) جاء زيد بن سعنة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلبه دينا له عليه، فأخذ بمجامع قميصه وردائه وجذبه، وأغلظ له القول، ونظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم بوجه غليظ وقال: يا محمد ألا تقضيني حقي، إنكم يا بني عبد المطلب قوم مُطْلٌ، وشدّد له في القول، فنظر إليه عمر وعيناه تدوران في رأسه كالفلك المستدير، ثم قال: يا عدو الله، أتقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما أسمع، وتفعل ما أرى، فوالذي بعثه بالحق لولا ما أحاذر لومه لضربت بسيفي رأسك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى عمر في سكون وتُؤَدَةٍ وتَبَسُّمٍ، ثم قال:«أنا وهو يا عمر كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر أن تأمرني بحسن الأداء، وتأمره بحسن التقاضي، اذهب به يا عمر فاقضه حقه، وزده عشرين صاعًا من تمرٍ"،» فكان هذا سببًا لِإسلامه، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
وكان زيد قبل هذه القصة يقول: «لم يبق شيء من علامات النبوة إلا وقد عرفتها في وجه محمد صلى الله عليه وسلم إلا اثنتين لم أخبرهما منه: يسبق حلمه جهله، ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلمًا» (2)
(1) انظر: هذا الحبيب يا محب ص 528، وهداية المرشدين ص 384.
(2)
ذكر ابن حجر في كتاب الإصابة في تمييز الصحابة هذه القصة، وعزاها إلى الطبراني، والحاكم، وأبي الشيخ في كتابه أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم، وابن سعد، وغيرهم، ثم قال ابن حجر: ورجال إسناده موثقون. . ومحمد بن أبي السري وثقه ابن معين. . والوليد قد صرح بالتحديث 1/ 566 وذكره ابن كثير في البداية والنهاية، وعزاه إلى أب نعيم في الدلائل. البداية والنهاية 2/ 1310. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 8/ 240: رواه الطبراني، ورجاله ثقات.
فاختبره بهذه الحادثة فوجده كما وُصِفَ، فأسلم وآمن وصدق، وشهد مع النبي صلى الله عليه وسلم مشاهده، واستشهد في غزوة تبوك مقبلا غير مدبر (1) فقد أقام محمد صلى الله عليه وسلم براهين عديدة من أخلاقه على صدقه، وأن ما يدعو إليه حق.
4 -
موقفه صلى الله عليه وسلم مع الأعرابي الذي بال في المسجد: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «بينما نحن في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء أعرابي، فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَه مَه (2) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تزرموه (3) دعوه "، فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاه فقال له:"إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول، ولا القذر، إنما هي لذكر الله، والصلاة، وقراءة القرآن "، أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: فأمر رجلًا من القوم فجاء بدلو من ماء فشنّه (4) عليه» (5). وقد ثبت في البخاري وغيره أن هذا الرجل هو الذي قال: «اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا» ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة وقمنا معه، فقال أعرابي وهو في الصلاة:
(1) الإصابة في تمييز الصاحبة 1/ 566.
(2)
مه: كلمة زجر، وهو اسم مبني على السكون، معناه: اسكت. وقيل: أصلها: ما هذا؟ انظر: شرح النووي 3/ 193.
(3)
لا تزرموه: أي لا تقطعوا عليه بوله. والإزرام: القطع. انظر: المرجع السابق 3/ 190.
(4)
شنه: أي صبه عليه. انظر. المرجع السابق3/ 193.
(5)
أخرجه مسلم بلفظه في كتاب الطهارة، باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات إذا حصلت في المسجد وأن الأرض تطهر بالماء من غير حاجة إلى حفرها 1/ 236، والبخاري مع الفتح بمعناه مختصرا في كتاب الوضوء باب ترك النبي صلى الله عليه وسلم والناس الأعراب حتى فرغ من بوله في المسجد 1/ 322، وروايات بول الأعرابي في البخاري في عدة مواضع1/ 223، 10/ 449، 10/ 525.
اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا، فلما سلم النبي صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي:"لقد حجرت واسعًا» يريد رحمة الله (1) وتفسر هذه الرواية الروايات الأخرى عند غير البخاري، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «دخل رجل أعرابي المسجد فصلى ركعتين، ثم قال: اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا! فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "لقد تحجّرت واسعًا"، ثم لم يلبث أن بال في المسجد، فأسرع الناس إليه فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين، أهريقوا عليه دلوًا من ماء، أو سجلا من ماء» (2) قال: يقول الأعرابي بعد أن فقه، «فقام النبي صلى الله عليه وسلم إليّ بأبي وأمي فلم يسب، ولم يؤنب، ولم يضرب» (3) النبي صلى الله عليه وسلم أحكم خلق الله، فمواقفه وتصرفاته كلها مواقف حكمة مشرفة، ومن وقف على أخلاقه ورفقه وعفوه وحلمه، ازداد يقينه وإيمانه بذلك.
وهذا الأعرابي قد عمل أعمالًا تثير الغضب، وتسبب عقوبته وتأديبه من الحاضرين؛ ولذلك قام الصحابة إليه، واستنكروا أمره، وزجروه، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يقطعوا عليه بوله.
وهذا في غاية الرفق والحلم والرحمة، يجمع ذلك كله الحكمة، فقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم بالحكمة على هذا الأعرابي عمله، فقال له حينما قال: "اللهم
(1) البخاري مع الفتح، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم10/ 438.
(2)
أخرجه الترمذي بنحوه في كتاب الطهارة، باب ما جاء في البول يصيب الأرض1/ 275، وأخرجه أحمد في المسند بترتيب أحمد شاكر واللفظ لأحمد12/ 244، برقم 7254، وأخرجه أحمد أيضا مطولًا 20/ 134 برقم 10450، وأبو داود مع العون2/ 39.
(3)
أخرجه أحمد في المسند بترتيب أحمد شاكر، وهو تكملة للحديث السابق من رواية أبي هريرة رضي الله عنه20/ 134، برقم 10540، وابن ماجه1/ 175.
ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا":«لقد حجرت واسعًا» ، يريد صلى الله عليه وسلم رحمة الله، فإن رحمة الله قد وسعت كل شيء، قال عز وجل:{وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: 156](1) فقد بخل هذا الأعرابي برحمة الله على خلقه. وقد أثنى عز وجل على من فعل خلاف ذلك حيث قال: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ} [الحشر: 10](2) وهذا الأعرابي قد دعا بخلاف ذلك فأنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم بالحكمة (3).
وحينما بال في المسجد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتركه؛ لأنه قد شرع في المفسدة، فلو منع ذلك لزادت المفسدة، وقد حصل تلويث جزء من المسجد، فلو منعه صلى الله عليه وسلم بعد ذلك لدار بين أمرين:
1 -
إما أن يقطع عليه بوله، فيتضرر الأعرابي بحبس البول بعد خروجه.
2 -
وإما أن يقطعه فلا يأمن من تنجيس بدنه، أو ثوبه، أو مواضع أخرى من المسجد.
فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالكف عنه للمصلحة الراجحة، وهي دفع أعظم المفسدتين أو الضررين باحتمال أيسرهما، وتحصيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما (4)
(1) سورة الأعراف، الآية 156.
(2)
سورة الحشر الآية 10.
(3)
انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري 10/ 439.
(4)
انظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري1/ 325، وشرح النووي على مسلم3/ 191.
وهذا من أعظم الحكم العالية، فقد راعى النبي صلى الله عليه وسلم هذه المصالح، وما يقابلها من المفاسد، ورسم صلى الله عليه وسلم لأمته والدعاة من بعده كيفية الرفق بالجاهل، وتعليمه ما. يلزمه من غير تعنيف، ولا سبٍّ ولا إيذاء ولا تشديد، إذا لم يكن ذلك منه عنادًا ولا استخفافًا، وقد كان لهذا الاستئلاف والرحمة والرفق الأثر الكبير في حياة هذا الأعرابي وغيره، فقد قال بعد أن فقه- كما تقدم- في رواية الإمام أحمد: فقام النبي صلى الله عليه وسلم إليّ بأبي وأمي، فلم يسبّ، ولم يؤنّب، ولم يضرب (1) قد أثر هذا الخلق العظيم في حياة الرجل (2) 5 - موقفه صلى الله عليه وسلم مع معاوية بن الحكم: عن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه قال: «بينا أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله! فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أمياه ما شأنكم تنظرون إليّ؟، فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم فلما رأيتهم يصمتونني، لكني سكت، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبأبي هو وأمي ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فوالله ما كهرني (3) ولا ضربني ولا شتمني، قال:"إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القران "، أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(1) أخرجه ابن ماجه في كتاب الطهارة، باب الأرض يصيبها البول كيف تغسل 1/ 175، وتقدم تخريجه عند أحمد.
(2)
انظر: فتح الباري1/ 325، وشرح النووي3/ 191، وعون المعبود شرح سنن أبي داود2/ 39، وتحفة الأحوذي، شرح سنن الترمذي 1/ 457.
(3)
ما كهرني: أي ما قهرني ولا ضرني. انظر: شرح النووي 5/ 20.
قلت: يا رسول الله! إني حديث عهد بجاهلية، وقد جاء الله بالإسلام، وإن منا رجالًا يأتون الكهان، قال:"فلا تأتهم ".
قال: ومنا رجال يتطيرون، قال:"ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم "(1)(قال ابن الصلاح: فلا يصدنكم)، قال: قلت: ومنا رجال يخطون. قال: "كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه فذاك "(2) قال: وكانت لي جارية ترعى غنمًا لي قبل أحد والجوَانيّة (3) فاطلعت ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بني آدم، آسف كما يأسفون، لكني صككتها صكة، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعظم ذلك عليَّ، قلت: يا رسول الله! أفلا أعتقها؟ قال: "ائتني بها"، فأتيته بها، فقال لها:"أين الله؟ " قالت: في السماء، قال:"من أنا؟ " قالت: أنت رسول الله. قال: "أعتقها فإنها مؤمنة» (4) وهذا الموقف من أعظم الحكم البارزة السامية التي أوتيها النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ظهر أثر ذلك في حياة ونفس معاوية رضي الله عنه؛ لأن النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها، ولهذا قال معاوية رضي الله عنه: ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه.
(1) قال العلماء. معناه أن الطيرة شيء تجدونه في نفوسكم ضرورة، ولا عتب عليكم في ذلك، ولكن لا تمتنعوا بسببه من التصرف في أموركم. انظر: المرجع السابق5/ 22.
(2)
اختلف العلماء في معناه، والصحيح أن معناه: من وافق خطه فهو مباح له؛ ولكن لا طريق لنا إلى العلم اليقيني بالموافقة فلا يُباح، والمقصود أنه حرام؛ لأنه لا يُباح إلا بيقين الموافقة، وليس لنا يقين بها، وقيل. إنه نُسِخَ في شرعنا- فحصل من مجموع كلام العلماء فيه الاتفاق على النهي عنه الآن فهو محرم. انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، 5/ 23.
(3)
الجوانية: موضع في شمال المدينة بقرب جبل أحد. انظر: المرجع السابق 5/ 23.
(4)
أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحته 1/ 381، وانظر شرحه في شرح مسلم للنووي 5/ 20.
6 -
موقفه صلى الله عليه وسلم مع الطفيل بن عمرو الدوسي: من مواقف الحكمة ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه، فقد أسلم الطفيل رضي الله عنه قبل الهجرة في مكة، ثم رجع إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام، فبدأ بأهل بيته، فأسلم أبوه وزوجته، ثم دعا قومه إلى الله- عز وجل فأبت عليه وعصت، وأبطؤوا عليه، فجاء الطفيل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر له أن دوسًا هلكت وكفرت وعصت وأبت. فعن أبي هريرة - رضىِ الله عنه- قال:«جاء الطفيل بن عمرو الدوسي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن دوسًا قد عصت وأبت، فادع الله عليهم، فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم القبلة، ورفع يديه، فقال الناس: هلكوا. فقال: "اللهم اهد دوسًا، وائت بهم، اللهم اهد دوسًا، وائت بهم» (1).
وهذا يدل على حلم النبي صلى الله عليه وسلم وصبره وتأنيه في الدعوة إلى الله- عز وجل؛ فإنه صلى الله عليه وسلم لم يعجل بالعقوبة، أو الدعاء على من رد الدعوة؛ ولكنه صلى الله عليه وسلم دعا لهم بالهداية، فاستجاب الله دعاءه، وحصل على ثمرة الصبر والتأني وعدم العجلة، فقد رجع الطفيل إلى قومه، ورفق بهم، فأسلم على يديه خلق كثير، ثم قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر، فدخل المدينة بثمانين أو تسعين بيتًا من دوس، ثم لحقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم بخيبر، فأسهم لهم مع المسلمين (2)
(1) البخاري مع الفتح، في كتاب الجهاد، باب الدعاء للمشركين بالهدى ليتألفهم 6/ 107، وفي كتاب المغازي، باب قصة دوس والطفيل بن عمرو الدوسي 8/ 101، وفي كتاب الدعوات، باب الدعاء على المشركين11/ 196، ومسلم، في كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل غفار وأسلم وجهينة وأشجع وتميم ودوس وطيء 4/ 1957، وأخرجه أحمد واللفظ له 2/ 243، 448، وانظر: البداية والنهاية 6/ 337، 3/ 99، وسير ابن هشام1/ 407.
(2)
انطر: سير أعلام النبلاء للذهبي1/ 346، وزاد المعاد3/ 626، والإصابة في تمييز الصحابة 2/ 225.
الله أكبر! ما أعظمها من حكمة أسلم بسببها ثمانون أو تسعون أسرة. وهذا مما يوجب على الدعاة إلى الله عز وجل العناية بالحكمة في دعوتهم، ولا يحصل لهم ذلك إلا بفضل الله ثم معرفة هدي النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته.
7 -
موقفه صلى الله عليه وسلم مع الشاب الذي استأذنه في الزنا: عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: «إن فتًى شابًّا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مه مه! فقال له: " ادنه "، فدنا منه قريبًا، قال: " أتحبّه لأمّك؛ " قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: " ولا الناس يحبونه لأمهاتهم " قال: " أفتحبه لابنتك؟ " قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداءك. قال " ولا الناس يحبونه لبناتهم " قال: " أفتحبه لأختك؟ " قال: لا والله، جعلني الله فداءك. قال: " ولا الناس يحبونه لأخواتهم ". قال: " أفتحبه لعمتك؟ " قال: لا والله، جعلني الله فداءك. قال: " ولا الناس يحبونه لعماتهم ". قال: " أفتحبه لخالتك؟ " قال: لا والله، جعلني الله فداءك. قال: " ولا الناس يحبونه لخالاتهم " قال: فوضع يده عليه، وقال: " اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصّن فرجه "، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء» (1).
وهذا الموقف الحكيم العظيم مما يؤكد على الدعاة إلى الله عز وجل أن يعتنوا بالرفق والإِحسان إلى الناس، ولا سيما من يرغَبُ في استئلافهم ليدخلوا في الإسلام، أو ليزيد إيمانهم ويثبتوا على إسلامهم. وكما بين لنا الرسول صلى الله عليه وسلم الرفق بفعله بينه لنا بقوله وأمرنا بالرفق في الأمر
(1) أخرجه أحمد في المسند من حديث أبي أمامة رضي الله عنه، 5/ 256، 257، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، وعزاه إلى الطبراني وقال: رجاله رجال الصحيح 1/ 129، وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني، برقم 370 ج 1.
كله. فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «دخل رهط من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: السامُ عليكم. قالت عائشة: ففهمتها فقلت: وعليكم السامُ واللعنة. قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " مهلًا يا عائشة إن الله يُحبّ الرفق في الأمر كله "، فقلت: يا رسول الله أو لم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قد قلت وعليكم» (1).
وقال صلى الله عليه وسلم: «يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يُعطي على العُنْف، وما لا يُعطي على ما سواه» (2).
وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنْزَع من شيءٍ إلا شانه» (3).
وبين صلى الله عليه وسلم أن من حُرمَ الرفق فقد حُرمَ الخير، قال صلى الله عليه وسلم:«من يحرم الرفق يحرم الخير» (4).
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أُعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من الخير، ومن حُرمَ حظه من الرفق فقد حرم حظه من الخير» (5) وعنه رضي الله عنه يبلغَ به قال: «من أعطي حظه من الرفق أعطي حظه من الخير، وليس شيء أثقل في الميزان من الخُلُق الحسن» (6). وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: «إنه من
(1) البخاري مع الفتح، كتاب الأدب باب الرفق في الأمر كله 10/ 449.
(2)
أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل الرفق، عن عائشة رضي الله عنها، 4/ 2004.
(3)
المرجع السابق، في الكتاب والباب المشار إليهما سابقًا، 4/ 2004 عن عائشة رضي الله عنها أيضًا.
(4)
المرجع السابق، في الكتاب والباب المشار إليهما سابقًا عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه، 4/ 2003.
(5)
أخرجه الترمذي في كتاب البر والصلة، باب ما جاء في الرفق 4/ 367، وقال حديث حسن صحيح، وانظر: صحيح الترمذي، 2/ 195.
(6)
أخرجه أحمد في المسند 6/ 451، انظر الأحاديث الصحيحة للألباني رقم 876، فقد ذكر له شواهد كثيرة.
أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة، وصلة الرحم، وحسن الخلق، وحسن الجوار يعمران الديار ويزيدان في الأعمار» (1).
فقد عظّم النبي صلى الله عليه وسلم شأن الرفق في الأمور كلها، وبين ذلك بفعله وقوله بيانًا شافيًا كافيًا؛ لكي تعمل أمّته بالرفق في أمورها كلها، وخاصة الدعاة إلى الله عز وجل؛ فإنهم أولى الناس بالرفق في دعوتهم، وفي جميع تصرفاتهم، وأحوالهم. وهذه الأحاديث السابقة تُبيّن فضل الرفق، والحث على التخلق له، ولغيره من الأخلاق الحسنة، وذم العنف وذم من تخلق به.
فالرفق سبب لكل خير؛ لأنه يحصل به من الأغراض ويسهل من المطالب، ومن الثواب ما لا يحصل بغيره، وما لا يأتي من ضده (2).
وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من العنف، وعن التشديد على أمته صلى الله عليه وسلم، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بيتي هذا: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشقّ عليهم، فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به» (3) وكان صلى الله عليه وسلم إذا أرسل أحدًا من أصحابه في بعض أموره أمرهم بالتيسير ونهاهم عن التنفير.
فعن أبي موسى رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أحدًا من أصحابه في بعض أموره قال: «بشّرُوا ولا تُنفَرُوا، ويسِّرُوا ولا تُعسِّروا» (4).
(1) أخرجه أحمد 6/ 159 وإسناده صحيح، انظر الأحاديث الصحيحة للألباني برقم 519.
(2)
انظر شرح النووي على مسلم 16/ 145، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري، 10/ 449، وتحفة الأحوذي بشرح سنن الترمذي 6/ 154.
(3)
أخرجه مسلم في كتاب الجهاد باب فضيلة الإمام العادل، وعقوبة الجائر والحث على الرفق بالرعية والنهي عن إدخال المشقة عليهم 3/ 1458.
(4)
أخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير باب الأمر بالتيسير وترك التنفير 3/ 1358.
وقال صلى الله عليه وسلم لأبي موسى الأشعري ومعاذ رضي الله عنهما حينما بعثهما في اليمن: «يسِّرا ولا تُعسِّرا، وبشِّرَا ولا تُنفرَا، وتطاوَعَا ولا تختلفَا» (1).
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشِّروا ولا تُنفِّروا» (2).
في هذه الأحاديث الأمر بالتيسير والنهي عن التنفير، وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الألفاظ بين الشيء وضده، لأن الإنسان قد يفعل التيسير في وقت والتعسير في وقت، ويبشر في وقت وينفر في وقت آخر فلو اقتصر على يسروا لصدق ذلك على من يصر مرة أو مرات، وعسر في معظم الحالات؛ فإذا قال ولا تعسِّروا انتفى التعسير في جميع الأحوال من جميع وجوهه وهذا هو المطلوب. وكذا يقال في يسّرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا؛ لأنهما قد يتطاوعان في وقت ويختلفان في وقت وقد يتطاوعان في شيء ويختلفان في شيء، والنبي صلى الله عليه وسلم قد حث في هذه الأحاديث وفي غيرها على التبشير بفضل الله وعظيم ثوابه، وجزيل عطائه، وسعة رحمته، ونهى عن التنفير بذكر التخويف وأنواع الوعيد محضة من غير ضمها إلى التبشير، وهذا فيه تأليف لمن قرب إسلامه وترك التشديد عليه، وكذلك من قارب البلوغ من الصبيان، ومن بلغ، ومن تاب من المعاصي كلهم ينبغي أن يتدرج معهم ويُتلطّف بهم في أنواع الطاعات قليلًا قليلًا، وقد كانت أمور الإسلام في التكليف على التدريج فمتى يُسِّرَ على الداخل في الطاعة، أو المريد للدخول فيها سهلت عليه وكانت عاقبته غالبًا الازدياد منها، ومتى عُسِّرت عليه أوشك أن لا يدخل فيها، وإن دخل أوشك أن لا يدوم ولا
(1) البخاري مع الفتح في كتاب المغازي باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع 8/ 62، ومسلم في كتاب الجهاد والسير باب الأمر بالتيسير وترك التنفير 3/ 1359، واللفظ له.
(2)
البخاري مع الفتح في كتاب العلم باب ما كان صلى الله عليه وسلم يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا 1/ 163، ومسلم في كتاب الجهاد والسير باب في الأمر بالتيسير وترك التنفير 3/ 1359.
يستحليها (1). وهكذا تعليم العلم ينبغي أن يكون بالتدريج، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم.
يتخوّل أصحابه بالموعظة في الأيام كراهة السَّآمة عليهم (2).
فصلوات الله وسلامه عليه فقد دل أمته على كل خير وحذرهم من كل شر، ودعا على من شق على أمته، ودعا لمن رفق بهم كما تقدم في حديث عائشة وهذا من أبلغ الزواجر عن المشقة على الناس، وأعظم الحث على الرفق بهم (3).
8 -
موقفه صلى الله عليه وسلم مع من شفع في ترك إقامة الحد: قد كان النبي صلى الله عليه وسلم أعدل البشر في جميع أموره وأحكامه، ومما يضرب به المثل في عدله إلى يوم القيامة قصة المخزومية التي سرقت فقطع يدها بعد أن شفع فيها أسامة، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحابِ في ذلك، ولم يقبل الشفاعة في حد من حدود الله تعالى.
فعن عائشة رضي الله عنها «أن قريشًا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الفتح، فقالوا. من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد، حب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأُتي بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلمه فيها أسامة بن زيد، فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:" أتشفع في حد من حدود الله؟ " فقال له أسامة: استغفر لي يا رسول الله! فلما كان العشي قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختطب فأثنى على الله بما هو أهله، فقال:" أما بعد، أيها الناس. إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وإني والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ".
(1) انظر شرح النووي على مسلم 12/ 41 بتصرف يسير وفتح الباري 1/ 163.
(2)
انظر فتح الباري 1/ 162، 163.
(3)
انظر شرح النووي على مسلم 12/ 213.
ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها.
قالت عائشة: فحسنت توبتها بعد، وتزوجت، وكانت تأتيني فأرفع حاجتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم» (1).
إن العدل خلاف الجور، وقد أمر الله عز وجل به في القول والحكم، فقال تعالى:{وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} [الأنعام: 152](2) وقال: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء: 58](3).
ولا شك أن هذا الموقف الحكيم وغيره من مواقفه صلى الله عليه وسلم مما يوجب على الدعاة تطبيقها أسوة به صلى الله عليه وسلم (4).
9 -
موقفه صلى الله عليه وسلم الحكيم في الكرم والجود: عن أنس رضي الله عنه قال: «ما سُئِلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإِسلام شيئًا إلا أعطاه قال: فجاءَه رجلٌ فأعطاه غنمًا بين جبلين فرجع إلى قومه فقال: يا قوم، أسلموا؛ فإن محمدًا يعطي عطاءً لا يخشى الفاقة» (5).
(1) البخاري مع الفتح بنحوه مختصرًا في كتاب الحدود، باب إقامة الحد على الشريف والوضيع 12/ 86، وباب كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان 12/ 87، 6/ 513، 5/ 192، ورواه مسلم بلفظه في كتاب الحدود، باب قطع السارق الشريف وغيره، والنهي عن الشفاعة في الحدود 3/ 1315، وانظر: شرح النووي 11/ 186، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري 12/ 95، 96.
(2)
سورة الأنعام، الآية 152.
(3)
سورة النساء، الآية 58.
(4)
انظر مواقف حكيمة في هذا الشأن في: سنن أبي داود 2/ 242، والترمذي 3/ 137، والنسائي 7/ 64، وانظر أيضًا: البخاري مع الفتح 3/ 292، 2/ 143، 11/ 312، 12/ 112، ومسلم 3/ 458، وهذا الحبيب يا محب ص 534، 535.
(5)
مسلم، كتاب الفضائل، باب ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا قط فقال: لا، وكثرة عطائه 4/ 1806.
وهذا الموقف الحكيم العظيم يدل على عظم سخاء النبي جمعيه، وغزارة جوده (1).
وكان صلى الله عليه وسلم يعطي العطاء ابتغاء مرضاة الله عز وجل، وترغيبًا للناس في الإسلام، وتأليفًا لقلوبهم، وقد يُظهر الرجل إسلامه أولًا للدنيا ثم - بفضل الله تعالى، ثم بفضل النبي صلى الله عليه وسلم ونور الإِسلام - لا يلبث إلا قليلًا حتى ينشرح صدره للإِسلام بحقيقة الإِيمان، ويتمكن من قلبه، فيكون حينئذ أحب إليه من الدنيا وما فيها (2).
ولهذا شواهد كثيرة، منها: ما رواه مسلم في صحيحه «أن النبي صلى الله عليه وسلم غزا غزوة الفتح - فتح مكة - ثم خرج صلى الله عليه وسلم بمن معه من المسلمين فاقتتلوا بحنين، فنصر الله دينه والمسلمين، وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ صفوان بن أمية مائة من الغنم، ثم مائة، ثم مائة. قال صفوان: والله لقد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إلي، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي» (3).
وقال أنس رضي الله عنه: «إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا فما يسلم حتى يكون الإِسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها» (4).
(1) انظر أمثلة كثيرة من كرمه وجوده في البخاري مع الفتح، كتاب بدء الوحي، باب حدثنا عبدان 1/ 30، وكتاب الأدب باب حسن الخلق وما يكره من البخل 10/ 455، وكتاب الرقاق، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: لو أن عندي مثل أحد ذهبًا 11/ 264، 11/ 303، وكتاب الكفالة، باب من تكفل عن ميت دينًا فليس له أن يرجع 4/ 474، وكتاب التمني، باب تمني الخير، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لو كان لي أحدًا ذهبًا 13/ 17، ومسلم، كتاب الفضائل، باب ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا قط فقال: لا، وكثرة عطائه 4/ 1805، 1806، وكتاب الزكاة، باب من سأل بفحش وغلظة 2/ 730، وباب وتغليظ عقوبة من لا يؤدي الزكاة 2/ 687.
(2)
انظر: شرح النووي على مسلم 15/ 72.
(3)
مسلم، كتاب الفضائل، باب ما سئل صلى الله عليه وسلم شيئًا قط فقال: لا، وكثرة عطائه 4/ 1806.
(4)
المرجع السابق، في الكتاب والباب المشار إليهما آنفًا 4/ 1806.
وإذا رأى صلى الله عليه وسلم الرجل ضعيف الإِيمان، فقد كان صلى الله عليه وسلم يجزل له في العطاء، قال صلى الله عليه وسلم:«إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه خشية أن يُكبَّ في النار على وجهه» (1).
ولذلك كان صلى الله عليه وسلم «يعطي رجالًا من قريش المائة من الإِبل» (2).
ومن مواقفه الحكيمة العظيمة في ذلك ما فعله صلى الله عليه وسلم مع المرأة المشركة صاحبة المزادتين، فإنه صلى الله عليه وسلم بعد أن أسقى أصحابه من مزادتيها، ورجعت المزادتان أشد ملاءة منها حين ابتدأ فيها «قال لأصحابه:" اجمعوا لها "، فجمعوا لها - من بين عجوة ودقيقة وسويقة - حتى جمعوا لها طعامًا كثيرًا وجعلوه في ثوب، وحملوها على بعيرها، ووضعوا الثوب بين يديها، فقال لها: " اذهبي فأطعمي هذا عيالك، تعلمين والله ما رزأناك (3).
من مائك شيئًا، ولكن الله هو الذي أسقانا».
وفي القصة أنها رجعت إلى قومها فقالت: لقيت أسحر الناس، أو هو نبي كما زعموا، فهدى الله ذلك الصرم (4) بتلك المرأة، فأسلمت وأسلموا (5).
وفي رواية: فكان المسلمون بعد ذلك يغيرون على من حولها من المشركين ولا يصيبون الصرم الذي هي منه، فقالت يومًا لقومها: ما أرى أن هؤلاء القوم يدعونكم عمدًا، فهل لكم في الإِسلام؛ فأطاعوها، فدخلوا في الإِسلام (6).
وقد كان سبب إسلام هذه المرأة أمران:
الأمر الأول: ما رأته من أخذ النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من مزادتيها ولم ينقص ذلك من مائها شيئًا، وهذا من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم التي تدل على صدق رسالته.
الأمر الثاني: كرم النبي صلى الله عليه وسلم حينما أمر أصحابه أن يجمعوا لها، فجمعوا لها طعامًا كثيرًا.
أما قومها، فقد أسلموا على يديها، لأن المسلمين صاروا يراعون قومها بإقرار النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل الاستئلاف لهم، حتى كان ذلك سببًا لإِسلامهم (7).
وهذه الأمثلة التي سقتها ما هي إلا قطرة من بحر من كرم النبي صلى الله عليه وسلم، فما أحوجنا، وما أولى جميع الدعاة إلى الله عز وجل إلى الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم والاقتباس من نوره وهديه في دعوته وفي أموره كلها، والله المستعان.
10 -
مواقف النبي صلى الله عليه وسلم مع زعيم المنافقين عبد الله بن أُبَيّ: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وقد أجمع الأوس والخزرج على تمليك عبد الله بن أُبي، ولم يختلف عليه في شرفه اثنان، ولم تجتمع الأوس والخزرج قبله ولا بعده على رجل من أحد الفريقين، وكانوا قد نظموا له الخرز، ليُتَوِّجوه ثم يملِّكوه عليهم، فجاءهم الله - تعالى - برسول الله صلى الله عليه وسلم وهم على ذلك، فلما انصرف قومه عنه إلى الإِسلام امتلأ قلبه حقدًا وعداوة وبغضًا، ورأى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استلبه ملكه، فلما رأى قومه أبوا إلا الإِسلام، دخل فيه كارهًا، مصرًا على النفاق والحقد والعداوة (8) ولم يأل جهدًا في الصدّ عن الإِسلام، وتفريق جماعة المسلمين، والذب عن اليهود ومساعدتهم.
(1) البخاري مع الفتح، كتاب الزكاة، باب قوله تعالى:(لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا) 3/ 340، ومسلم، كتاب الزكاة، باب إعطاء من يخاف على إيمانه 3/ 733.
(2)
البخاري مع الفتح، كتاب فرض الخمس، باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي المؤلفة قلوبهم 6/ 249.
(3)
أي: لم ننقص من مائك شيئًا انظر: فتح الباري 1/ 453.
(4)
الصرم: أبيات مجتمعة من الناس. انظر: فتح الباري 1/ 453.
(5)
البخاري مع الفتح، كتاب المناقب، باب علامات النبوة 6/ 580، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها 1/ 476.
(6)
البخاري مع الفتح، كتاب التيمم، باب الصعيد الطيب وضوء المسلم يكفيه من الماء 1/ 448.
(7)
انظر: فتح الباري 1/ 453.
(8)
انظر سيرة ابن هشام 2/ 216، والبداية والنهاية 4/ 157.
وقد ظهرت مواقفه الخبيثة في معاداته لدعوة الإِسلام، ولكن عن طريق التستر والنفاق، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقابل عداوته بالعفو والصفح والحلم؛ لأنه يُظهر الإِسلام، ولأن له أعوانًا من المنافقين، هو رئيسهم وهم تبع له، فكان صلى الله عليه وسلم يحسن إليه بالمقال والفعال، ويقابل إساءته بالعفو والإِحسان في عدة مواقف، منها على سبيل المثال ما يأتي:
(أ) شفاعته لليهود (بنو قينقاع) عندما نقضوا العهد: نقض بنو قينقاع العهد بعد بدر بكشف عورة امرأة من المسلمين في السوق، وبقتل رجل نصرها من المسلمين (1) فسار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم السبت للنصف من شوال، على رأس عشرين شهرًا من الهجرة، وحاصرهم خمسة عشر يومًا، وتحصنوا في حصونهم، فحاصرهم أشد الحصار، وقذف الله في قلوبهم الرعب، فنزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بهم فَكُتِّفُوا، وكانوا سبعمائة مقاتل، فقام إلى النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أُبي حين أمكنه الله منهم، فقال: يا محمد، أحسن في موالي، فأبطأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد، أحسن في موالي، فأعرض عنه، فأدخل يديه في جيب درع النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي أربع مائة حاسر، وثلاثمائة دارع (2) قد منعوني من الأحمر والأسود تحصدهم في غداة واحدة، إني والله امرؤ أخشى الدوائر، فوهبهم النبي صلى الله عليه وسلم له (3) وأمرهم أن يخرجوا من المدينة ولا يجاوروه بها، فخرجوا إلى أذرعات من
(1) انظر: سيرة ابن هشام 2/ 427، والبداية والنهابة 4/ 4، والرحيق المختوم ص 228، وهذا الحبيب ص 246.
(2)
الحاسر: هو الذي لا درع له، والدارع: هو لابس الدرع. انظر: المعجم الوسيط، مادة " حسر "، 1/ 172، ومادة " درع " 1/ 280.
(3)
انظر: سيرة ابن هشام 2/ 428، والبداية والنهاية لابن كثير 4/ 4.
أرض الشام، وقبض منهم أموالهم، وخمس غنائمهم صلوات الله وسلامه عليه (1).
(ب) ما فعله مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد: خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى معركة أحد، فلما صار بين أحد والمدينة انخزل عبد الله بن أبي بنحو ثلث العسكر، ورجع بهم إلى المدينة فتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام، والد جابر رضي الله عنهما فوبّخهم، وحضهم على الرجوع، وقال: تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا، قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لم نرجع، فرجع عنهم وسبهم (2).
فلم يعاقبه رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا الجرم العظيم، وتخذيل المسلمين.
(جـ) صده الرسولَ صلى الله عليه وسلم عن الدعوة إلى الله تعالى: «ركب النبي صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن عبادة، فمر بعدوّ الله عبد الله بن أُبي وحوله رجال من قومه، فنزل صلى الله عليه وسلم فسلم ثم جلس قليلًا، فتلا القرآن، ودعا إلى الله عز وجل، وذكَّر بالله، وحذر وبشر وأنذر، وعندما فرغ صلى الله عليه وسلم من مقالته، قال له عبد الله بن أُبي: يا هذا، إنه لا أحسن من حديثك هذا، إن كان حقًّا فاجلس في بيتك فمن جاءك له فحدثه إياه، ومن لم يأتك فلا تغته (3) ولا تأته في مجلسه بما يكره منه» (4) فلم يؤاخذه صلى الله عليه وسلم، وعفا عنه وصفح.
(1) انظر: زاد المعاد 3/ 126، 190.
(2)
انطر: زاد المعاد في هدي خير العباد 3/ 194، وسيرة ابن هشام 3/ 8، 3/ 57، والبداية والنهاية 4/ 51.
(3)
أي: لا تكثر عليه به وتتردد به عليه، أو لا تعذبه به. انظر: القاموس المحيط، باب التاء، فصل الغين، ص 200، والمعجم الوسيط، مادة " غتَّ "، 2/ 644.
(4)
انظر: سيرة ابن هشام 2/ 218، 219.
(د) تثبيته بني النضير: عندما نقض يهود بني النضير العهد بهَمِّهِم بقتل النبي صلى الله عليه وسلم، بعث إليهم محمد بن مسلمة يأمرهم بالخروج من جواره وبلده، فبعث إليهم أهل النفاق - وعلى رأسهم عبد الله بن أُبي - أن اثبتوا وتمنعوا فإنا لن نسلمكم، إن قُوتلتم قاتلنا معكم، وإن أُخرجتم خرجنا معكم، فقويت عزيمة اليهود، ونابذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنقض العهد، فخرج إليهم حتى نزل بهم وحاصرهم، فقذف الله في قلوبهم الرعب، وأجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم وخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام (1).
وترك النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أُبي فلم يُعاقبه على ذلك.
(هـ) كيده وغدره للنبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين في غزوة المريسيع: في هذه الغزوة قام عبد الله بن أُبي بعدة مواقف مخزية توجب قتله وعقابه، منها:
1 -
دبر المنافقون في هذه الغزوة قصة الإِفك، وتولى كبره عبد الله بن أُبي ابن سلول (2).
2 -
وفي هذه الغزوة قال عبد الله بن أُبي: {لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} [المنافقون: 8](3).
(1) انظر سيرة ابن هشام 3/ 192، والبداية والنهاية 4/ 75، وزاد المعاد 3/ 127.
(2)
انظر قصة الإِفك في البخاري مع الفتح، كتاب المغازي، باب حديث الإِفك 7/ 431، وكتاب التفسير، سورة النور، باب لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوه قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيم. 8/ 452، ومسلم، كتاب التوبة، باب حديث الإِفك 4/ 29 21، وزاد المعاد 3/ 256 - 268.
(3)
سورة المنافقون، الآية 8.
وانظر البخاري مع الفتح، كتاب التفسير، سورة المنافقون، باب سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّه لَهُمْ إِنَّ اللَّه لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ. 8/ 648، 652، وفي كتاب المناقب، باب ما ينهى عنه من دعوى الجاهلية 6/ 546، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا 4/ 1998، وانظر: سيرة ابن هشام 3/ 334.
3 -
وفٍي هذه الغزوة قال عدو الله: {لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا} [المنافقون: 7](1).
وقد ظهرت الحكمة المحمدية، وتجلت السياسة الرشيدة في إخماد النبي صلى الله عليه وسلم نار الفتنة، وقطع دابر الشر - بفضل الله ثم بصبره - على عبد الله ابن أُبي، وتحمله له، والإِحسان إليه، ومقابلة هذه المواقف المخزية من هذا الزعيم المنافق بالعفو؛ لأن هذا الرجل له أعوان، ويخشى من شرهم على الدعوة الإِسلامية؛ ولأنه يظهر إسلامه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب - حينما قال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق -: «دعه لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه» (2).
فلو قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم لكان ذلك منفرًا للناس عن الدخول في الإسلام؛ لأنهم يرون أن عبد الله بن أُبي مسلم، ومن ثم سيقول الناس: إن محمدًا يقتل المسلمين، فعند ذلك تظهر المفاسد، وتتعطل المصالح. فظهرت حكمة النبي صلى الله عليه وسلم وصبره على بعض المفاسد خوفًا من أن تترتب على ذلك مفسدة أعظم؛ ولتقوى شوكة الإِسلام، وقد أمر بالحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر.
(1) سورة المنافقون، الآية 7.
والحديث في البخاري مع الفتح، كتاب التفسير، سورة المنافقون، باب قوله تعالى وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّه، 8/ 648، ومسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم 4/ 2140.
(2)
البخاري مع الفتح، كتاب التفسير، سورة المنافقون، باب سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ، 8/ 648، 8/ 652، 6/ 546، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا 4/ 1998.
وقد ظهرت الحكمة لعمر بعد ذلك في عدم قتل عبد الله بن أبي فقال: " قد والله علمت، لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم بركة من أمري "(1).
وهكذا ينبغي للدعاة إلى الله أن يسلكوا طريق الحكمة في دعوتهم اقتداء بنبيهم صلى الله عليه وسلم.
(1) ذكره ابن كثير في البداية والنهاية، 4/ 185. وانظر شرح النووي على مسلم 16/ 139، وهذا الحبيب يا محب ص 336.